فهرس الكتاب

الصفحة 1769 من 1942

ولا يتوقف النبي صلي الله عليه و سلم عند هذا الحد ، بل يرسم منهاج الحل للمشكلات ، ويعطي التدابير العملية لذلك ، وهذا ما نستخلصه من حديث سنني آخر: (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، عن رسول الله صلي الله عليه و سلم:(من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا ، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة .. ومن يسر على معسر ، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة .. ومن ستر مسلمًا ، ستره الله في الدنيا والآخرة .. والله في عون العبد ، ما كان العبد في عون أخيه .. ومن سلك طريقًا يتلمس فيه علمًا ، سهل الله له طريقًا إلى الجنة .. وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله ، يتلون الكتاب ويتدارسونه بينهم ، إلا نزلت عليهم السكينة ، وغشيتهم الرحمة ، وحفتهم الملائكة ، وذكرهم الله فيمن عنده .. ومن بطّأ به علمه لم يسرع به نسبه ) .

في هذا الحديث سنن ، وقوانين ، وتوجيهات تسعى إلى تأسيس القاعدة الأخلاقية للسلوك البشري ، وما التوجيهات ، والطرق التي قدمها الرسول صلي الله عليه و سلم في هذا الحديث ، بغرض تحقيق الرقي الروحي والسلوكي ، إلا مظاهر للغاية الأخلاقية الاجتماعية ، التي يقصدها الرسول صلي الله عليه و سلم . لقد ربط كل فعل بجزاء إلهي لا نظير له . فكما ربط تنفيس الكربة في الدنيا ، بجزاء إلهي ، هو تنفيسها في الآخرة - وما أعظمه من أمل يعيش من أجله المسلم - فقد ربط التيسير على المعسر ، بتيسير الله في الدنيا والآخرة . وهكذا تواصل منطقية السنة في تقديم نظامها البرهاني للحركة التاريخية ، ورسم وعيها في شكل نظام منهجي أخلاقي ، يمكن تطبيقه في أرض الواقع ، وفي حياة الناس ، وما غايتها إلا العمل من أجل المحافظة على مقاصد الشارع في الخلق ، كما أمر المولى تبارك وتعالى.

فالغاية القصوى للسنة ، والتي أخذتها من القرآن الكريم ، هي السعي إلى (إخراج المكلف عن داعية هواه ، حتى يكون عبدًا لله اختيارًا ، كما هو عبد لله اضطرارًا) .

إن هذا العرض العام لبعض الأحاديث ، مكننا على الأقل من اكتشاف المدخل الأولي، الذي يمكن أن نستعمله ، من أجل فهم منطقية السنة ، ونظامها البرهاني ، ومنهجها الاستدلالي ، ورؤيتها المنظمة للظواهر الإنسانية ، وتعاملها مع عالم الأسباب . فعمق هذه الأحاديث ، يعبر عن وعي الرسول صلي الله عليه و سلم لسنن الله في الخلق . وعليه فالسنة النبوية المطهرة ، ساحة خصبة للسنن الإلهية العاملة في الذكر ، والأنفس ، والكون .. واكتشافها ، وفهمها ، وتسخيرها ، مطلب شرعي ، ولازمة استخلافية ، لا تقوم بدونها حياة إنسانية مستقيمة على الطريقة.

السنة النبوية مصدر للثقافة الإسلامية

ولكي نتعامل بشكل جيد ، ونافع ، مع السنة النبوية المطهرة باعتبارها مركبًا للفعل الحضاري الإسلامي ، الذي يراد له أن يعمل على حفظ مقاصد الشارع في الخلق ، يجب أن نلاحظ بأن هناك مستويات للتعامل ، كما أن هناك منهجيات ، وكيفيات ، سوف نقوم بعرض عام لها ، ضمن هذا العنصر الذي عقدناه لبحث منطقية السنة في تعاملها مع الظاهرة الاجتماعية.

إن السنة النبوية مصدر من مصادر الثقافة الإسلامية. وهذا يؤدي إلى البحث في مستويات الفعل الثقافي ، وكيف يتركب في الواقع البشري المعضل . فللثقافة وجهان: الوجه النظري ويمثل البناء التصوري ، والمفاهيمي ، والمعرفي ، والمنهجي للظاهرة الثقافية. والوجه العملي ، ويمثل التشكل الاجتماعي ، والسلوكي للظاهرة . فدراسة أي ثقافة بشرية لابد أن تمر على المستويين السابقين: مستوى الإطار المرجعي ، ومستوى الإطار السلوكي . ودراسة أي منهما بمعزل عن الآخر ، سوف يجزيء الظاهرة الثقافية ، ويفصل شقيها المتلازمين . فكل السلوكيات ، والمواقف العملية ، والبنى المادية لثقافة ما ، إنما يرجع إلى الجذر النظري والمرجعي ، الذي يطبع عالم الثقافة بطابعه ، وبنائه الخاص ، المستمد أصلًا من تصورات المجتمع ، ومواقفه الكونية ، والحياتية.

وما دامت السنة النبوية مصدرًا من مصادر الثقافة الإسلامية ، فإنها تؤثر في الجانبين معًا . وعليه فمن الضروري دراستها من الجانبين كذلك:

-السنة النبوية كمصدر للبناء الثقافي النظري والمرجعي (عالم العقيدة والأخلاق الإسلامية) .

-والسنة النبوية كمصدر للنظام السلوكي لدى الأشخاص (عالم السلوك وعالم العمران) .

في المستوى الأول ، تظهر لنا مجالات التعامل مع الظاهرة الثقافية التي منها:

-مجال التصور الكوني.

-مجال المفاهيم.

-مجال المنهجية.

-مجال النظرية المعرفية.

-مجال القوانين الثقافية.

-مجال القوانين الأخلاقية.

-مجال المشروع الاجتماعي.

-ومجال التنظير ، وضوابطه.

أما في المستوى الثاني للظاهرة الثقافية ، هناك كذلك مجالات للتعامل نذكر منها:

-مجال الواقع الإنساني.

-مجال السلوك البشري.

-مجال الجهد البشري.

-مجال المعاش والعمران البشري.

-ومجال التاريخ ، والسير في الأرض.

والسنة النبوية تدخل في توجيه الجانبين معًا ، حتى ينسجما مع الخطاب الإلهي ، وينضبطا مع القانون الفطري العام الذي جاءت الشريعة لتدل عليه ، وتعلم بأنه صبغة الله التي يجب أن يعود إليها البشر في صناعة حياتهم ، وتسخير سنن الله من أجل تحقيق السعادة في الدارين.

إن فهمنا للسنة النبوية بهذه الشمولية ، وإدراك قدرتها الفائقة على التوجيه في مختلف الأصعدة السابقة ، سوف يتيح لنا فرصة التعرف على الخير الإلهي الذي أودعه سبحانه وتعالي في جهد نبيه صلي الله عليه و سلم كما سيطلعنا على القدرة الذاتية للوعي النبوي المضمن في سنته ، التي تمثل الإطار العملي لمقاصد الشارع الحكيم في الخلق ، ولحركة تنزيل الخطاب الرباني في صورة موقف اجتماعي ، كان من محصلته بناء الإنسان ، والمجتمع ، والثقافة الإسلامية المعبرة عن حضارة الإسلام في الأرض

المنهج النبوي ومفهوم التغيير الحضاري

سوف لا نسعى إلى البحث عن مفهوم للتغيير الاجتماعي من وجهة نظر العلوم الاجتماعية ، والسلوكية الحديثة ، لسبب واحد ، هو أنها ليست في العمر الحضاري الذي تعيشه أمتنا عمومًا ، والحركة الإسلامية التغييرية خصوصًا . فالموقع العملي للأحداث التي تمر بها الأمة داخليًا ، وخارجيًا ، مختلف عما يدور في الذهنية الحضارية المعاصرة ، ولما تسعى إلى تحقيقه من الأهداف ، تبعًا لتصورها الكوني . أعني أن هذه العلوم ، وبشكل خاص علم اجتماع التغيير والحضارة ، والثقافة ، تعيش في عمر حضاري آخر ، يتصل بجدلية الحضارة القائمة ، وصيرورتها التاريخية الذاتية ، التي لا يمكن بأي حال من الأحوال تعميمها، مالم تصبح معارفها معبرة عن القانون الفطري ، الذي يحكم الخلق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت