فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 1942

2-ان النظرية تعتقد ان النفس تسير في نمو ذاتي حتى تصل إلى العلم، وهذا يشبهها بنظرية أفلاطون في أنها تجعل العقل وليدا طبيعيا للنفس ضمن حركة جوهرية تكاملية. ومن حقنا ان نسأل إذا كانت حركة النفس إلى أعلى بصورة مستمرة فكيف تنتكس حتى لا تعلم بعد علم شيئا، وكيف ينسى البشر أشياء عرفها، وكيف لا يعلم أشياء يجهلها بصورة طبيعية، بل يكون محتاجا إلى المعلم؟

والواقع ان نظرية أرسطو الإنتزاعية لم تثبت للنقد بعد ان تعرضت له من قبل الفلاسفة الغربيين، منذ روجر بيكن وإلى جون لوك. ونحن بغنى عن استعراض إنتقاداتهم بعد ما سبق وأن أشرنا إليه في تقرير النظرة الإسلامية المتوازنة الشاملة.

النظرية الحسية التجريبية

(النظرية الحسية التجريبية) هي النظرية السائدة على العالم المادي المعاصر، وكان أول مبشر بها في الفترة الأخيرة (جون لوك) الفيلسوف الإنجليزي الذي ظهر في جو مشبع بالأفكار الديكارتية العقلية.

ثم تبنتها فلسفات أخرى، وبينها النظرية المثالية والماركسية. يقول جورج بوليتيريز:

(ما هي نقطة البدء في الشعور أو الفكر؟ ان مصدر الإحساسات ما يعالجها الإنسان بدافع من احتياجاتها الطبيعية) . ويقول ماوتسي تونغ:

(ان مصدر كل معرفة يكمن في إحساسات أعضاء الحس الجسمية في الإنسان، للعالم الموضوعي الذي يحيطه) .

وهذه النظرية تتلخص في نقطتين:

1-ليس للذهن البشري من ممون سوى الإحساس، فهو المصدر الوحيد لكل المفاهيم والتصورات. ومن هنا فليس للذهن إبداع تصورات جديدة.

2-وان التجربة ،وهي نوع من الإحساس، هي المصدر الوحيد للعلوم الإنسانية، وأنه لو تجرد الانسان عن الاحساس لتجرد عن كل معارفه.

ومن هنا: تنفي هذه النظرية وجود معلومات سابقة (أو ما نسميه بالعقل) ، ولذلك فهي تبعد عن ذاتها كل محاولة لمعرفة ما وراء المادة (الغيب) .. وتزعم هذه النظرية: ان الإنسان لا يمكنه ان يعرف حقيقة الا بتجربتها مباشرة، فليست هناك حقيقة استنباطية يسير فيها الفكر من الحقائق العامة إلى الحقائق الجزئية. فالمثل التالي مستبعد كليا عن المنهج التجريبي: كل فلز يمتد بالحرارة والحديد فلز فلابد ان يمتد بالحرارة. بل يجب ان نجرب الإمتداد على الحديد بالذات حتى يمكننا ان نقول: (الحديد يمتد بالحرارة) . وهكذا يبعد هذا المنهج كل مثل متشابه، ذلك لأنه يستبعد العلم الكلي (كل فلز يمتد بالحرارة) ويقول: من أين عرفنا هذا العموم، هل من التجربة على الحديد التي كانت بين التجارب التي أجريت على كل فلز؟ وإذا فلا نستفيد من الكلي (كل فلز يمتد بالتجربة) لأنه لا يعدو ان يكون تكرارا للمفهوم السابق، ام بدون التجربة على الحديد بين الفلزات. فمن أين حصلنا على هذا المفهوم، ان لم نكن قد جربنا كل الفلزات؟ والعلم لا يحصل بدون التجربة.

الماركسية تتناقض:

لقد سبق القول في نقد النظرية الحسية، ونلخصه فيما يلي:

1-ان قيمة الحس والتجربة لا يمكن ان تثبت الا بوجود شيء عند النفس يُمكِّنها ان تقيّم الحس والتجربة. وذلك ما نسميه بالعقل. ولو افترضنا عدم وجودها فما الذي تفيدنا قيمة الحس والتجربة؟.. قال فريق منهم: ان التجربة ذاتها دليل تقييمها.. حسنا؛ فتلك التجربة التي تقيم التجارب الأخرى، هل هي ذات قيمة أم لا؟ إذا كان لها قيمة فمن أين عرفنا قيمتها؟

والواقع اننا نؤمن بقيمة التجربة، وهذا الإيمان نابع من عقولنا التي تحكم بذلك.

2-كيف يمكننا تفسير العلة والمعلول، والحسن والقُبح، والخير والشر؟ هل هذه الحقائق تدرك أيضا بالتجربة؟ وكيف مع انها معلومات لها من القيمة لدينا كقيمة التجربة، ولها من الوضوح كوضوحها؟

3-ولدى شيء من التحليل نكتشف ان التجربة ذاتها تعتمد على مجموعة أحكام عقلية، كالحكم بإستحالة التناقض والصدفة. ولو تصورنا العلم بدونها تبخرت معلوماتنا في لحظة واحدة.

4-نحن نؤمن بحقائق غير مجربة ونعلم ان مصدر إيماننا ليست هي التجربة. ولا نؤمن بحقائق مجربة لأنها تخالف حكم عقولنا. فمثلا نرى أجنحة المروحة متلاصقة، ولا نؤمن بذلك. ولا نرى دوران البروتن في الذرة، بيد أننا نؤمن بها إيماننا بضوء الشمس.

وتتناقض الماركسية مع نفسها في تفسير حقيقة المعرفة فتقول ـ على لسان ماوتسي تونغ: (الخطوة الأولى في عملية اكتساب المعرفة هي الإتصال بالمحيط الخارجي.. الخطوة الثانية هي جمع المعلومات التي نحصلها من المعلومات الحسية وتنسيقها وترتيبها- مرحلة المفاهيم والأحكام والإستنتاجات- وبالحصول على معلومات كافية كاملة من الإدراكات الحسية(لا جزئية ولا ناقصة) ومطابقة هذه المعلومات للوضع الحقيقي (لا مفاهيم خاطئة) عند هذا فقط يصبح في المستطاع ان نصوغ على أساس هذه المعلومات مفهوما ومنطقا صحيحين).

وتنطوي هذه النظرية على الاعتراف بدور العقل الذي يقوم بتنسيق المعلومات وترتيبها. إذ من الواضح انه لولا وجود نور يكشف عن طبيعة المعلومات وموضعها من جدول الأفكار كيف يمكن للنفس ان تقوم بعملية التنسيق والترتيب. فلو إفترضنا عاملا لا يعرف شيئا عن الحساب هل يمكنه تنسيق معلومات وزارة الدفاع أو المخابرات المعقدة؟ ونحن نجد ان التنسيق يستنزف جهدا عظيما منا، وفي خلاله نستخدم مئات الأحكام العقلية، فكيف ننكر فضلها في توجيه معارفنا؟

هكذا اعترفت الماركسية من حيث لا تشعر بدور العقل، ولكنها أنكرته في مواضع أخرى من فلسفتها، وهذا هو التناقض.

وقد أكدت الماركسية هنا ما تبنته من تفاعل الإحساس والتنسيق، والعمل والعلم. ونحن لا ننكر ذلك، بل ان الإسلام أول من بشر بالتأثير الكبير الذي يخلفه العمل على الفكر، والإحساس في العقل. ان العلم ضوء في القلب، ينمو بإستخدامه كما تنمو كل أعضاء الإنسان بتربيتها وإستعمالها. والعقل نور في النفس يزداد بطاعته كما تزداد الفضيلة أو الرذيلة بممارستها.. وجاء الحديث عن النبي صلى الله عليه و آله: (إن العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلاّ إرتحل عنه(1) !

آراء في قيمة المعرفة

العقل حيث يكشف شيئا، لا يتردد فيه ولا يقبل أي نوع من التشكيك حوله لأنه يراه واضحا مميزا مشهودا.

ومن هنا لا يصدر العقل حكما الا إذا كان موثوقا به 100 % ، وهناك يصح الإطمئنان به كاملا، ويحصل القلب على السكينة. والعلم بعض من العقل وهو الشهود المباشر، والكشف الواضح للأشياء. ولأنه كذلك فإنه يقيم ذاته، ويعطي للنفس السكينة والإطمئنان وبصورة لا تقبل الشك. ونحن إذا أردنا ان نقيم العلم فهل نقيم بغير العلم ام بالعلم ذاته؟ والعلم إذا تشككت فيه لا يقيم نفسه، والجهل - بالطبع- لا يقيم العلم.

عندما بحثنا عن المعرفة في منهج القرآن، بينا بأن العقل نور هاد يكتشف ذاته بذاته، والعلم ـ لأنه وليد العقل ـ فإنه يقيم بالعقل، والتقييم بالنسبة إليه خطأ، لأنه لا يكون الا به ولكن الإنسان أعرض بوجهه عن عقله، وحاول إعطاء قيمة للمعرفة بعيدا عنه.

ولتقييم المعرفة تاريخ طويل؛ ففي اليونان إجتاحت الفكر موجة عارمة من السفسطة في القرن الخامس الميلادي، كان مبدعوها ومغذوها طائفة من السياسيين المحترفين، جمعوا كل من فشل في حياته الشخصية ليعلموه طريقة الجدل، ويقحموا به في حقل السياسة. وهكذا أصبحت المناقشات اللاعقلانية سيدة الموقف في اليونان.

(1) - بحار الانوار ،ج2 ،ص33 ،ح29 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت