فهرس الكتاب

الصفحة 564 من 1942

ثانيًا: وإذا كان التعاون أمرًا لازمًا فيجب أن يكون السعي لبعث الحضارة الإسلامية أبعد شيء عن الحزبية. إن بعض الناس يخلط بين العمل الجماعي المنظم ـ وهو أمر لا بد منه ـ وبين الحزبية التي تحول التنظيم إلى غاية كثيرًا ما يُضحى في سبيلها بالغاية التي أُنشئ من أجلها والتي كان في البداية مجرد وسيلة إليها. الحزبية أن تحصر علاقات الأخوة الإسلامية وواجباتها في من دخلوا ضمن إطار التنظيم، وأن لا يعان على عمل خير بل ولا يعترف به إلا إذا كان من منجزات الجماعة المنظمة.

ثالثًا: الالتزام الصارم الشديد بقيم العدل والصدق والأمانة والوفاء حتى في معاملة الأعداء. لأن هذه القيم قيم مطلقة لا تختص بحال دون حال. قال تعالى:

ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا. وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان.

قال المفسر الكبير ابن كثير: إن العدل واجب على كل أحد، مع كل أحد، في كل حال؟

لكن بعض العاملين للإسلام اليوم يحيدون عن هذه القيم لأوهي الأسباب، ويسلكون سلوك السياسيين الميكيافليين. ناسين أن هذه القيم قيم يحبها الله، وأن الالتزام بها ـ حتى مع الأعداء ـ عبادة لله. وأنك لا يمكن أن تنصر دين الله بارتكاب مساخط الله.

رابعًا: على الأفراد وعلى الجماعات غير الحكومية أن تلتزم التزامًا معلنًا وصارمًا بالطرق السلمية. هذا هو الذي يدل عليه شرع الله، وهو الذي ينتهي إليه كل من اتعظ بالتجارب المريرة للجماعات التي دخلت في صراعات دموية لم تكن لها بكفء. إنك لا تحمل السلاح على من أنت تحت سلطانه، وإنما الذي يشرع لك هو الدعوة مع كف الايدي وإقامة الصلاة، فإذا كانت لك أرض مستقلة وقوة مادية فآنذاك:

أذن للدين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير.

اللَّهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.

أستغفر الله، وأصلى وأسلم على خاتم رسل الله.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الآخرة كمدخل عملي إلى"الإسلام هو الحل"وكمنهج لبناء الحضارة"الإسلامية"

د. يحيى هاشم حسن فرغل

إن السر في تأخر المسلمين يكمن هنا في هجرانهم الآخرة كمنهج عملي للدخول في"الإسلام هو الحل"، ثم في هجرانهم لها كمنهج لبناء الحضارة الإسلامية

ويرجع انحرافهم في ذلك إلى أمرين على التفصيل يربطهما أمر جامع:

أما الأمر الأول: فهو انحراف في المنهج المعرفي، جعلنا نشتغل بقضايا العلم الذي لا عمل من ورائه ونشتغل بالعمل الذي لا علم فيه"علم لا ينفع".

إن قضية الآخرة قضية جوهرية في مسألة المعرفة أساسا، وفي مسألة القيم سلوكا، وفي مسألة البناء الحضاري هدفا.

وهي إذ تسيطر على هذه المواقف كمنهج إسلامي فإنها تحول مواقفنا جميعا إلى مواقف عملية.

وتنقلنا في ممارساتنا لقضايا المعرفة والقيم والبناء الحضاري إلى المنهج العملي.

حتى في قضية الإيمان الأساس ومبدأ الدخول في الإسلام..وضع الرسول - صلى الله عليه وسلم - الآخرة كمنهج عملي بابا للدخول في الإسلام.

ففي صحيح البخاري باب {إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} (سبأ: 46) روى بسنده عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «صَعِدَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الصّفا ذاتَ يومٍ فقال: يا صباحاه.فاجتمعَت إليه قريش، قالوا: ما لك؟ قال: أرأيتم لو أخبرتكم أنّ العدوّ يصبّحكم أو يمسّيكم أما كنتم تصدّقونني؟ قالوا: بلى قال: فإِني نَذيرٌ لكم بينَ يَدَي عذابٍ شديد.

وفي صحيح مسلم: روى بسنده عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الاَيَةُ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} (الشعراء الاَية: 214) دَعَا رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - قُرَيْشًا. فَاجْتَمَعُوا. فَعَمّ وَخَصّ. فَقَالَ: «يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيَ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النّارِ. يَا بَنِي مُرّةَ بْنِ كَعْبٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النّارِ. يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النّارِ. يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النّارِ. يَا بَنِي هَاشِمٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النّارِ. يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النّارِ. يَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النّارِ. فَإِنّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ الله شَيْئًا. غَيْرَ أَنّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلّهَا بِبِلاَلِهَا » .

وفي صحيح البخاري بسنده عن أبي بُردةَ عن أبي موسى عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنما مَثَلي ومثلُ ما بَعَثَني اللّهُ به كمثلِ رجلٍ أتى قومًا فقال: يا قوم إني رأيتُ الجيشَ بِعَينيّ، وإني أنا النذيرُ العُريان، فالنّجاء النجاء! فأطاعَهُ طائفةٌ من قومِهِ فأدْلجوا فانطلقوا عَلى مَهَلِهم فنَجوا، وكذّبت طائفةٌ منهم فأصبَحوا مكانهم فصبّحَهم الجيشُ فأهلكهم واجْتاحَهُمْ، فذلك مثلُ مَن أطاعني فاتّبع ما جئتُ به، ومثلُ من عصاني وكذب بما جِئت به منَ الحق» .

إن الوحي عندما نزل جعل قضية الآخرة في الصدَّر، وألح عليها بشكل دائم:

(يا أيها المدثر قم فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر، والرجز فاهجر، ولا تمنن تستكثر، ولربك فاصبر، فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير) أول سورة المدثر

(يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم، تنزيل العزيز الرحيم لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون) أول سورة يس.

(تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا) أول سورة الفرقان.

(الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيها أبدا وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ) أول الكهف.

وفي المستدرك للحاكم النيسابوري: بسنده عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن بن مسعود رضي الله - تعالى -عنه قال: تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام"فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: إن النور إذا دخل الصدر انفسح، فقيل: يا رسول الله هل لذلك من علم يعرف؟ قال: نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله

لكن للأسف الشديد: لقد زحزحت الآخرة عن موقعها التأثيري هذا من زمن طويل. منذ بدأ احتكاك المسلمين بالثقافات غير الإسلامية.

نقلوا قديما عن الثقافة اليونانية منهج النظر بغير عمل. ثم نقلوا حديثا عن النهضة الأوربية منهج العمل بغير إيمان

وأما الأمر الثاني: فانحراف في المنهج السلوكي، جعلنا نتناول الحياة الدنيا لا على منهج الكفار فنأخذها خالصة، ونفقد الآخرة كما فقدوا، ولا على منهج الإسلام فنأخذ الآخرة قصدا وتأتينا الدنيا تبعا. ففي تاريخ بغداد للخطيب البغدادي: بسنده عن إبراهيم بن بشار الصوفي الخراساني خادم إبراهيم بن أدهم قال: وقف رجل صوفي على إبراهيم بن أدهم، فقال: يا أبا إسحاق لم حجبت القلوب عن الله - عز وجل -؟ قال: لأنها أحبت ما أبغض الله، أحبت الدنيا، ومالت إلى دار الغرور واللهو واللعب، وترك العمل لدار فيها حياة الأبد، في نعيم لا يزول، ولا ينفد، خالد مخلد، في ملك سرمد، لا نفاد له ولا انقطاع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت