ان الحقائق التي نتعرف عليها مباشرة تسمى (الحقائق المحسوسة Facts Received) بيد ان الحقائق التي توصلنا إلى معرفتها لا تنحصر في الحقائق المحسوسة. فهناك حقائق أخرى كثيرة لم نتعرف عليها مباشرة، ولكننا عثرنا عليها على كل حال. ووسيلتنا في هذا السبيل هي الإستبناط. فهذا النوع من الحقائق هو ما نسميه (بالحقائق المستنبطة Inferred Facts) والأهم هنا ان نفهم ان لا فرق بين الحقيقتين، وانما الفرق هو في التسمية من حيث تعرفنا على الأولى مباشرة، وعلى الثانية بالواسطة. والحقيقة دائما هي الحقيقة سواء عرفناها بالملاحظة أو بالاستنباط (1) .
والعقل هو الذي يميز بين الطفرة العلمية (الاستنباط) وعملية (انتزاع النفس) أو الخيال ووسيلته إلى ذلك تجنب أية رغبة في التسرع أو في ترجيح جانب على جانب آخر. بل لابد ان يدع الإنسان نفسه مسلما بنتيجة تجاربه، تقوده كيف شاءت لا كيف يشاء هو.
أ- آراء في المعرفة
أمامنا الآن مجموعة من التصورات البشرية حول المعرفة، لا يخلو كل واحدة منها عن جوانب إيجابية، الا انها بصفة عامة لم تحط خبرا بواقع العقل والعلم والفكر. ولعل السبب الوحيد لهذا العجز البشري عن معرفة أقرب الحقائق إلى الإنسان - أي العلم- ان الإنسان حاول معرفة العلم عن طريق الجهل؛ أي عن غير طريق العلم ذاته، وهو نوع من الإنحراف في المنهج، سبق البحث فيه.
لقد حاول البشر قياس العلم والعقل بركام التصورات والتعاريف، فما زاده الا بعدا عن حقيقته ومزيدا من الانحراف عنه، تماما كمن حاول قياس الوجع بالمتر أو الحرارة بالكيلو. وقد سبق القول في ان شأن العلم شأن الإرادة وسائر ما يرتبط بالنفس حيث لا يمكن قياسها الا بآثارها.
ونحن حين نجد في العصر الحديث انتشار قياس حقائق النفس بآثارها، بعد ان عجزوا عن قياسها بالطرق المادية. فما الذي يمنعنا من تطوير منهجنا في معرفة العلم والعقل إلى النظر إلى آثارهما كما صنع الإسلام.
ان هذا المنهج يجعل كل فرد يكتشف النور في داخل نفسه، وهناك فقط يتبين ان تصورات البشر حوله انما كانت انحرافات بعيدة عن الواقع.
نظرية أفلاطون
تتلخص نظرية أفلاطون في النقاط التالية:
1-تماما كالصورة التي تنعكس على المرآة، لها حدود وليس لها جرم وكثافة، كذلك يوجد عالم يدعى بعالَم المُثُل، كل حقائقها ذات حدود ولكن دون كثافة. وهذه المثل هي صور الحقائق الأرضية جميعا، فالإنسان مثلا: يعيش على الأرض أفراده أما هو فإنه واحد يعيش في عالم المُثُل، وهو (أي حقيقة الإنسان) شبح هناك يمثل كل الناس في كل العصور.
2-والإنسان كان قبل تنزله إلى الأرض يسرح في عالم المثل، ولذلك فقد أحاط علما بكل الصور (أو المثل) التي كانت موجودة فيه، ولكنه نسيها عندما تقولب بالمادة وهبط إلى عالم الجسد.
3-الا ان أقل تنبه يكفي الإنسان لتذكر ما كان قد نسيه في عالم الدنيا، فيعود يعرف الحقائق التي عرفها في عالم المثل.. ولذلك سميت نظريته بـ ( النظرية الإستذكارية ) لأن الفكر، حسب هذه النظرية، ليس سوى إستعادة المعلومات، والعلم ليس الا إستعادة المحفوظات المنسية.
4-ان العقل البشري أسمى من ان يعرف الحقائق الجزئية، بل انه يعرف الكليات؛ أي المثل العامة فقط. فمثلا: حينما يعرف رجل زيدا فإنه لا يعرف بعقله الرجل المسمى بزيد، انما يعرف بعقله كلي الإنسان، أو صورة الإنسان بصفة عامة.
وترتكز هذه النظرية فيما يخص موضوعنا على أمرين؛ الأول: الاعتقاد بوجود الأرواح بصفة مستقلة عن الأجسام قبل خلق الأجسام. والثاني: ان العلم صفة أصيلة في ذات الإنسان ولسيت صفة طارئة على الإنسان.
والإسلام يقول بوجود الأرواح قبل الأبدان بفترة طويلة، حيث جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و آله: (خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام(2) .
أما ان العلم صفة ذاتية للإنسان، فهذا ما يرفضه الإسلام، والسبب:
أ- لو كان العلم صفة الذات لم يجز ان يتخلف في لحظة عن الذات، ذلك ان الذات لا يفقد نفسه الا ساعة انعدامه. أترى ،هل يمكن ان يجهل الله سبحانه شيئا وهو يملك العلم بصفة ذاتية، أم ان النور يمكنه ان يتخلف عن الحركة والإشراق وذاته الحركة والإشراق؟ هذا مع اننا نلاحظ: ان الإنسان لا يعلم ثم يعلم ثم ينسى ما علم. قال الله سبحانه، وهو يذكِّر بهذه الحقيقة الواضحة:
[وَمِنكُم مَن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَي لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا] (النحل70) .
ونحن نعلم من أنفسنا صفة الجهل الذاتية، لان العلم لا يحصل لنا الا بتعب وإرهاق، ثم يزول بسرعة مع هبوب عاصفة النسيان التي تتناوب على أنفسنا فتكنس معها معلوماتنا.
ب- إن ذاتي الشيء لا يحدد.. ان الجهل والعدم والعجز من ذاتنا، ولذلك فهي غير محدودة، لأنها إذا كانت محدودة إذن لم تكن ذاتية لنا. أما العلم والإرادة والوجود والقوة فهي مواهب أو مكاسب، ولذلك فهي محدودة.
وبتعبير آخر؛ ان التحديد يعني العدم في بعض الجوانب. فلو حددنا علم رجل ببلده مثلا فذلك يعني انه لا يعلم عن البلاد الأخرى شيئا، وإذا كان ذات الرجل عالما فكيف لا يعلم شيئا عن البلاد الأخرى؟ أفلا يعني ذلك ان هذا الرجل عالم وجاهل في لحظة؟ وهو تناقض مرفوض.
وهل يصح ان نقول: ان ذات الحرارة هي الحركة (أي لا يمكن ان توجد حرارة ولا توجد حركة أو العكس بأن توجد حركة ولا توجد حرارة) ثم نقول ان الحرارة يمكنها ان لا توجد في وقت أو في حالة مع وجود الحركة؟!
إذن فنظرية أفلاطون الإستذكارية مرفوضة بسبب واحد وهو انها تدَّعي ان العلم من ذات الإنسان. ولو فسرنا هذه النقطة منها، إذا استطعنا القبول بها فيما يخص العلم، فسرناها بالقول: ان الله سبحانه وهب الإنسان العقل، ولكن هذا العقل محتجب بالنسيان وان التذكر به يرجعه إليه.
نظرية الإنتزاع
وهي التي ذهب إليها فريق من الفلاسفة الإغريق وفي طليعتهم أرسطوطاليس واتبعهم فريق من فلاسفة المسلمين، وهي تذهب إلى: ان للذهن البشري نوعين من التصورات، تصورات أولية، كتصور اللون والحجم والطعم والرائحة، وما إلى ذلك مما يتصوره الذهن عن طريق الحواس. وتصورات ثانوية، وهي التصورات التي يولدها الذهن البشري منتزعة إياها عن التصورات الأولية، وذلك مثل الكليات المجردة، وتصور العلة والمعلول وما أشبه.
وتقول النظرية: ان التصورات الأولية هي الأساس للتصورات الثانوية، وانه يستحيل على الذهن القيام بأي تصور ثانوي بدون التصورات الأولية. وبتعبير آخر؛ الإحساس أساس العلم. وتقول: ان الذهن يقوم بنمو ذاتي متى ما يدخل حريمه تصور أولي، فيتمخض عن تصور ثانوي.. ونستطيع تمثيله بالأرض الصالحة التي تنمي أشجارا كثيرة بعد ان تزرع فيها النواة.
والملاحظ: ان هذه النظرية تتنافى وما سبق ان ذكَّر بها الدين الإسلامي من الحقائق، ونضيف إليها ما يلي:
1-ان الإنسان لا يمكنه الإيمان بالحس دون وجود عقل يحكم بصدق الإحساس، وقد سبق ان أكدنا ذلك بأكثر من بينة. ومن هنا فإن العقل (وهو ما تسميه النظرية بالتصور الثانوي) هو الأساس للإحساس. وقد عكست النظرية فقالت ان الإحساس هو السبب في وجود العقل. ولست أدري كيف يمكن ان يكون الإحساس بشيء وسيلة إلى الاعتراف بوجود علته، لو لم تكن في النفس نور يكشف عن حقيقة العلة؟
(1) - (الإسلام يتحدى ص 64) .
(2) - بحار الانوار ،ج58 ،ص132 ،ح4 .