وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرف على حلقات العلم التي كانت تنتشر في أرجاء المسجد النبوي الشريف خاصة في بواكير الصباح حيث حدث عبدالله بن عمرو بن العاص ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بمجلسين أحدهما فيه دعاء وإقبال على الله والآخر فيه علم, فأقرهما وقعد في مجلس العلم, وشجع رسول الله صلى الله عليه وسلم استخدام الوسائل المتاحة آنذاك لتوضيح المعاني والدروس سواء كانت بصرية او سمعية, ومن أمثلة ذلك ما رواه ابن مسعود بقوله: خط لنا رسول الله خطا بيده ثم قال: ( هذا سبيل الله مستقيما ) وخط عن يمينه وشماله ثم قال: ( هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو اليه ) ثم قرأ ( وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولاتتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) (الأنعام 153) .
ولو أن الوسائل التعليمية المتاحة لنا في عصرنا هذا وجدت في عصر رسول الله صلوات الله وسلامه عليه لحث على استعمالها وكان أول من يستعملها صلى الله عليه وسلم.
واستمر المسجد في التطور والنمو جيلا بعد جيل ليؤدي مهامه في صناعة الحياة ليصبح جامعات ومنارات علمية وفكرية رائدة, والأمثلة كثيرة نذكر بعضها مثل جوامع الألف -وسميت كذلك لأنه مضى على تأسيسها أكثر من ألف عام- مثل جامع عمرو بن العاص قلب الفسطاط الفكري ومهد الحركة العلمية في مصر والذي كان يشهد مئات الزوايا العلمية, والجامع الأموي في دمشق وجامع المنصور ببغداد, وجامع القرويين في فاس بالمغرب الذي امتاز بالنظام التعليمي الجامعي وديموقراطية التعليم وطرق التدريس فيه فكان له شروط دقيقة للتعيين ووظائف التدريس وتخصيص كراسي الأستاذية والإجازات الفخرية, وكان له مساكن جامعية خاصة للطلبة والأساتذة ومكتبات متخصصة للدارسين الجامعيين فقصدها المسلمون وغير المسلمين من شتى أرجاء العالم وخاصة من أوروبا أمثال القس غربرت دورياق الذي أصبح بابا روما, وكان التدريس يبدأ قبل طلوع الفجر وحتى الواحدة بعد منتصف الليل, أما جامع الزيتونة بتونس فقد أبدع في شتى مجالات العلوم النقلية والعقلية وضمت مكتبته العامرة مايزيد عن مائتي الف مجلد, وكذلك كان حال الجامع الأزهر الذي بدأ كغيره كمسجد لإقامة الشعائر التعبدية وسرعان ما أصبح جامعة يدرس فيها العلوم المختلفة وتخرج فيها علماء عمالقة في كل مجالات الحياة.
واشتركت كل هذه الجامعات العظيمة في تشجيعها لطلبتها على مبدأ المناقشة والمناظرة والتمرس عليها, فأصبح من المألوف ان يخالف الطالب أستاذه في الرأي في إطار الأدب المتعارف عليه, وبهذا أوجدت المدرسة العظيمة التي يطلق عليها بالمسجد -بمفهومه الشامل- أجيالا ستظل معجزة العالم ومفخرته, ولها فضل على كل علوم الدنيا شرعية أو كونية أو إنسانية, حيث كونت أساس النهضة العلمية والصناعية في الغرب.
وحظي القرنان الخامس والسادس الهجريان بالتوسع في بناء المدارس المنفصلة عن المساجد مما أدى تدريجيا الى فقد شمولية التعليم في حلقات المسجد ليقتصر على العلوم الشرعية, وبدأ الضعف العلمي يدب في الأمة, ومما زاد في تسارع الضعف والانهيار حدوث كوارث ثلاث في تاريخ أمة الإسلام على مدى ثلاثة قرون.
أما الأولى فهي حرق مدينة الفسطاط عام 564هـ وأما الثانية فهي تخريب وحرق التتار لبغداد مركز الحضارة الاسلامية آنذاك في عام 656هـ أما الكارثة الثالثة فهي سقوط الأندلس عام 897هـ.
وبفقد المسلمين للزعامة العلمية تم فقد قيادة الإسلام للبشرية وورثت أوروبا التراث العلمي فحمله أبناؤها وقدروه حق قدره فرفع قدرهم ليتسلموا من المسلمين الزعامة العلمية وقيادة البشرية, وأصبح المسملون يتخبطون في الجهل وضاعت هويتهم الإسلامية فبدأوا يفصلون بين التعليم الديني والتعليم الدنيوي وهو مفهوم غريب عند جيل عمالقة المسلمين, وانفصل بذلك البعد الروحي والخلقي والتربوي للمسجد عن العلوم الدنيوية فضعف التحصيل في علوم الدنيا التي فيها قوام الحياة, وعمل الاستعمار على تقليص التعليم الإسلامي الشامل فعملت بريطانيا على الأزهر وفرنسا على جامع القرويين في فاس, وكذلك الحال بالنسبة للزيتونة بتونس, ومن وسائل تحجيم وتحييد هذه المساجد الجامعية اضعاف اوقافها, وتخرجت أجيال ممن صبغت بغير صبغة الله وبغير صبغة مدرسة الإسلام, وابتعد المسلمون أكثر فأكثر عن مفهوم الشمولية العلمية وعمارة الأرض والأخذ بأسباب كل ما يقيم الحياة ويبنيها بل وعندما فقدت صبغة المسجد فقد الإخلاص في تلقي العلوم, وسخرت أمم أخرى العلوم بمعزل عن القيم الروحية وما يصلح النفس البشرية.
ان ضعف دور المسجد هو انعكاس لضعف الأمة الإسلامية ولن تكون الصحوة الإسلامية الا عندما يقوم المسجد بدوره الشامل ويرتقي بأساليبه ووسائله التربوية والتعليمية بما يتناسب مع احتياجات العصر ومقتضياته ليصبح قلب الحياة الإسلامية من جديد, وهو واجب عصري حيث لا يتم واجب تعليم الجيل إلا به.
ان هناك جهودا حثيثة لإعادة دور المسجد في بناء الحضارة وصناعة الحياة, ومن هذه الجهود ما تقوم به الجمعية الإسلامية في بوسطن من إقامة أضخم مركز حضاري في أمريكا يشمل مسجدا جامعا ومدرسة ومكتبة تكون مرجعا للباحثين ومركزا لدعوة غير المسلمين وقاعات للمحاضرات.
وسيبنى المسجد ان شاء الله في موقع متميز بجوار المدينة الطبية والجامعات الكبرى مثل هارفرد وجامعة بوسطن على ارض قدمت للمسلمين بسعر رمزي لأول مرة في تاريخ امريكا, وسيكون هذا موضوعنا القادم ان شاء الله.
(ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها)
المرجع: المسجد ودوره التعليمي عبر العصور من خلال الحلق العلمية لعبدالله الوشلي.
* استشاري غدد صماء وسكر ورئيس برنامج في مركز جوزلن للسكر وعضو هيئة تدريس كلية طب جامعة هارفرد - بوسطن
عضو مجلس أمناء الجمعية الاسلامية في بوسطن
حضارتنا في عيون الغربيين
د.عبد المعطي الدالاتي
"لا يمكن أن نجد دينًا يحتل العلم والمعرفة"
فيه محلًا بارزًا كما كان الأمر في الإسلام""
-كونستان جيورجيو -
تميزت الحضارة العربية الإسلامية بغايتها الربانية ، ورؤيتها الإنسانية ونزعتها العالمية ، ونظرتها الشمولية ، وفكرتها الوسطية ، وصبغتها الأخلاقية . وهذه الحضارة هي الوحيدة في التاريخ التي وصلت الدنيا بالآخرة ، وربطت السماء بالأرض ، وآخت بين العقل والقلب ، ومزجت المادة بالروح ، وأرضت الفرد والمجتمع ، ووازنت بين الحقوق والواجبات ، وجمعت بين الواقع والمثال .. لقد وحّدت بحق بين الثنائيات ، وأخرجت منها شرابًا خالصًا سائغًا للشاربين .
وفيما يلي أنقل شهادات غربية منصفة في حضارتنا انتُزعت من أقلام مفكرين غربيين درسوا الإسلام فراعهم جماله ، وأعجبتهم مبادئه ، ولكنهم لم يُنزلوا قناعاتهم من سماء العقل إلى أرض القلب ، ولم يسقوها بماء الوجدان ، فلم تنمُ غراسها ولم تثمر !
وفشلوا في أن يحوّلوا الاقتناع بالحق إلى اعتناق له ، والإعجاب بالإسلام إلى عقيدة تجري في العروق ، نعم لم يبقَ أمامهم إلا ضربة معول واحدة كي يصلوا إلى النبع الثّر الزلال ، فلم يفعلوا ..
حاموا وهم الظّماء حول الماء ولم ينهلوا !!
وإنما أعرض أقوالهم لأولئك المهزومين أمام الغرب ، الذين لا يشربون الكأس الرويّة إلا إذا كانت بيد غربية ! ولا يجرعون الدواء إلا من تلك الصيدلية !!
على أن بعض هذه العبارات كانت في سياقها شَرَكًا نُصب للعقل المسلم ، ولا حرج علينا - أظن - إن لقطنا الحبة ، ومزقنا الشبكة ، وطرنا بسلام .