(إن التدهور الحضاري -الذي عشناه- أخرج القيم المتنحية.. والقوة الغربية المهيمنة، حولت أصحاب هذه القيم إلى مساحة للوكالة عن الحضارة الغربية، وهكذا توحد الهامش الداخلي، مع الوافد المستورد، والمفروض من الخارج، ليصنعا(جماعة هامشية، ومجتمع أقلية) ، تسوده قيم غريبة ووافدة وهامشية... لهذا فوكلاء الغرب الثقافيون، أصبحوا نخبة لا تبدع للأمة ولأجلها، بل أصبحوا قوة ناقلة لقيم الغرب، مؤكدة للقيم المتنحية من حضارتنا، مما أفقد الأمة الكثير من الفرص كي تنهض مرة أخرى ) (1) .
إذن هناك جدول أعمال (لتفكيك الأمة ) في نظر د. رفيق، يتمثل في فرض قيم وطرد قيم، فرض قيم مخالفة للأمة، وزرع قيم أخرى، لتصبح مع مرور الزمن قيمًا ثابتة، وليصبح وجود الأقلية وحكمها حالة مطلوبة ومستمرة، وليمدها الغرب بكل ما يملك من سند وإسناد.. ثم يطرح بعض النتائج فيقول (2) :
1-إن صح تصورنا السابق، فالجاري الآن -في قلب أمة العرب والمسلمين- هو حكم أقلية، بنموذج قيم وافدة، وهو مفضٍ في النهاية إلى إرساء قواعد مغايرة تمامًا لنا.
2-ما يحدث هو فرض لقيم ليست من الأمة، وبالتالي لا تحقق إشباعًا لها، كما لا تحقق لها اتفاقًا ولا إجماعًا.
3-ما يفرض هو قيم يؤكد الشاهد التاريخي أنها غير محققة للتقدم والازدهار في أوطاننا، وإن كانت محققة لهما في أوطان أخرى.
4-إن حكم (قيم الأقلية ) في حد ذاته، يعني سيطرة قيم (مرفوضة ) على قيم (مرغوبة ) ، وهو ما يعني اغتصابًا للسلطة من الأمة، ونزع قيمها من حياتها.
5-إن قلب منظومة (القيم ) بهذا الشكل، يؤدي إلى تفكيك الأمة، وإدخالها في صراع حول القيم بين (مرفوض ومرغوب ) .
وهو يكرر التخوف من ذلك، بل يراه عملًا منظمًا (لتفكيك الأمة ) ، كما يصبح (الانقطاع التاريخي ) عملًا مقصودًا ومخططًا، وليس مجرد نتيجة لحالة تدهور تمر بها الأمة.
بعد ذلك يضع عنوانًا: (حكم الأقلية الحضارية ) .
فيرى: أن الأمة تقع تحت حكم (الأقلية الحضارية ) ، ويفسر ذلك بأنه الوقوع تحت حكم (قيم حضارية مغايرة ) ، وفي تسبيب ذلك يذكر الاستعمار -بكل أشكاله- والسبب الثاني هو: ضعف الأمة، وتدهور حالها. والسببان يتفاعلان، مثل الضعف والمرض، فالضعف في الجسم يسهل المرض، والمرض يضعف الجسم.. إن الاستعمار يتأكد بالقابلية له، والهيمنة الحضارية تعضدها القابلية للاستعمار.
والإشكالية الراهنة جاءت من سيادة النموذج الغربي، بدرجة جعلته الحاكم وصاحب السلطة، والمؤيد بالقانون، وعلى الرغم من أنه غريب ولا يعبر عن الأمة، لكنه صاحب السيادة، والخروج منه صار أمرًا معقدًا، لذا فإن تفكيكه والخروج من أسره، سيكون عملًا نهضويًا وثوريًا في آن واحد (1) .
والتحدي الحقيقي أمام الأمة يكمن في قدرتها على (إنهاض نمط حياتها الخاصة ) ، إلا أن العوائق كثيرة ومتشابكة، فتدفع بهذا التحدي للوصول إلى درجة خطيرة، كما يدفع بقوى الأمة إلى إعلان غضبها وتمردها، فحكم الأقلية الحضارية يعني -فيما يعنيه- أن أصحاب القيم الغريبة والمعارف غير السائدة في الأمة، هم أصحاب القرار، وهم الذين يحتلون موقع النخبة هذا الوضع نوع من عنصرية جديدة، يمكن تسميتها بـ (العنصرية الاستعمارية ) فهذه القيم الغريبة وأصحابها يحتلون مكانة أهم بكثير من قيم الأمة الأصلية، وهذه عنصرية لا شك فيها.
وهنا يقوم ويتحقق نوع جديد من (الاستيطان ) ، استيطان أفكار غريبة وافدة، مستقرة في عقول (وكلاء محليين ) ، وكل ذلك مما يجعل الصراع (2) (فتنة بين أبناء الأمة ) .
وهي فتنة بحجم إحساس الأمة (وطليعتها الحقيقية ) بأن القيم الغريبة لها تلك المكانة، بينما القيم الأصلية مهمشة، وهذا ما يولد شعورًا بالغبن، ويدفع بالتالي إلى الغضب أو اليأس.
هذا ويتحقق حكم الأقلية الحضارية، من خلال آليات كثيرة، تم زرعها في جسم الأمة، وما زال يزرع غيرها، كي تبقى (الأقلية الحضارية ) قوية فاعلة مسيطرة، بفعل وسائل منظمة، تنتج وتكسب أعضاءً جددًا لهذه الأقلية، كي تتجدد أولًا، ولكي يضمن استمرارها.
إن هذه (الآليات ) تمثل المشكلة الرئيسة، والتي تجعل الصراع بين (الموروث و الوافد ) يتمدد من المجال الحضاري إلى السياسي، حتى يصل إلى حياتنا اليومية.
وأكبر ميدان تثيره آليات (الأقلية الحضارية ) هو التعليم، فهو غربي الروح، يروج للغرب، على كافة المستويات، (وهو يقدم رؤى معرفية ضمنية متحيزة للحضارة الغربية، كما تنتج تحيزات لحكم الأقلية الحضارية، بدلًا من أن تنتج طلائع لنهضة الأمة ) (1) .
ثم يستدرك فيقول: ليس بالضرورة أن يكون كل متعلم متغربًا، أو وكيلًا للغرب، ولكن -على الأقل- معرضون للتشوه الثقافي، والتداخل المعرفي. ويرى د. رفيق أن مشكلاتنا تتفاقم تحت مظلة (العلم) ، إذ تتحول كل طاقاتنا العلمية باتجاه (إعادة إنتاج النمط الغربي) فيتأسس علمنا على الاقتباس، على حساب الإبداع، خاصة الإبداع الأصيل، النابع من ثقافة الأمة، وهكذا تتحول (آلة إنتاج المعرفة) إلى منتجة، ولكن بصورة مزيفة عن الأمة، صورة من شروطها تأهيل الأمة (لعملية التغريب) ، يواكبها تشويه الصورة الأصلية للأمة.
هذه بعض طروحات د. رفيق في (تفكيك الديمقراطية ) ، وهي طروحات لا نعلم أنه سُبق إليها، وهو يحمل من الشجاعة ما نحن بحاجة إليه.
6-د. برهان غليون:
د. غليون سوري الأصل، فرنسي الجنسية، يعمل أستاذًا لعلم الاجتماع في السوربون، له أكثر من عشرة مؤلفات.
يدرس قضية النقل الحضاري، حيث يصورها (البعض ) أو يبسطها غاية التبسيط فيرى أن بإمكاننا أن نقلد الغرب لنكون مثله، فيرد د. غليون (1) : (إن هذا المأزق يتمثل بالاعتقاد بأننا لو أخذنا نفس مبادئ الأوروبيين لتقدمنا. إننا بهذا الاعتقاد ألغينا التاريخ، وألغينا العلاقات التاريخية، بيننا وبين الغرب، وألغينا أيضًا كل صيرورة المسلسل التاريخي والاجتماعي، الذي أدى في أوروبا إلى ظهور الثورة الصناعية والثورة السياسية ) .
هذا المعنى يكرره في كتبه، فالأمر معقد وإلا لأخذت أمم الأرض بذلك وتقدمت بيسر وسهولة.
القضية الثانية التي يكررها د. غليون خصوصًا في كتابيه (حوارات من عصر الحرب الأهلية ) ، و (اغتيال العقل ) .. فهو يكرر كثيرًا جدًا أن الحاجة ملحة إلى إحياء التراث، والأخذ من الحضارة الغربية، ويشترط عدم الاكتفاء بعنصر واحد.
يقول د. غليون (1) : (من الوهم أن تعتقد جماعة أنها تستطيع أن تندمج في الحضارة من دون أن تحيي تراثها، إن بالتغاضي أو بالتخلي عنه، فالنتيجة لن تكون إلا انتقامًا أكبر للماضي من الحاضر، وتهديدًا أعظم، لأي جهد تجديدي، كما أنه من الوهم أن تعتقد جماعة أيضًا أن تراثها بمفرده -مهما كانت عظمته- يمكن أن يحفظ لها استقلالها وحريتها، ونجاعتها التاريخية ) .
إن اكتساب التراث الحضاري الجديد، لا يشكل شرطًا أساسيًا لدخول التاريخ المعاصر فحسب، ولكنه شرط أساسي أيضًا، لإعادة الفاعلية والقيمة الجادة للتراث القديم.
إن مصير الأمم مرهون بمقدرتها على أن تجعل من تراثها -أي من ثمرة أجيالها الماضية وتراكماتها- رأس مال قابلًا للتوظيف في عمليات التجديد والتحضر الكبرى.