فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 1942

إن القرآن عبارة عن مجموعة تعاليم حياتية وقيم رفيعة؛ تعلّمنا كيفية العيش بكرامة وسعادة في هذه الدنيا، وكيف ينبغي لنا أن نحيى لنسعد في الدنيا والآخرة معًا. وهذه هي خلاصة محتوى القرآن ورسالته.

وهكذا، وبعد أن علمنا أن الفهم الخاطئ للقرآن هو السبب الرئيس الكامن وراء تخلف المسلمين وانحطاطهم وتبعيتهم أصبح لزامًا علينا أن نحذر من تكرّر هذه الحالة التي ستؤدي بنا - إن استمرّت- إلى ما لا يحمد عقباه.

إننا لو أخذنا الجانب الاقتصادي لوجدنا أن القرآن يأمرنا بأن نسلك مسلكًا سليمًا لا تبذير فيه ولا إسراف، بل يدعوفيه إلى الاقتصاد والإنفاق المعتدل، كما تشير إلى ذلك الآية: (وَالَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) (الفرقان/67) . فلا إفراط ولا تفريط ولكننا إذا نظرنا إلى طريقة تعاملنا الاقتصادي في حياتنالوجدنا أن حياتنا بعيدة كل البعد عمّا اختطّه الإسلام، وأراده القرآن لنا، فهي حياة تبذير وإسراف، إذ أن حياةالاقتصاد والإنفاق المعتدل تعني - على سبل المثال- أن لو كان مرتبك الشهري خمسين دولارًا فإن عليك أن تنفق خمسة وعشرين دولارًا منه لاحتياجاتك، وتهب عشر دولارات منه للفقراء والمساكين، وتدّخر الباقي ليوم الحاجة،أما إذا أخذت مرتبك وأنفقته بأكمله، واستقرضت بالإضافة إلى ذلك مبلغًا آخر ولم يكن ذلك من أجل الإنفاق في سبيل اللَّه، وإنما في سبيل الاستهلاك، فحينئذ ستكون حياتك حياة إسراف وتبذير.

وللأسف فإننا - بصورة عامة- مستهلكون أكثر منا منتجون، في حين أن القرآن يأمرنا أن نعطي أكثر مما نأخذ، وأن ننتج أكثر مما نستهلك، كما تشعر بذلك الآية التي تقول: (وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًاوَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِنَ الُْمحْسِنِينَ ) (الأعراف/56) . فحياتنا العملية قائمة على أساس الإسراف والتبذير، ولعل طريقة تعاملنا مع الماء الذي نتوضأ به، والطعام الذي نأكله، والملابس التي نرتديها، وسائر الأدوات والأمتعة التي نقتنيها ونستعملها، ليست طريقة إصلاح؛ بل هي طريقة إفساد. وبمعنى آخر؛ فإن حياتنا استهلاكية رغم إننا ندّعي بأننا دعاة إلى اللَّه سبحانه، وأدلاء إلى سبيله، ومبلّغون لرسالاته، فما بالك بالأشخاص العاديين!

أهمية معرفة لغة القرآن

إننا نحمل اليوم رسالات أنبياء اللَّه على عواتقنا، وما علينا سوى أن نصوغ شخصياتنا بهذه الرسالات المقدسة قبل أن نصوغ شخصيات الآخرين بها، وأهم أمر في صياغة أنفسنا أن نبدأ من تعرّفنا على لغة القرآن العميقة، وكيفية تطبيقهاعلى أنفسنا؛ فعندما تخاطبنا آيات الذكر تذكّرنا بأن أي عمل يقوم به الإنسان يُجزَ به، وإن كان مثقال ذرة: (وَمَن يَعْمَل مِثْقالَ ذَرَّة خَيرًا يَره، ومَن يَعْمَل مِثْقَالَ ذَرَّة شَرًا يَرَه ) (الزلزلة/8-7) .

فما الذي يريد أن يقوله لنا القرآن، ويوصله إلى أذهاننا عبر هذه الآية؟

إن القرآن الكريم يريد أن يوجد فينا عبر لغته الراقية والدقيقة حبّ العمل الصالح، والوله به. فآيات القرآن واضحة في هذا المضمار، وهي تبعث دومًا على النشاط، والعمل، والجهاد، ولكنّ هناك من لا يفهم لغة القرآن، فيعمد في البدء إلى تنفيذ العمل الملقى عليه برغبة منه أو دون رغبة، إجبارًا أو اندفاعًا، وفي المرة الثانية تراه يتردد قائلًا: ألا يوجد أحدغيري يقوم بهذا العمل؟، أما في المرّة الثالثة؛ فإنه يهرب نهائيًا من العمل!!

وفي هذه الحالة يهاجم الشيطان الإنسان بالتبريرات الجاهزة، ليقعده عن القيام بالعمل الصالح، ويلقي بالأعذار في ذهنه من قبيل التذرّع بالتعب، أو عدم جدوى القيام بهذا العمل... في حين أن الإنسان الذي يعمل وهو مرغم، أو لا يعمل أساسًا لأنه يقدم جملة من التبريرات سلفًا، فإنه لا يمكن أن ينجح في الحياة، ولا يكن أن تنجح رسالته التي يحملها، لأنه ليس مخلصًا ومتفانيًا في سبيل تحقيق أهدافه.

أما المؤمنون الحقيقيون؛ فإنهم يعشقون العمل الصالح، ويعلمون أن لكل شي ء حسابه الخاص به في يوم القيامة، ولذلك فهم يجتهدون ويتنافسون في أعمال الخير، لأنهم عرفوا ووعوا منذ البداية لغة القرآن، ومعانيه العميقة الواسعة.

ونحن جميعًا ينبغي أن نعمل، لأننا نؤمن بيوم الحساب، ونعلم بأن الدار الآخرة هي دار حساب ولا عمل، والدنيا دارعمل ولا حساب، وأن العمل الصالح هو الشي ء الوحيد الذي يجب أن نتسابق إليه، ونتنافس فيه قبل حلول الأجل وفوات الفرصة.

الأهداف لا تتحقق بالشعارات

وعليه؛ فإن الأهداف العظيمة التي نحملها لا يمكن تحقيقها بالشعارات والهتافات، لأنها - أي الأهداف- بحاجة إلى تربية ذاتية، تغيّر من خلالها الشخصية تغييرًا كاملًا. فالتراخي والتوالي والأنانية هي أمور لا يمكن أن تصنع حضارة أوتحقق تقدمًا وازدهارًا؛ وأن الشي ء الوحيد الذي تحتاج إليه شخصية الإنسان هو الاجتهاد؛ أي بذل المزيد من الجهدوالعطاء.

ونحن عندما ننظر إلى ما أنجزه الغربيون من التقدم، علينا أن نتأكد بأنهم لم يسبقونا ويتفوّقوا علينا بالكلام والشعارات،بل كان سر تفوقهم هو العمل والمساعي العلمية والاقتصادية.

وكما أسلفنا؛ فإن السعي والعمل يتّمان عبر تربية النفس على حب العمل الصالح، وأن نقرأ القرآن لنقاوم به ضعف أنفسنا،وجبننا، وكسلنا، وأنانيتنا، وفشلنا، وجميع المظاهر السلبية في حياتنا لنصنع - بالتالي- جيلًا قرآنيًا يزرع النجاح والأمل والتفاؤل في كل مكان.

السبيل إلى الإصلاح الحضاري

من أين بدأت بإصلاح المجتمع أو إصلاح الحياة، فإنك لابد أن تصل إلى سائر الأبعاد، لأن في الحياة عوامل متكاملة متفاعلة وذات تأثير متقابل.

ترى من أين نبدأ عملية الإصلاح الحضاري في الأمة؛ من الفرد لإصلاح المجتمع، أم من المجتمع لإصلاح الفرد، وهل نبدأمن المجال الاقتصادي أم السياسي أم الاجتماعي؟

للجواب على ذلك نقول: إنّه ليس المهمّ تحديد نقطة الانطلاق في عمليّة الإصلاح الحضاري، فجميع مساعينا في هذاالمجال تصبّ في قناة واحدة؛ فإن أصلحنا الفرد فإنّه سيكون الّلبنة الأولى لبناء صرح المجتمع، وسيبث روحًا جديدًا فيه.وإذا بدأنا بإصلاح المجتمع فإن قوانين هذا المجتمع وديناميكية نظامه ستؤثّران بشكل مباشر في إصلاح الفرد أيضًا، وإذاأصلحنا الاقتصاد فإن السياسة هي الأخرى سينعكس عليها الإصلاح، وإذا أصلحنا الأخلاق أثّر هذا الإصلاح مباشرة على الثقافة.

وبناءً على ذلك؛ فإننا نستطيع من خلال بيان هذه الحقيقة أن نحسم الجدال الذي استهلك جهود وأوقات الكثير من الخبراء والعلماء حول تعيين منطلق عملية الإصلاح الحضاري، بل إنّ هذا الجدال جعل البعض منهم يعيش ضمن دائرةمفرغة لا يعلم من أين يدخل فيها، ومن أين يخرج منها، فالمهمّ ليس معرفة هذا البعد أو ذاك بقدر ما هو الانطلاق والمبادرة .

ونحن -كمسلمين- نصاب في بعض الأحيان بشلل الإرادة ، وقد ينعكس هذا الشلل في تأخير اتخاذ القرار؛ متذرّعين بأنّنا لا نعرف من أين نبدأ عملنا، وكيف نتحرك، ومن الذي سيساعدنا.. في حين أنّ من الواجب علينا أن نتوكّل في هذاالمجال على اللَّه تقدّست أسماؤه، الذي يقول: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (العنكبوت/69) .

وثمة سؤال لا يصح التغافل عنه؛ ما هو السبيل إلى إنشاء مؤسسات اجتماعية حضارية فاعلة، وكيف نحوّل مساجدنا إلى جامعات، ومنتديات علمية ومراكز اجتماعية وخدماتية..؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت