فهرس الكتاب

الصفحة 1177 من 1942

وبناء عليه ؛ فليس من شروط الحوار الناجح أن ينتهي أحد الطرفين إلى قول الطرف الآخر . فإن تحقق هذا واتفقنا على رأي واحد فنعم المقصود ، وهو منتهى الغاية . وإن لم يكن فالحوار ناجح . إذا توصل المتحاوران بقناعة إلى قبول كلٍ من منهجيهما ؛ يسوغ لكل واحد منهما التمسك به ما دام أنه في دائرة الخلاف السائغ . وما تقدم من حديث عن غاية الحوار يزيد هذا الأصل إيضاحًا .

وفي تقرير ذلك يقول ابن تيمية رحمه الله: ( وكان بعضهم يعذر كل من خالفه في مسائل الاجتهادية ، ولا يكلفه أن يوافقه فهمه ) ا هـ . من المغني .

ولكن يكون الحوار فاشلًا إذا انتهى إلى نزاع وقطيعة ، وتدابر ومكايدة وتجهيل وتخطئة .

الأصل الثامن:

الرضا والقبول بالنتائج التي يتوصل إليها المتحاورون ، والالتزام الجادّ بها ، وبما يترتب عليها .

وإذا لم يتحقق هذا الأصل كانت المناظرة ضربًا من العبث الذي يتنزه عنه العقلاء .

يقول ابن عقيل:( وليقبل كل واحد منهما من صاحبه الحجة ؛ فإنه أنبل لقدره ، وأعون على إدراك الحق وسلوك سبيل الصدق .

قال الشافعي رضي الله عنه: ما ناظرت أحدًا فقبل مني الحجَّة إلا عظم في عيني ، ولا ردَّها إلا سقط في عيني ) ( ابن حميد ، د: ت ، ص 8 )

آداب الحوار

إن آداب الحوار الصحيح، هي بإيجاز:

أولًا: حسن المقصد:

فليس المقصود من الحوار العلو في الأرض، ولا الفساد، ولا الانتصار للنفس، ولكن المقصود الوصول إلى الحق .

والله تعالى يعلم من قلب المحاور ما إن كان يهدف إلى ذلك أم يهدف إلى الانتصار، والتحدث في المجالس أنه أفحم خصمه بالحجة.

ثانيًا: التواضع بالقول والفعل:

من آداب الحوار: التواضع، وتجنُّب ما يدل على العجب والغرور والكبرياء.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"الكبر بطر الحق وغمط الناس"7

ثالثًا: الإصغاء وحسن الاستماع:

وهكذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم، فربما تحدَّث معه بعض المشركين بكلام لا يستحق أن يُسمع، فيصغي النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إذا انتهى هذا الرجل وفرغ من كلامه، قال له صلى الله عليه وسلم:"أوقد فرغت يا أبا الوليد؟"قال: نعم. فتكلَّم النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من القرآن .8

رابعًا: الإنصاف:

وهو أن تكون الحقيقة ضالتك المنشودة، تبحث عنها في كل مكان، وفي كل عقل.

.خامسًا: البدء بمواضع الاتفاق والإجماع والمسلَّمات والبدهيات:

فمن المصلحة ألا تبدأ الحوار بقضية مختلف فيها؛ بل ابدأ بموضوع متفق عليه، أو بقاعدة كلية مسلَّمة أو بدهية، وتدرج منها إلى ما يشبهها أو يقاربها، ثم إلى مواضع الخلاف.

.سادسًا: ترك التعصب لغير الحق .

.سابعًا: احترام الطرف الآخر:

فنحن مأمورون أن نُنزل الناس منازلهم، وألا نبخس الناس أشياءهم.

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم -"ليس المؤمن بالطعَّان، ولا اللعَّان، ولا الفاحش، ولا البذيء"،9 فالمؤمن ليس باللعان، ولا بالطعان في الناس وأعراضهم، ونياتهم ومقاصدهم وأحوالهم، ولا بالفاحش، ولا بالبذيء.

وفي الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال:"لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشًا ولا متفحِّشًا، وكان يقول: إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا"10، فهذا حال النبي صلى الله عليه وسلم وصفته، وهذا كلامه في وصف المؤمن، أنه لا يحب الفحش ولا التفحش.

ثامنًا: الموضوعية:

الموضوعية تعني رعاية الموضوع وعدم الخروج عنه .

تاسعًا: عدم الإلزام بما لا يلزم أو المؤاخذة باللازم:

والإلزام -بأن تلزم إنسانًا بمقتضى كلامه- من المشكلات؛ لأن اللازم يصلح في كلام الله تعالى، فتقول: الآية يلزم منها كذا، واللازم يعتبر دليلًا من أنواع الدلالات، وكما يقول علماء الأصول: الدلالات ثلاث: دلالة المطابقة، ودلالة التضمن، ودلالة الإلزام، يعني: يلزم من هذا النص كذا وكذا.

فهذا يصح في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، أما كلام الناس فلا إلزام فيه بشيء ما، تقول: يلزم من كلامه كذا وكذا، رغم أنه ما خطر في باله هذا اللازم، ولا فكَّر فيه يومًا من الأيام، وقد لا يوافقك على أنه لازم، ولو وافقك على أنه لازم قد لا يُقر به، فلماذا تلزم الناس بشيء لم يلتزموا به؟

.عاشرًا: اعتدال الصوت:

لا تبالغ في رفع الصوت أثناء الحوار، فليس من قوة الحجة المبالغة في رفع الصوت في النقاش والحوار؛ بل كلَّما كان الإنسان أهدأ كان أعمق؛ ولهذا تجد ضجيج البحر وصخبه على الشاطئ، حيث الصخور والمياه الضحلة، وحيث لا جواهر ولا درر، فإذا مشيت إلى عمق البحر ولجته وجدت الهدوء، حيث الماء العميق ونفائس البحر وكنوزه؛ لذلك يقول المثل الغربي:"الماء العميق أهدأ".

( العودة ، د: ت ، ص 37 )

التعلم من خلال لغة الحوار

"استخدم رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم هذا الأسلوب ( أسلوب الحوار ) في عديد من المواقف 11، لذا حرص المربون المسلمون على إتباع هذا الأسلوب والإشادة بأهميته . وفي هذا المجال يؤكد ابن خلدون أن الطريقة الصحيحة في التعليم هي التي تهتم بالفهم والوعي والمناقشة لا الحفظ الأعمى عن ظهر قلب ، ويشير إلى أن"ملكة العلم"إنما تحصل بالمحاورة والمناظرة والمفاوضة في مواضيع العلم ، ويعيب طريقة الحفظ عن ظهر قلب ويعتبرها مسئولة عن تكوين أفراد ضيقي الأفق عقيمي التفكير لا يفقهون شيئًا ذي بال في العلم" ( غبان ،1415هـ ، ص 122)

"والواقع أن المربين المسلمين قد اهتموا بأسلوب المناظرة والحوار في التدريس واعتبروه أسلوبًا مفضلًا مجديًا في التعليم ، حيث يقول الزرنوجي:"إن قضاء ساعة واحدة في المناقشة والمناظرة أجدى على المتعلم من قضاء شهر بأكمله في الحفظ والتكرار" ( المصدر السابق ، ص 122 ) "

"والحوار الهادئ ينمي عقل الطفل ، ويوسع مداركه ، ويزيد من نشاطه في الكشف عن حقائق الأمور ، ومجريات الحوادث والأيام ، وإن تدريب الطفل على المناقشة والحوار يقفز بالوالدين إلى قمة التربية والبناء ، إذ عندها يستطيع الطفل أن يعبر عن حقوقه ، وبإمكانه أن يسأل عن مجاهيل لم يدركها ، وبالتالي تحدث الانطلاقة الفكرية له ، فيغدو في مجالس الكبار ، فإذا لوجوده أثر ، وإذا لآرائه الفكرية صدى في نفوس الكبار ، لأنه تدرب في بيته مع والديه على الحوار، وأدبه ، وطرقه ، وأساليبه ... واكتسب خبرة الحوار من والديه ." ( سويد ، 1422هـ ، ص 119 )

ومن أهم التقنيات التي ينبغي مراعاتها في الحوار:

1-الاتجاه بالكلية إلى المحاور .

2-الاقتراب من المحاور .

3-التواصل البصري مع المحاور .

* مفهوم الغلو والتطرف

* نشأة وتطور الغلو والتطرف الديني في العالم الإسلامي

* أنواع الغلو

* موقف التربية الإسلامية من الغلو والتطرف

* الإفرازات السلبية للغلو

* سبل الوقاية والعلاج من مشكلة الغلو والتطرف الديني

مفهوم الغلو والتطرف

الغلو في اللغة:

"غَلاَ في الأَمْرِ غُلُوًّا: جاوَزَ حَدَّهُ، وـ بالسَّهْمِ غَلْوًا وغُلُوًّا: رَفَعَ يَدَيْهِ لأقْصَى الغَايَةِ، كغالاهُ ، وـ به مُغالاةً وغِلاءً، فهو رجلٌ غَلاءٌ ، كسماءٍ، أي: بعيدُ الغُلُوِّ بالسَّهْمِ، وـ السَّهْمُ: ارْتَفَعَ في ذَهابِهِ، وجاوَزَ المَدَى" ( الفيروزبادي ، 1993م )

"وتَغَالَى النَّبْتُ: ارْتَفَعَ" ( المصدر السابق )

"والغلوة: الغاية وهي رمية سهم أبعد ما يقدر عليه" (الفيومي،1987م ،ص 172 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت