فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 1942

من أجل أن نقوم بكلّ ذلك وغيره، علينا أن نتّبع الخطوات التالية:

إسقاط الحواجز

1/ لابد أن نسقط الحواجز بيننا كأفراد؛ فنحن نعيش فيما بيننا سواء في الأسرة، أم في المسجد أو حتى في التنظيمات السياسية، ولكن هذا التعايش هو تعايش مادّي بحت، أمّا الأرواح فإنها متنافرة، فكل واحد منّا يعيش في وادٍ،والآخرون في وادٍ آخر.

ترى كيف السبيل إلى إسقاط هذه الحجب، وتجاوز هذه الحواجز والعقبات؟ من أجل العثور على إجابة شافية على هذاالسؤال، لابد أن نعود إلى كلمة نبينا الأعظم محمدصلى الله عليه وآله وسلم التي يقول فيها: (إنما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق ) (31) ، إلا أننا عادة لا ننظر إلى التعاليم الأخلاقية باعتبارها قضايا أساسية. فنحن قليلًا ما نتأثّر بالنصائح والمواعظ الأخلاقية، فالكثير منّا عندما يجلس في مجالس الوعظ والإرشاد فإنّه يسمع المواعظ والإرشادات بإذن ليخرجها من الأذن الأخرى، فترى كل واحد ينظر إلى ساعته ليرى متى ينتهي المجلس، في حين أن هذه الدقائق محسوبة عليه، وهذه المجالس نحن مسؤولون عنها يوم القيامة، فلعلّ حديثًا نسمعه في هذا المجلس أو ذاك من شأنه -إذا لم نطبّقه- أن يقف أمامنا يوم القيامة ليمنعنا من دخول الجنّة، فهذا الحديث يعتبر بالنسبة إلينا نذيرًا وبشيرًا. صحيح أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليس بيننا، ولكن كلامه ما يزال بيننا، فالخطيب إنما يتحدث إليك بالنيابة عن القرآن وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم،وعندما لا يترك فيك هذا الحديث الأثر المطلوب فإن هذا يعني أنك لم تأت لكي ترتفع، وتحدث تحوّلًا حقيقيًا في نفسك، وتتغيّر تغيرًا جذريًا، ولذلك فإن الحديث سوف لا ينفعك، ولا ينفذ إلى أعماقك لأنك لم تكن مستعدًا له من الناحية الذهنية والنفسية.

إن التربية الأخلاقية تمثّل عملية متطورة، وهي بإمكانها أن تحدث قفزة هائلة في حياتنا، ونحن إذا أردنا أن نتمسك بتعاليم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام الخلقية، فإننا نحتاج إلى عزيمة تشبه عزيمة الإنسان الذي يريد أن يقتلع جبال الهملايامن جذورها، والسبب في ذلك أن نفس الإنسان بتجبّره متكبرة، طاغية، كما أن الوساوس الشيطانية، والثقافةالجاهلية، وغفلة الإنسان وشهواته تزيد من تلك الصفات السلبية في النفس.

إن الحواجز التي تفصلنا عن بعضنا لابد وأن نهدّمها لكي نبني المجتمع الحضاري من خلال تصوّر أن هذه الحواجزستمنعنا أولًا من دخول الجنة لقول الإمام موسى الكاظم عليه السلام في وصيته لهشام بن الحكم في إطار بيانه للأثر الذي سيتركه في يوم القيامة حاجز من تلك الحواجز: (وهل يكبّ الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائدألسنتهم ) (32) ، فالكلمة الواحدة من الممكن أن تهوي بالإنسان في نار جهنم سبعين خريفًا، ولكننا - للأسف الشديد- ترانا نجلس لنخوض مع الخائضين، ولنوزّع التثبيطات يميننا وشمالًا، في حين أن الكلمات المثبطة التي نتفوّه بهامن الممكن أن تصبح بالنسبة إلى الطرف المقابل بمثابة فرامل توقف مسيرته. فقد تكون هناك عشرات البرامج في ذهن هذا الإنسان يريد أن يطبّقها، ولكنّ تلك الكلمات أوقفتها.

هذا في حين أننا مسؤولون عن الكلمات التي ننطبق بها، وسوف نحاسب عليها يوم القيامة حسابًا عسيرًا؛ فالغيبة،والتهمة، والنميمة... كل ذلك نحن مسؤولون عنه، وفي القرآن الكريم آيات عجيبة تتوفر على معالجة أمراض النفس شريطة أن يعي الإنسان هذا العلاج، كقوله تعالى: (وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ) (الأنعام/120) . ففي بعض الأحيان قد لا يغتاب الواحد منّا إنسانًا آخر بشكل مباشر، وقد يرتكب ذنوبًا لفظية أخرى فتترك آثارهاالضارة والسلبية على الآخرين دون دخولنا الجنة، وتمنعنا بذلك من الوصول إلى أفضل ما نصبو إليه.

الصفات السلبية سبب المأساة

2/ لنتصوّر أن هذه المآسي التي تحلّ بنا - نحن المسلمين- بما فيها من فظاعة وآلام قد كان السبب فيها تلك الأخلاقيات السيئة التي نعاني منها، فاللَّه سبحانه وتعالى لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم.

ترى ما هي هذه الصفات السلبية التي تكّرست فينا وسبّبت هذه المآسي والأزمات؟ لابد أن هناك أنواعًا أخرى من الذنوب، ألا وهي الذنوب التي نستهين بها ونستصغرها والتي تعتبر أخطر الذنوب على الإطلاق، لأن الذنب الذي يستصغره الإنسان لا يمكن أن يغفره اللَّه جل وعلا؛ فكلّ واحد منّا يتصوّر امتيازه عن الآخرين ببراءة خاصة، فيقرّرأن جميع الناس كفار، ومنافقون، وأن عليه أن يحطّمهم.. ومثل هذا الإنسان سوف يعذبه اللَّه تعالى مرتين؛ مرّة لأنه ارتكب ذنبًا، ومرّة ثانية لأنه استحلّ حرمة إنسان مؤمن.

وأنا أرى في هذا المجال أن الذنوب التي تنزل نقمات الرب، وتحول بيننا وبين معالجة وإصلاح أوضاعنا، هي نوع من الذنوب الخفيّة؛ مثل سوء الظنّ، والتكبّر، والتفاخر، والاستهزاء بالآخرين، والحط من شأنهم.

فلنقرأ - مثلًا- سورة الحجرات، ولنطبّقها على أنفسنا، ولنتدبر في هذه الآية: (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِن نِسَآءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَ ) (الحجرات/11) . فكيف يحق لنا أن نقرّر أن جماعتنا هي أفضل من تلك الجماعة، وكيف استطعنا أن نضمن خلاصنا من نار جهنم لكي ندخل الآخرين فيها؟

إن هذه الصفات السلبيّة المذمومة هي حواجز بيننا كأفراد، وهذه الحواجز تمنعنا من التعاون، وعندما ينعدم التعاون سيوجد الذل والفقر وسائر الصفات السلبية الأخرى.

وللأسف؛ فإنّني قد أرى اثنين من الإخوان المؤمنين الملتزمين بالتعاليم الدينية لا يستطيعان أن ينسجما مع بعضهما في مشروع واحد، رغم أن هذا المشروع هو مشروع دينيّ ليس من ورائه مصلحة شخصية، في حين أن الأعمال الحضاريةهي - عادة- أعمال جماعية، ومثل هذه الروحية لم تنمُ فينا بعد، لأنّنا نعاني من تلك الأخلاقيات السلبية، وقد يكون الواحد منا اكتسب هذه الأخلاقيات منذ الطفولة.

توظيف الاختلاف في التكامل

إن القرآن الكريم يقول صراحة: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ) (المائدة/2) ، ولكن الواحد منّا لا يريدأن يعمل مع الآخرين بحجّة أنه لا ينسجم معهم! في حين أن القضية ليست قضية هوى نفس، فالأيادي لابد أن تتلاحم مع بعضها، والتجارب والخبرات لابد أن تتجمّع مع بعضها. صحيح أن اللَّه تقدست أسماؤه قد خلق كل إنسان على شاكلة معيّنة، وأن الاختلاف من طبيعة كل إنسان، ولكنّ هذا الاختلاف يجب أن يُوظّف لمصلحة التكامل، من أجل أن نشكل به المجتمع الواحد المكتفي من خلال ذلك الاختلاف اكتفاء ذاتيًا. فاللَّه تبارك وتعالى لم يخلقنا مختلفين لكي نتنافرونتصارع مع بعضنا، فهو يقول: (يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَاُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (الحجرات/13) .

وعلى هذا فإن الحكمة من الاختلاف هو الوحدة، والتكامل، والتفاعل. أما أن نتمسك بالاختلاف الذي بين نفوسناوطبائعنا، وأن يبغي كل واحد منا أن تكون له مؤسسة خاصة به لا يدخل فيها عليه أحد، فإن هذه الظواهر هي من صفات المنافقين الذين يعصون من فوقهم، ويظلمون من تحتهم، فلا يستطيعون التوحّد والانسجام مع من هو أعلى منهم، ولا مع من هو أصغر منهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت