فهرس الكتاب

الصفحة 1846 من 1942

وأترك الجواب للدكتور غليون فهو يرى أن (1) : (العقلانية العربية هدفها ومطلبها، نقل العلم، والنظرة العلمية، إلى ثقافة تعتبرها من الأساس فاقدة له، وغير قادرة على إنتاجه. إذن مطابقة أفكارنا للعلم، هي قاعدة الموضوعية والعلم، كما هي مجسدة في نظم معرفية جاهزة، تضمن صحة هذه الأفكار ويقينيتها ) .

ونلاحظ هنا، كيف تصادر هذه المحاكمة - بالمعنى المنطقي- على المسألة الأساسية، التي ما كان من الممكن للعلم أن ينشأ بدونها، وهي التساؤل عن مصدر يقينية المعرفة العلمية نفسها، وهو التساؤل الذي قاد إلى تطور العلم، كثمرة لفلسفة ما قبل (علمية مؤسسة العلم ذاته كمفهوم ) .

إن هذه (المحاكمة ) تقول عمليًا: إن أصل المعرفة اليقينية (العلم ) نفسه، وبذلك فهي لا تحرم نفسها فقط من التفكير في هذا العلم، والتحقق من المسعى العلمي، في كل مرة يسعى فيها الباحث إلى إدراك الواقع وتحليله، وإنما تضفي أيضًا على المعرفة العلمية صفة الحقيقة (المطلقة ) ، والمنزلة التي تشكل في ذاتها المبتدأ والمنتهى...

إنها تجعل من العلم معرفة (لاهوتية مقدسة ) مفصولة عن الواقع الذي استمدت منه، وعن المجتمع الذي ظهرت فيه، وعن الذات التي أنشأته، وعن المطلب الذي وضع له.

مرجعية العلم:

إن الغرب مكتشف العلم، لم يعد يعتبره حقيقة يقينية، ولو اعتبره فنحن نبحث عن مرجع نعود إليه حين نختلف، فإذا كان العلم مما يختلف فيه، فكيف يكون مرجعًا ؟

لقد هربنا من يقينية الأديان، فسقطنا في يقينية العلم، كما فعلت الماركسية، حين شطبت الأديان، ثم ما لبثت أن صارت دينًا، أكثر تشنجًا وتعصبًا، حتى حرمت قراءة الكتب المخالفة، وصادرت حرية المعارض كليًا، وهكذا تحولت إلى دين له طقوسه ورموزه، وحتى أنبياؤه، وصار قبر المعلم (لينين ) مزارًا، وعلى زائره أن يقف باحترام، فلا يسمح له مثلًا وضع النظارات على رأسه، ولا التحدث ...إلخ.

لقد هربت الحداثة وأهلها من الأديان لتجعل من العلم دينًا جديدًا، له سدنته وطقوسه!

إنها تكفّر كل من لا يقبل (يقينية العلم ) وصحة وسلامة الحداثة، وتُقْصيه بعيدًا، وتتهمه بالرجعية والظلامية والعودة للقرون الوسطى، إنها جماعة (تكفير ) جديدة، تكفر (وطنيًا ) ، وتبعد وتقصي كل من لا يشاركها الرأي والمعتقد، أنهم مكفرون جدد!

وأخيرًا أجد من النافع المفيد أن نتساءل: هل نحن ننشئ علمًا، أم نقتبس ونستهلك فقط؟ وهل نحن ننشئ حضارة أم نستهلك منتجات حضارة فقط ؟

وأخيرًا هل نحن بحاجة إلى مرجعية، نرجع إليها عندما نختلف أم لا؟ والسؤال الرابع والأخير: هل يمكن حل مشاكلنا بخلق عداء بين العقلية العلمية والعقلية الدينية ؟

يقول د. غليون (1) : (إن مشكلة العلم لا تحل بخلق(عداء مطلق) بين وجود العقلية العلمية، والعقلية الدينية أو التقليدية، لأن معنى هذا أنه علينا أن ننتظر القضاء الكامل على الثقافة التقليدية، حتى نصل إلى اكتساب العقلية العلمية وهذا مناف للواقع، واقع العلم والثقافة في الغرب ذاته، فليس هناك ما يمنع تعايش الثقافة العلمية والدينية والأدبية، في كافة المجتمعات، القديمة والحديثة، على حد سواء، ويكفي في ذلك إلقاء نظرة على الحركات الدينية المتجددة في أمريكا ).

الذي يمكن تصوره أن هناك حقيقة روحية، وحقيقة علمية، ولا تناقض بين الاثنين، إلا إذا أسيء فهم إحداهما أو كلاهما.

رأي شيخ الإسلام في التعارض:

لقد وجدت شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله، يدرس قضية التعارض بين القضايا العقلية والنقلية، ثم يضع ميزانًا لذلك (1) إذ يرى أن الحقائق منها ما هو شرعي (نقلي ) ، ومنها ما هو عقلي، وكل منهما فيه القطعي والظني، وهناك ثلاث قواعد تضبط ذلك:

1-إن القطعيين لا يتعارضان.

2-إذا تعارض قطعي وظني يقدم القطعي، أيًّا كان مصدره.

3-إذا تعارض ظنيان فعلى العقل أن يسعى للمفاضلة بينهما، وأن يأخذ بالأرجح.. منهج متوازن لا شطط فيه، أعتقد أنه مقبول لدى كل منصف.

ختامًا لقد وجدت الرئيس البوسني (علي عزت بكوفتش ) يعمل مقارنة لطيفة بين الحضارة والثقافة، من حيث الأهداف والوظائف فيرى (2) :

أن الثقافة تحتل تأثير الدين على الإنسان.. أما الحضارة فتمثل تأثير الذكاء على الطبيعة.. الثقافة تعني الفن، وأما الحضارة فتعني صناعة الأشياء.. الثقافة صنع مستمر للذات، والحضارة تغيير مستمر للعالم.. الثقافة استمرار للتقدم الإنساني، والحضارة استمرار للتقدم التقني.

الثقافة تقدم مستمر للذات، والحضارة اضطرار للاعتماد على المادة، وفرض لها على الإنسان.. الثقافة تستهدف التقليل من حاجات الإنسان، والتوسع في آفاق الحرية.. حامل الثقافة هو الإنسان، وحامل الحضارة هو المجتمع.

الثقافة تحتل القوة الذاتية، والحضارة تمثل قوة على الطبيعة.

الدين والقيم والفكر والآداب، من مكونات الثقافة. والعلم والتكنولوجيا والمدن والدول كلها تنتمي للحضارة..

وأخيرًا: فالحضارة ليست خيرًا بنفسها ولا شرًا، لذا فالمتحضر يمكن أن يكون مستعمِرًا ومستعبِدًا لأخيه، سارقًا لأقوات الشعوب الفقيرة، محطمًا لها، مشعلًا للحروب، مستغلًا تقدمه في تحطيم الآخرين، ومنعهم من التقدم، كي يظلوا سوقًا له ولبضائعه.

فالحضارة ومثلها التقدم، وصف وليس بحكم، فالمتحضر يمكن أن يكون ملكًا رحيمًا، كما يمكن أن يكون شيطانًا رجيمًا، وكذلك التقدم، يمكن أن يكون باتجاه الخير والسلام، ومعاونة الشعوب الفقيرة، والأخذ بيدها، كما يمكن أن يكون وسيلة استعلاء ونهب وسلب، وإشعالٍ للحروب، وفرض لتجارة مثل تجارة الأفيون.

إن أوروبا الناهضة المتقدمة استعمرت كافة القارات، وخاضت من أجل ذلك في أنهار من الدم، وفعلت في المستعمرات ما يفعله الذئب في فريسته، وكان سلاحها تقدمها وملكَها أسباب القوة وتخلفَ الآخرين.

فليس التحضر أو التقدم بنفسه خيرًا أو شرًا، ولكن بما يحمل، وبما يحسن أو يسيء من تصرف.

والمتقدم والمتحضر -اليوم- هو من يلوث البيئة، بعشرات الأضعاف مما يفعله المتخلف.. فالمتقدم ليس ملكًا، والمتخلف ليس شيطانًا.

الأهداف الكبرى لخلق الإنسان

لو تساءلنا عن الأهداف الكبرى التي خُلق من أجلها الإنسان، ماهي؟ يمكننا جمعها في هدفين كبيرين: عبادة الله، وعمارة الأرض.

أولًا: عبادة الله تعالى:

يقول سبحانه وتعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } (الذاريات:56) .. والعبادة لغة: الانقياد والذل والخضوع (1) .

يقول الفيروزأبادي (2) : (العبادة: الطاعة، وهي أبلغ من العبودية، لأنها غاية التذلل، لا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى.. العبادة ضربان: ضرب بالتسخير، وضرب بالاختيار، وهو النطق، وهو المأمور به في قوله تعالى: {اعبدوا ربكم } (البقرة:21) ، وقد ورد العبد والعبادة في القرآن على ثلاثين وجهًا... )

والمعنى الاصطلاحي للعبادة، لا يخرج عن المعنى اللغوي، وقد جعلها شيخ الإسلام ابن تيمية، اسمًا جامعًا لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه، فصارت تشمل العبادات البدنية والمالية والقلبية.

والعبادة تطلق -عادة- على معنيين اثنين هما:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت