فهرس الكتاب

الصفحة 1845 من 1942

يمكن الزعم بأن الأمة يمكن أن تطير بجناحين: التراث والتحضر. إن د. غليون يعاود الفكرة مرارًا ويقلبها على عدة أوجه، فيقول: هناك مشكلة مفادها (2) : (الاعتقاد بأن مجتمعنا لم يستطع أن يستوعبالحضارة الحديثة ) لأن ثقافته وتراثه تقليديان، وهذا ينفي عن عملية الحضارة والتحضر كل طابعها الاجتماعي والتاريخي الصراعي. فهل لو طبقنا في بلادنا القوانين (اللبرالية) مثلًا، أصبح لدينا بالضرورة صناعة حديثة؟

نحن نقول بالعكس، لو طبقنا نفس الحلول، التي طبقتها المجتمعات الغربية، دون النظر إلى تغير الظروف التاريخية، وأهمها بالضبط تحول الغرب إلى (مركز للحضارة ) يتحكم بآلياتها ووسائلها، ويصارع ليبقى المحتكر الأول لها، لوصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم.. أي زيادة التأخر والتبعية...

لا يعني هذا رفض (التحديث ) وإنما يعني ربطه بمعيار واضح، اجتماعي وقيمي أو أخلاقي. باختصار، لا لتدمير الهوية، لا لفصل العرب عن العالم، ولا لأي سياسة أو خطة تطمس أحد قطبي التناقض، لصالح القطب الآخر.

القضية أحسبها واضحة، فهناك في مجتمعنا من هو زاهد في التراث، بل يرى فيه عقبة كبرى، ويسخر من الهوية، فالعالم صار قرية واحدة، ولا معنى للتشبث بالهوية الخاصة، ولذا فالحل في نظره سهل ميسور، نتجاهل التراث، ونهمل الهوية، ونندمج في حضارة اليوم.

وقد وجدت د. غليون يطرح أسئلة فيقول (1) : (ماذا نريد من الحضارة، وماذا نريده كمجتمع، وما هي أهدافنا ؟ )

هل نحن نسعى إلى أن يكون لمجتمعنا (واجهة حديثة شكلية ) ، تجعله يبدو مشابهًا لغيره من المجتمعات الحديثة، أم نريد أن يكون له وظائف إبداعية وإنتاجية مشابهة -وليست مماثلة- لما لدى هذه الأخيرة ؟

أي هل المقصود تحديث القائم والتراث أو هل أن تحديث التراث، يقدم حلولًا مفيدة، أم أن الحلول قائمة خارجه، وعلينا نحن أن نبدعها؟.. أسئلة جيدة، تستحق التفكير.

د. غليون لا يمل طرح القضية، ومن زوايا متعددة، فهو يقول مثلًا: إن التحديث العقلي لا يحل لنا مشكلة، لأنه يحذف الوعي، ويشرح ذلك فيقول (2) : (إنه يقوم على الاعتقاد بأنه إذا نجحنا في تبني مؤسسات مشابهة للمؤسسات العلمية والثقافية الغربية، وفي أن نصبغ أفكارنا وقيمنا وطريقة بحثنا بالصبغة العلمية، وصلنا إلى الحضارة، ودخلنا في المعاصرة، أي أصبح لدينا قيم وفكر وعلم مماثل لعلم الغرب وقيمه، وأصبحنا بالتالي متحضرين أو أصحاب حضارة، وخرجنا من دائرة الهامشية وانعدام الفعل. )

ليست هذه إلا مسألة (مصطنعة ) في نظرنا، وشكلية ولا قيمة لها، إذ النهضة الثقافية والفكرية، ليست مرتبطة بمماثلة أو مشاكلة الغرب، ولا تعني التوصل إلى تحقيق نفس الوظائف الاجتماعية أو الثقافية، بل نحن نعتقد أن هذه (المماثلة ) هي السبب في إخفاق العقل العربي الحديث، وفشل النهضة الثقافية.

يتحدث بعد ذلك عما يسميه الثقافة الحية والثقافة الميتة، الثقافة الحية تكون -عادة- قادرة على إيجاد وإبداع حلول جديدة لكل وضع جديد.

أما الثقافة التي تعجز عن ذلك فهي ميتة أو (تكرارية ) ، تشتغل بمشاكل غيرها، وتعجز عن القيام بواجباتها، فتضطر لتركها إلى غيرها.. وينهي موضوعه قائلًا (1) : (وكلما تماثلت البنيات الثقافية العربية مع البنيات الثقافية الغربية وحاكتها، أصبحت -بالضرورة- أقل قدرة على إدراك خصوصيات مجتمعها، وفقدت بالتالي قدراتها الإبداعية، ومبرر وجودها ) . فهل يُقنع هذا متغربينا؟

المرجعية ونوعية النقل:

د. غليون مغرم بتحديد نوعية الشيء المطلوب نقله، عن حضارة الغرب، كما قاده ذلك للحديث بحرارة عن (المرجعية ) .

فعن نوعية الشيء المطلوب استيراده يكرر (1) : (من السهل استيراد الآلات والأجهزة والمنتجات المادية وغير المادية، لكن ليس من السهل ولا من الممكن استيراد(الفاعلية الثقافية) ، لأن الثقافة هي التعبير الأساسي عن وجود الجماعة كجماعة موحدة، والشرط الأساسي لتحقيق استمرارها وتميزها وتاريخها، أي لإعطائها ذاتية مستقلة ).

فالثقافة هي مانحة الهوية، وهي أيضًا صانعة الولاء، والأمة -أي أمة- قد لا تكون متحضرة، لكنها لا تعيش بدون ثقافة، واستقلالية الأمة رهن باستقلال الثقافة، فمن لا استقلال له ثقافيًا، فكيف تتحقق له الاستقلالية؟!

أما المرجعية، فالناس في المجتمع الواحد يختلفون، فإذا حصل ذلك فلا بد من مرجعية يرجعون إليها لضبط الاختلاف، وفي ذلك يقول د. غليون (2) : (لا تستطيع أمة أن تتمتع بإرادة ذاتية وقوة معنوية ورؤية نظرية وقاعدة معيارية، إلا بقدر ما تنجح في تأسيس(مرجعية ثابتة) عميقة الجذور، مرتبطة بتاريخها أو بتجربتها التاريخية، ولا تستطيع جماعة أن تبني نشاطها، أو تؤسس وجودها على (مرجعية خارجية) مستمدة من تاريخ آخر، ومستقاة من ثقافة أخرى، أي لا تستطيع أن تجعل من (رمز استبعادها وتهميشها) مرجعًا لنهضتها الجديدة وتغلبها ).

أعتقد أن المرجعية أمر أساسي، وليس من الترف.. ومن لا يجد مرجعية، سوف يضربه الاختلاف، حتى يجعل من الأمة هيئة أمم. يقول الله: {اعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا } (آل عمران:103) ، ويقول: {ولا تكونوا من المشركين، من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا } (الروم:32) ، ويقول: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينا } (آل عمران:105) .

ويمكن القول: بأن المرجعية هي السلك الذي يجمع حبات الأمة، فلا يجعلها تنفرط، فإذا سقطت المرجعية، فما الذي يجمع الأمة ؟

قضية أخرى (كبيرة ) تضبطها (المرجعية ) ، كلما شاهدت الاختلاف في الفضائيات العربية، يقفز إلى ذهني: أين المرجعية، ولمن ينبغي أن نعود، وما معيار الخطأ والصواب ؟

لقد وجدت د.غليون يطرح القضية طرحًا دقيقًا، فيقول (1) : (ما هو مصدر معلوماتنا الصحيحة؟؟ أي ما معيار التمييز بين الحق والباطل؟ ومن الذي يكفل صحة معارفنا وأحكامنا العقلية وصلاحيتها ؟ ونستطيع طرح الموضوع بطريقة أبسط، فنقول: كيف يكون الواقع ما هو، أي مطابقًا لذاته، أي متسقًا، ومن ثم معقولًا ومقبولًا؟ ليس هناك مجتمع يمكن أن ينشأ أو يعيش دون أن يحدد لنفسه أسس(المعرفة اليقينية) ، وشروط نمو هذه المعرفة، والتي هي أساس نشوء العلم وتطوره، وسبب ومبرر وجوده.. وعن هذه الأسئلة يصدر السؤال الأعم، الذي يتعلق بنا مباشرة، وهو: لماذا لم يتطور العلم الحديث في المجتمعات العربية المعاصرة، وكيف يمكن تجاوز العقبات، التي تقف أمام هذا التطور؟ )

قد يقول إنسان: المرجع هو العقل، ولكنه يختلف، بل ما أكثر ما يختلف، فهل نرجع لعقلي أم عقلك، أم ماذا؟

قد يقول آخر: لنرجع إلى العلم، فهو مرجعنا، وهو الآخر مختلف أيضًا، وقد تولى د. غليون الرد والمناقشة فقال (1) : إن الحداثة تفترض أن الواقع (المطابق لذاته) هو الواقع الحديث، أو المساير للحداثة، أما مظاهر الحياة التقليدية وأنماطها فكلها ليست واقعًا، ولا تحمل انسجامًا .

إن الواقع التقليدي ليس له أي قوام حقيقي، وليس مبررًا، ووجوده عبارة عن مظهر من مظاهر اللاعقلانية والانحطاط والشذوذ، وإذن فـ (الحداثة ) هي (معيار العقلانية والصحة ) ، فلا يمكن للمعرفة أن تكون صحيحة ويقينية إلا عندما يكون نموذجها هو (الواقع المطابق لذاته ) ، أي الواقع المعاصر، ولما كان العلم أحد منتجات هذه (المعاصرة ) فهو إذن معيار صحة أفكارنا عن الواقع، وبقدر ما تكون الأفكار مطابقة للعلم، تكون يقينية.

هذا الكلام يبدو -لأول وهلة- معقولًا مقبولًا، كما يبدو وكأنه يستعمل (المنطق الأرسطي) بما يحمل من صحة ومغالطة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت