كذلك كانت التعددية المذهبية واختلاف العقائد .. فالعقيدة الغالبة كانت أهل السنة ومع ذلك فقد ظهرت دول شيعية حيث إن الدولة لم تكن تقتل من يخالف مذهب الدولة أو كانت لديه مشكلة عقائدية .. وتبدأ المشكلة عندما كان يتحرك صاحب هذه العقيدة ضد اتجاه الدولة وهو ما يشكل تهديدًا للهوية ففي هذه الحالة تبدأ الدولة بالحوار معه .. إما إذا ظل هو وحده فمعظم الفقهاء يقبلون به عاديا.
ويؤكد حبيب أن ما يسمى بفكرة 'بوتقة الصهر' لم تظهر إلا مع الدولة القومية التي تستمد مرجعيتها من الغرب وليست فكرة قائمة على مبدأ التسامح الإسلامي .. فكمال أتاتورك مثلا لا يعترف بالأكراد ويسعى لتأسيس دولة تؤمم كل العقائد ولا تعترف بالأيدلوجيات.
كذلك فإن فرنسا العلمانية لم تتحمل تعدد الأعراق حيث يرون أن الإسلام تهديد للهوية القائمة على العنصر الواحد .. في التحليل النهائي نقول إن الإسلام وحضارته كانا أكثر تعبيرا عن قبول الآخر والتعددية.
ويشير حبيب إلى أن القول بأن الديمقراطية تسمح لكل الأفكار بالوجود قول خاطئ فالنازية ممنوعة في ألمانيا والشيوعية ممنوعة في أمريكا وهذه قوانين وجدت لكي تحافظ على الهوية الثقافية للمجتمع.
الإحسان في الحضارة الإسلامية
الأحد 6 المحرم 1427 هـ - 5 فبراير 2006 م
مفكرة الإسلام: صدر في القاهرة مؤخرًا كتاب بعنوان 'الفقر والإحسان في مصر' لآدم صبرة أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة ميتشغان الأميركية خصص الفصل الأول للكتاب عن الفقر والفقراء في فقه وتاريخ المجتمعات الإسلامية إنما يشمل المجتمعات الإسلامية المختلفة بحكم المرجعية الواحدة، دون أن ينفي هذا خصوصية مصر واستجابة السلاطين المماليك لهذا الإشكال في المجتمع.
وينطلق الدكتور صبرة في المقدمة من أنه كما في المسيحية كذلك في الإسلام يشكل الدين الأساسي في تبلور مفاهيم الفقر والفقراء والإحسان الخ. وبناء على ذلك فقد انشغل الفقهاء المسلمون في التنظير لمفاهيم الفقر ومكانة/ أفضلية الفقراء في الدنيا والآخرة - على اعتبار أنهم يسبقون الأغنياء في دخول الجنة بـ 500 سنة- وما لهم من حق على الأغنياء في الدنيا باعتبار أن الفقير هو 'الواسطة بين الله سبحانه وتعالى والأغنياء'، وصولًا إلى دور ولاة الأمر تجاه الفقراء الخ.
وبعبارة أخرى يلفت الدكتور صبرة نظرنا بحق إلى ما في التراث الإسلامي من غنى فقهي حول الفقر والفقراء سواء في الدنيا أو في الآخرة. ويلاحظ أن مفهوم الفقر في التراث الإسلامي كان يتغير من وقت إلى آخر نتيجة للظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حيث تداخل مع الزهد ليفضي إلى نوع جديد من الفقر يمكن أن يسمى الفقر الاختياري أو الصوفي الذي تحول إلى 'مثل أعلى' وتطرف كثيرًا في بعض الحالات ليصل إلى التخلي عن الغنى واختيار الفقر والتسول لإذلال النفس.
وفي هذا الإطار فقد مثل كتاب 'إحياء علوم الدين' للغزالي [توفي 505 هـ/1111 م] منعطفا واضحًا في التنظير الجديد للفقر باعتباره موقفًا واعيًا واختياريًا وليس مصابًا وقدرًا للإنسان، وصولًا إلى إبراز ما يمكن تسميته بـ'أفضيلة الفقر'. فالغزالي ينطلق من أن الدنيا عدو الله ولذلك يجب على المرء المسلم ألا ينشغل بحب هذه الدنيا بل يجب أن يكرهها. وفي هذا الحال يصبح الاعتماد هنا على الدعاء المأثور عن الرسول:'اللهم أحييني مسكينًا وتوفني فقيرًا'.
ومع أن هذه الآراء للغزالي لاقت معارضة قوية من قبل بعض الفقهاء كابن الجوزي [توفي 597 هـ/1200 م] الذي قال بأن الفقر لا يمكن أن يكون مرغوبًا أو مطلوبًا بل هو مرض من يبتلى به ويجب أن يعالجه بالصبر، إلا أن الفرق الصوفية التي برزت بقوة بعد الغزالي كالقلندرية والحيدرية .. الخ غالت في تعظيم الزهد في الدنيا وابتغاء الفقر كوسيلة لتحطيم الرغبة في الدنيا والتقرب إلى الله تعالى، حتى أصبح تعبير 'الفقير' يكاد يوازي تعبير 'الصوفي'.
وفي المقابل يبحث الدكتور صبرة عما يوجد في الإسلام من مصادر ووسائل لمواجهة الفقر سواء بمعناه الاجتماعي الشائع أو بمظهره الزهدي الجديد ومن هذه المصادر الزكاة والصدقات والوقف.
وفيما يتعلق بالزكاة، التي حدد أحد مصارفها الثمانية للفقراء، يلاحظ الدكتور صبرة أنها على الرغم من أن تقديرها والتصريح عنها يعود إلى ضمير الأفراد فإن الدول الإسلامية تراخت بعد تشدد في جميع الزكاة، حيث أن الكثير من الدول لم تعد تقوم بجمع الزكاة بل أصبحت تترك ذلك للأفراد لكي يصرحوا عنها ويفرقوها بأنفسهم. وفيما يتعلق بمصر، على سبيل المثال، يلاحظ الدكتور صبرة أن صلاح الدين الأيوبي كان أول حاكم يجمع أموال الزكاة ويأمر بتوزيعها على الفقراء وأبناء السبيل والغارمين بعد استقطاع الجزء الخاص بالعاملين عليها. وهكذا فقد تم في عام 588 هـ/1192 م على سبيل المثال جمع 52 ألف دينار من أموال الزكاة وتوزيعها.
وفيما يتعلق بالصدقات الأخرى التي يقدمها الأغنياء للفقراء الحقيقيين أو الزاهدين فهي ترتبط بمناسبات عامة على مر العام أو بمناسبات خاصة عند الأفراد والأسر. فمن المناسبات العامة لدينا يوم عاشوراء ومولد النبي وشهر رمضان وعيد الفطر وعيد الأضحى، التي كانت توزع فيها الصدقات نقدًا وعينًا من الخبزً واللحم على الفقراء. أما المناسبات الخاصة فهي تتراوح ما بين الختان والشفاء من الأمراض عملًا بالحديث النبوي 'داووا مرضاكم بالصدقة'، التي كانت تبذل فيها الأطعمة للفقراء أيضا.
أما فيما يتعلق بالوقف فقد خصّص له الدكتور صبرة فصلًا كاملًا لما يمثل من أهمية بالنسبة لامتصاص الفقر في المجتمعات الإسلامية، حيث أنه يمثل مزيجاُ من تدخل الأفراد والحكام ولكنه يختلف عن غيره من الصدقات بالدوام والتنظيم. وفي هذا الإطار فقد تركزت خدمات الوقف في مجالين مهمين: تقديم الطعام من الخبز دائمًا واللحم أحيانًا والعلاج الصحي المجاني فيما عرف بالبيمارستانات التي غدت من مظاهر الحضارة الإسلامية. وبالعودة إلى السؤال المهم عن دور الدولة في مواجهة الفقر يلاحظ الدكتور صبرة أن الفقهاء من الماوردي [توفي 450 هـ/1058 م] قد أعطوا دورًا ما للدولة مع بعض الاختلاف من واحد إلى آخر. فالماوردي نفسه حصر تدخل الدور في مكافحة التسول، حيث يجب على الدولة أن تمنع الرجال القادرين على العمل من التسول وأن تعاقبهم في حال عودتهم إلى ذلك. ومع أن كتب الحسبة اللاحقة للشيزري وابن الأخوة وغيرهم جعلت ذلك الأمر [مكافحة التسول] من مهام المحتسب إلا أن هذا لم يمنع تدخل بعض الحكام في حالات خاصة. فقد بادر السلطان بيبرس في 664 هـ/1265 م إلى جمع العاجزين عن العمل في القاهرة وترحيلهم إلى الفيوم حيث خصص لهم السلطان قرية ورتب لهم الرواتب لحاجاتهم.
ولكن هذه 'اللفتة' التي تمثل بداية الدولة المملوكية لا تخفي الجانب الآخر لدور الحكام المتمثل في خلق الفقر أو إفقار الناس نتيجة للمصادرات والضرائب الخ. ولا شك أن التنافس بين زعماء المماليك والتخبط في صك النقود والتلاعب بقوت الشعب كان من أسباب المجاعات [كان آخرها في 892 هـ/1486 - 1487 م] التي اضطر فيها الفقراء إلى أكل كل شيء بما في ذلك القطط والكلاب للبقاء على قيد الحياة.
الخيانات العربية ... محاولة للتفسير
السبت 21 ذي الحجة 1426 هـ - 21 يناير 2006 م
د. ليلى بيومي