فهرس الكتاب

الصفحة 1727 من 1942

وسيكتشف القارئ ، وهو يتابع فصولي ، أن الحافز على تحرير هذا الكتاب ، هو الإجابة على الحيرة الملحة ، التي تظهر في كتابات المسلمين وغير المسلمين وهم يتساءلون عن منزلة الإسلام في عصر أعلنه الغرب -من خلال صمويل هنتينجتون- عصر صراع الحضارات ، بعد نهاية صراع المصالح ، وصراع الأيديولوجيات. فما هو سلاحنا الثقافي الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في هذا الصراع المقبل؟ وهل أعددنا لخوضه ما استطعنا من قوة فكرية وثقافية؟

وإنني توخيت بقدر الإمكان مجادلة أفكار الآخرين بالتي هي أحسن ؟ مفضلًا إقامة البرهان على تشنج العدوان . راجيًا ما يرجوه المسلمون ، وهو أن يكون بين حضارتنا والحضارات الأخرى حوار هاديء مستقيم ، لا صراع عنيف مستديم . وإن النصر الذي ننشده للمسلمين في هذا الصراع الحضاري ، ليس نصرًا عسكريًا ، فنحن نأبى أن نختزل مجد الإسلام في قوة حربية ، وهو دين اتخذ السلام منهجًا ، والسلام اسم من أسماء الله الحسنى ، كما أن النصر الذي نأمله ليس طغيانًا على الحضارات الأخرى ، أو إرادة هيمنة على شعوب سوانا بقدر ما هو دفاع مشروع عن أصولنا الروحية ، وثوابتنا الحضارية ، حتى نعتمدها في تحديد مصيرنا ، وصيانة استقلالنا ، وإنشاء تضامننا .

ويعلم الله جل وعلا أننا قصدنا بهذا الكتاب ، إثارة أقلام جيلنا المسلم من أهل العلم والفقه والمعرفة ، حتى نسهم في إقرار فضيلة الحوار الذكي ، الحي ، حول شؤون حضارتنا ، من مناظير مختلفة ، وبموازين متباينة ، فالحق لا يتبين من الباطل ، ولا الغي من الرشد ، إلا متى خضع الموضوع للنقاش الحر الكريم ، بما يخدم الإسلام ، وينهض بالمسلمين.

ويحضرنا ما رواه سعيد بن المسّيب عن علي رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله ، الأمر ينزل بنا ، لم ينزل فيه القرآن ، ولم تمض فيه منك سنة ؟ قال: (اجمعوا له العالمين - أو قال: العابدين - من المؤمنين، فاجعلون شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد ) .

إن آفة الحضارة الإسلامية في عصرنا الراهن ، القضاء برأي واحد ، ومخالفة رسول الله صلى الله عليه و سلم في هذا الحديث ، فقد تجاوزت الدراسات الإسلامية ، إلى درجة جعلت كل صاحب رأي يريد أن يقضي به ، دون إجماع العالمين أو العابدين من المؤمنين ، ودون جعله شورى بين الناس .

باتت قلوب المسلمين شتى من جراء انعدام فضيلة الحوار ، ولعل أخطر ما يهددنا ، هو أننا نتقدم نحو الحضارات الأخرى المتكاتفة المتكافلة ، ونحن ملل ونحل ، ضرب أعداؤنا أعز ما يربطنا: ديننا .. عندما أفرغوا استقلالاتنا من محتواها الحضاري ، فلم تنجل جيوشهم الدخلية عن أراضينا ، إلا بعد أن عششت ثقافاتهم البديلة في ضمائرنا ، ولم تغادر الإدارة الصليبية المباشرة مجتمعاتنا ، إلا بعد أن فرخت بيضتها الصهيونية في وجداننا .

فكيف نحاور الحضارات إذن بدون أن نعيد قراءة مراجعنا الأصيلة ، حتى نتفق جميعًا على الأصول ، مهما اختلفنا حول الفروع . وهذا الكتاب أردته خطوة بسيطة على هذا النهج القويم ، في عالم متغير متحول ، يموج من حولنا يوميًا بالأفكار والاكتشافات ، والتحديات ، وثورة الاتصالات .

وأنا موقن أشد اليقين ، أن هذا الجهد عسير ، وأن الفوز بالمقصد نادر ، ولكن الإيمان بالله سبحانه يعد المحرك الأكبر للهمم ، والحافز القوي للإرادة . فاتكالي عليه ، وإنابتي له ، فيما اعتزمت من عمل .

المؤلف

أين موقعنا من صراع الحضارات؟

عصرنا الراهن عصر تحولات مدوخة ومثيرة وسريعة. عصر اتسم بالثورة التكنولوجية والاتصالية العارمة، التي لم تستطع مجاراتها ثورة أخلاقية ودينية وروحية معاصرة لها. العلم تطور بشكل مذهل، مما جعل الإنسان يكاد يفقد قواعده الروحية أمام اجتياح المادة. كأنما العالم اليوم منقسم إلى جنوب متخلف اقتصاديًا وصناعيًّا وتكنولوجياًّ، وإلى شمال متخلف روحياًّ. وفي كلتا الحالتين فإن التخلف يعني الشقاء وانعدام الشعور بالأمان.

إن الجنوب المتخلف مادياًّ، والشمال المتخلف روحيًا، يتعايشان في عالم واحد، تربط بينهما اتصالات حينية متكاثرة باستمرار، ويدخل العالم تدريجيًا مرحلة تتصادم فيها الحضارات والثقافات، وتتحارب أنماط الحياة. الجزء المتخلف روحيًا، بلغ أقصى النعم المادية، لكن الروح خواء. لم تصمد لديه المعتقدات والمرجعيات والأصول الدينية والثقافية، فتحصن بالمؤسسات السياسية الدستورية، تحميه من سطوة المجتمع التنين، بينما الجزء المتخلف ماديًا استنجد بأديانه وقومياته وهوياته، يستنفرها في معركة بقاء: معركة حياة أو موت.

إن الصراع القادم بين هذين الجزئين لن يكون كما عرفناه - تقليديًا بين المصالح والأيديولوجيات فحسب، بل أغلب الظن أنه سيكون صراعًا جديدًا بين الحضارات مثلما أعلنه صمويل هنتينجتون فهل سيكون النصر لهذا الجزء أم ذاك؟ ثم إن هذا الصراع الكوني المعلن، ستدور رحاه بين جزئين معوقين: الأول معوق روحيًا، والثاني معوق ماديًا، أي أن الأول يفتقد الغايات، والثاني يفتقد الوسائل، حسب تعبير المفكر الفرنسي آلن توران.

ونحن المسلمين؟

أين موقعنا.. وهل أعددنا لذلك الصراع ما استطعنا من قوة؟

الإجابة البسيطة هي أننا ننتمي كأمة إسلامية، إلى ما كان يسمى بالعالم الثالث، أو ما يسمى حاليا بالجنوب، أو البلدان النامية. فأغلب شعوب الإسلام وقبائله - ما عدا البوسنة والهرسك - تقع في آسيا وأفريقيا، وهما قارتان تقعان في الشطر الأقل حظًا من التنمية، والاكتفاء الذاتي والتصنيع، وهما مستهدفتان من الاستعمار والاحتلال، والاستغلال، والسلب، والنهب، على مدى قرون طويلة، كما أنهما تداولتا حضارات متميزة متعاقبة ثرية، ونشأت فيهما الأديان والثقافات، وتحركت المقاومات، وتبلورت الهويات. ونحن المسلمين بعض من هاتين القارتين، وفق الله فتوحاتنا الإسلامية إلى الامتداد على جزء هام من أوروبا منذ أول نزول المسلمين بالأندلس سنة 710م في حملة طريف، وفتحها سنة 711م على يد طارق بن زياد، بعد أن استقر الإسلام في أفريقية (القيروان) .

ومن الجزيرة العربية انطلق الإسلام في المرحلة نفسها، أو قبلها بقليل، لنشر رسالة القرآن على ممالك فارس وبيزنطة، ثم تم فتح السند وغنم الإسلام البنجاب وكابول (713م) ثم شرع المسلمون يفتحون جنوبي فرنسا (714م) .

فانتماؤنا كمسلمين إذن انتماء مزدوج جغرافيًا، ولعلنا الحضارة الوحيدة التي تربط كحلقة وصل بين الجزء الأول والجزء الثاني. فالعالم الإسلامي الحالي يتحمل طبعًا قدره الجغرافي الصعب، لكنه محكوم عليه أن يعي قدره التاريخي الفريد. فالأمة الإسلامية تقع حضاريًا بين هذا الجزء المتخلف روحيًا، وذلك الجزء المتخلف ماديًا، ورسالتها أن تقدم للإنسانية نموذجًا طريفًا وفذًّا من الحياة الصحيحة، تنصهر فيها الروح مع المادة في وفاق أمثل، وتمتلك فيها الوسائل دون التفريط في الغايات.

ليس هذا حلمًا!

لقد تحقق في مراحل عديدة من تاريخ الإسلام ، والتقائه بالحضارات الأخرى، ونشأت دول مسلمة قوية تعددية - بالمفهوم الديني والعرقي والثقافي - متسامحة، متقدمة، ذات إيمان عميق بجوهر الشريعة، وكان سرّ عظمتها دائمًا، في قدرتها على التوفيق بين الروح والمادة، بين الوحي والعقل، بين الغيب والمحسوس، بين الغايات والوسائل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت