فهرس الكتاب

الصفحة 873 من 1942

فيا عباد الله، إن واقع المسلمين اليوم لا يصح أن يكون باعثًا على الحكم على حضارة الإسلام، فإن مجال الحكم لا بد أن يكون على الأصول والثوابت والمبادئ والقيم، والممارسة الواقعية التي آتت أكلها وأينعت ثمارها، حين كان المسلمون يغذون السير، ويحثون الخطى، ويتبعون الهدى، ويعملون بنهج خير الورى صلوات الله وسلامه عليه، أما ذلكم التقهقر والتراجع والتخلف والهوان الذي مُني به المسلمون عقب تلك العصور الخوالي، فهذا مما لا يرتاب أولو الأبصار في أن تبعته لا تقع على الإسلام وحضارته، وإنما جريرة ذلك على من فرط وأضاع، واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، وأعرض عن ذِكر ربه فكانت معيشته ضنكًا، وكان أمره فرطًا، وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49] .

ألا فاتقوا الله ـ عباد الله ـ، وصلوا وسلموا على الحبيب رسول الله ...

(1) أي صارت ليثية النزعة.

(2) جمع وضر وهو وسخ الدسم أو غسالة السقاء.

سراييفو .. حضارة أخيرة!؟

د .سعد عطية الغامدي

لك الله يا أخت أشبيلية وتوأم كاديز والمرسيه

حضارتنا.. شادها الأولون وأرسوا مناراتها.. عالية

وضيعها صبية مترفون تديرهم الكأس والجارية

فعادت مساجدها بيعًا وآثارها.. دمنًا خاوية

لك الله يا وهجًا في الصدور ريا كوكبًا في سما بوسنية

تعانين وحدك - يا ويحنا وتلقين أسرابهم عارية

وتستنجدين صباح مساء وآذاننا - وقرت - واعية

ونبصر قصفهمُ جائرًا يذيبك.. ناحية .. ناحية

يجرعك الصرب سوء العذاب وتستعر البطشة الطاغية

تساق العجوز إلى حتفها وتغتصب الحرة الزاكية

ويسقى الرضيع دماء الأسى ويطعم من جثة ذاوية

وتسمعى يد للجريح القتيل لتذبحه ذبحة الماشية

خذلناك.. إذ يثب الآخرون لأشياعهم.. وثبة ماضية

وخضنا على رسلنا في اجتماع ومؤتمر أمه هاوية

وقلنا: لينصرهم مجلس الـ أمن في هيئة الأمم البالية

وننسى بأنهمُ يرقصو ن على لهب الهجمة الضارية

لك الله.. يا لهبًا عارمًا ويا صخرة لم تزل عاتية

نسوق إليك وعتودًا عرا ضًا وبالوهم نلبسك العافية

ونختال تيهًا بتلك الوعو د كما جرجرت ذيلها غانية

بأنّا.. وأنّا.. ولم ندر أنّا أضعناك في ليلة شاتية

وقد نذرف الدمع للزائرين إذا أزهقت روحك الغالية

أي حضارة نريد؟!

بدر مرزوق العتيبي

بنظرة فاحصة في واقع المسلمين اليوم يتبين لك مدى التخلف الذي وصلوا إليه في جانب الدين والعقيدة. وأقصد بالتخلف: التخلف في الواقع.. لا في أساس الدين ـ معاذ الله ـ بل إن الدين الإسلامي هو الدين الحق الوحيد منذ طلوع شمسه، ولا يمكن لحضارة إنسانية أن تسير في النهج الصحيح لها بدونه، مهما ارتقت في الجانب المادي؛ فإن العاقبة معروفة، وسنة الله معلومة.

إن واقع المسلمين اليوم يشكل تخلفًا في فهم بدهيات الدين. نعم في بدهيات الدين فضلًا عن فروعه.. فهناك تخلف في فهم معنى حاكمية الإسلام.. وفي معنى الولاء والبراء.. وفي معنى يُسر الشريعة.. حتى وصل التخلف إلى مفهوم شهادة أن لا إله إلا الله.. نعم حتى الشهادة لم يَعِ معناها الحق كثير من المسلمين وإن كانوا يتلفظون بها في اليوم مرات عديدة..

بل لقد بلغ التخلف في فهم هذا الدين إلى أقصى درجاته في معرفة الرب ـ جل وعلا ـ حيث يوجد في ديار الإسلام من ينكر وجوده، ومن يدعي شريكًا له ـ تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا ـ.

إذن: أي حضارة نطالب بها؟

إننا لا نريد حضارة جوفاء كحضارة الغرب الكافر اليوم.. لا بد أن يكون سعينا للتقدم والرقي الحضاري من أساسه لا من مظاهره؛ حتى لا تكون حضارتنا جوفاء..

إن الحضارة تقوم على الإنسان أولًا قبل أن تقوم على إنجازاته.

فلا بد أن يكون الإنسان في نفسه راقيًا متحضرًا قبل أن تكون منجزاته كذلك.. ورقيه يكون بتحقيق الغاية التي من أجلها خُلق..

فعلى رِسْلكم يا دعاة الحضارة والتقدم على رِسْلكم.. المضمون أولًا ثم الأثر: الإسلام الصحيح، ثم الاستخلاف في الأرض..

والله من وراء القصد

حضارة الإسلام دعامة أساسية في الحضارة الأوربية

لفضيلة الشيخ محمد أحمد أبو النصر

إن الحضارة الإنسانية ليست إلا محصلة الجهد البشري في كل معارف الحياة من الفلسفة.. والقانون.. والتشريع.. ونظام المجتمع.. وأخلاقه وسلوكه.. وقيمه.

وبهذا يعتبر الإسلام دين حضارة ومصدرًا أساسيًا في حضارة العالم فقد أدى رسالته العالمية ومازال يؤدي وسيظل مصدر إشعاع نوراني على كوكبنا الأرضي لتوجيه البشرية في مجالات الإنتاج المختلفة.. إنتاجًا مشعًا صافيًا.. بل إن كل ما ينعم به إنسان اليوم في سلم الحضارة مادية وآلية تعود إلى فكر الإنسان المسلم منذ العصور الوسيطة وإلى تجاربه وعلومه وتوجيهها نحو خدمة الإنسان وحضارته في معراج الكمال الإنساني المنشود.

وإذن فهناك رابط أصيل بين الحضارة المادية والحضارة الصناعية من جهة والحضارة الإنسانية والبشرية في الفكر والوجدان والإرادة من جانب آخر.. وإذا كان الدين منبعًا للحضارة البشرية والعلم أساس الحضارة المادية، فالدين والعلم متلازمان، ولا غنى عنهما للإنسان في بناء حضارته والاستفادة من هذا النبع. وهناك نظرة غير عادلة تفصل العلم عن الدين، وتعطي العلم قيمة أرفع من الدين وهذا خطأ واضح في فهم طبيعة الإنسان وتصوره.

فهي تنظر إلى جانب مضيء بالعين المجردة دون بقية الجوانب الأخرى الخفية من حيث فكره ووجدانه.. وإرادته الحرة، وإذ قيل في شأن الإسلام بعد ذلك أنه دين غير حضاري أو أنه لا يتفق مع الحضارة الإنسانية _ فذلك قول يصور الحضارة بأنها ظواهر السلوك التي تسيطر على المجتمعات الأوربية الآن _ أو يصور الإسلام على أنه حاضر المسلمين وسلوكهم في فترات زمنية.. وهذا التصور أو ذاك يحمل معنى الإجحاف والتعسف بمعنى الحضارة، وينطوي على ظلم شديد في الحكم على الإسلام. لأن ظواهر السلوك في المجتمعات الأوربية ليست دائما ترجمة للحضارة الإنسانية بمعناها الصحيح.. وهو النضوج في الفكر البشري والعواطف والوجدان.. وسلوك المنتسبين إلى الإسلام كثيرًا ما يبتعد عن تطبيق التعاليم الإسلامية، وجوهر الدين الحنيف.

وأصحاب الهوى والغرض الذين يحكمون على الإسلام أنه كان لفترة مضت ولم يعد صالحا للإسهام في بنائها أو تنميتها. لا ينصفون الإسلام. وأني لهم النَّصفة؟!.. لا ينصفون الإسلام لأنه كما رأينا مصدر رئيسي في بناء الحضارة الإنسانية وغرضهم واضح كل الوضوح في العمل على إبعاد العرب عن أمجادهم وتاريخهم الأصيل، وقطع صلتهم بالقيم الروحية وبالرسالة التي حملوها ونشروا نورها بين البشرية وأسسوا بها حضارة عربية إسلامية أسهمت، ومازالت تسهم حتى عصرنا هذا في بناء الأمم والحضارات المعاصرة. حتى إذا ما تأثر العرب المعاصرون بهذا الرأي سهلت قيادتهم لغيرهم، وتحولوا إلى تابعين ومقلدين في الفكر والتوجيه ومظاهر الإنسانية.

إن الحضارة الإسلامية والسلوك الإسلامي لم يكونا من صنع أحد من البشر، وإنما هما وحي الله الذي تنزل على سيد البشر محمد _ صلى الله عليه وسلم _ وأصبح يملأ أرجاء الدنيا نورا وعلما وسلوكا، وسوف يظل يشع نوره باقيا ما بقي الإنسان.

إننا نؤمن إيمانا لا يتطرق إليه الشك أن الشعوب الحية إنما تفكر بماضيها، وترتكز في حاضرها على كثير من مقومات أمجاده تستوحي منه مواقفها، وتستلهم منه مستقبلها فإن هي فقدت الثقة في ماضيها وتزعزع إيمانها بقدرة آبائها الأوائل ومؤسسي مجدها فقدت ولا شك أول مقوم من مقومات وجودها الحي ألا وهو شخصيتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت