إن رعاية هذه الحقوق الثلاث ضمانة من ضمانات النجاح، والجور عليها هو أول الطريق نحو الفشل المحقق.
سادسًا: الصبر
والشائع في مجتمعاتنا أن الصبر يكون على المصائب. بينما الصبر في حقيقته هو وقف النفس على المشقة، ومنه الصبر على أداء الأعمال حتى تنجز. فالصبر يكون على الدراسة وعلى الدعوة إلى الله وعلى البحث العلمي وعلى التفكير للأمة وعلى إقبال الدنيا وإعراضها.
مما سبق ندرك أن هناك ستة قيم هامة لابد من غرسها في عالم أفكارنا. ويمكن إيجازها في سورة العصر. فالله تبارك وتعالى يفتتح السورة بالقسم بالعصر في إشارة إلى قيمة الوقت. ثم يقرر حقيقة خسران الإنسان إلا من أدرك مفهوم الإيمان (آمنوا) ومفهوم العمل الصالح (عملوا الصالحات) وأدركوا قيمتي العمل في فريق ورعاية الحقوق (تواصوا بالحق) وقيمة الصبر (تواصوا بالصبر) .
أثر الأفكار القاتلة:
العودة إلى الكتاب والسنة أول ما تبدأ به هو تغيير عالم الأفكار
إذا انتشرت داخل العقل ما يطلق عليه مالك بن نبي، الأفكار القاتلة، في الدين، وفي السياسة، وفي الاجتماع، وفي الاقتصاد، وفي الفن؛ فهذه الأفكار القاتلة تشكل القيود الحقيقية على إحداث نتائج في الواقع العملي، ولذلك سنجد - كما يقول نور الدين حاطوم في النهضة الأوروبية ويمكن الرجوع إلى ذلك في كتاب الذاكرة التاريخية - بأن حركة الإحياء في الغرب لم تبدأ بالنظر للمستقبل، إنما بدأت بتنقية التراث، ومحاولة استجلاب أحسن ما فيه من أفكار وإحيائها، فذهبوا إلى التراث الوثني؛ اليوناني والروماني على حساب المسيحية، وبدءوا يستلهمون منه فكرة المنطق، وفكرة البحث العلمي، والأفكار الأخرى التي رأوها نافعة، ثم أعادوا
هذا النافع بإحيائه، وبدءوا في النظر للمستقبل1.
إذًا كما يقول نور الدين حاطوم، لم تكن حركة النهضة كما تبدو حركة تنظر إلى المستقبل، بقدر ما كانت حركة رجعية، تنظر إلى الماضي، لكن هذه النظرة إلى الماضي كانت نظرة إيجابية، تستلهم من الماضي أحسن ما فيه،
وتؤسس عليه المستقبل المنشود،
إن العودة إلى الكتاب والسنة مطلب حقيقي، وأول هذه العودة يجب أن يكون بما بدأت به الدعوة من تغيير عالم الأفكار، والذي يتمثل في نظرة الإنسان للإله والكون والغيب والعالم المحيط به، وأيضًا تغيير أنماط التفكير التي تعيق أي حركة نهضوية حضارية من أسلوب التفكير المعوق.
المشهد المستقبلي
إنه مشهد ترى فيه الجموع الغفيرة من المخلصين والعاملين لنهضة هذه الأمة وقد تخلصت من الأفكار والمقولات القاتلة للإبداع والإنتاج. فانطلقت تفكر وتبدع في شتى مجالات الحياة.. تصنعها وتصوغها لتحقق نهضة الأمة التي ترنو إليها وتشتاق لها جماهير الأمة.
نحو التنفيذ
فليتكاتف القادة والمربون لإعادة تنظيم العقول المسلمة
ليتحقق هذا المشهد الرائع لابد أن تحرص المؤسسات العاملة في الساحة الإسلامية من الأحزاب والجماعات والمؤسسات الحكومية والجهات المعنية بالعملية التربوية وغيرها على تغيير أنماط التفكير الشائعة لدى أفرادها، وإعادة النظر في طرق تربية النشء، والأفكار التي يتم تنشئتهم عليها.
وحتى يتم ذلك فمن الممكن الاستعانة بالسلسلة الكاملة للمناهج والأدوات التي ترسم وتنظم الخارطة الذهنية في العقول المسلمة.
تذكر أن
* الإنسان يعيش في ثلاثة عوالم: عالم الأفكار، وعالم الأشخاص، وعالم الأشياء.
* التغيير والإصلاح يبدأ من عالم الأفكار أولًا.
* القرآن نزل على أمة يميزها اختلال جميع العوالم.
* عالم أفكار الجاهلية كان يعاني من اختلال قيمي ومفاهيمي وإعراض شديد عن العلم والتعلم والاعتماد على الظن.
* عالم أفكارنا المعاصر يعاني من مجموعة من أنماط التفكير التي تهدد حركة الصحوة بالشلل والجمود.، وهي: الخلط بين المبدأ والمنهج / سوء تعريف التربية / التفكير النمطي / الميل للمجاراة / نقل العادة / مقاومة التغير / عدم التوازن بين التنافس والتعاون / الانسياق التام دون التثبت بدليل أو برهان / الأفكار ليست طموحة ولا تناسب الهمم العالية / عدم التركيز على القول بل على القائل / التحفز للرد على الفكرة / الاعتقاد بأن القيادات تعرف كل شيء / عدم الاستعداد لنقد الذات وتدارك الأخطاء / المبالغة في تسطيح أو تهويل الأمور.
* النفوس تواقة لمن يحدثها عن المستقبل، لا من يحدثها عن أمجاد الماضي ولو كان عظيمًا.
المشهد الراهن
إنه مشهد يصور الحالة العقلية لقادة وطلاب النهضة وموقفهم من التجارب التاريخية
سنرى في هذا المشهد الجديد كثيرًا من العاملين الذين لا يروْن من الإسلام إلا جانبه الهين اللين. وينكفئون إلى ممارسات ضيقة إذا ما احتاج الأمر إلى بحث ونظر وتصور وعمل جاد في مواجهة الواقع. إنهم لا يعدون العمل العقلي عملًا حقيقيًا. بل ويعتقدون أنه بإمكان أي مجموعة أن تتجاوزه وتنجح في تحقيق أهدافها. بينما على الطرف النقيض يظن آخرون أن العمل العقلي وحده كفيل بالنجاح، وإن لم يكن بلسان المقال فبلسان الحال.
وسنرى في المشهد أيضًا بعض القادة الذين يحيلون قضية إعداد التصورات لمواجهة احتياجات الحاضر ومواجهة المستقبل إلى غيرهم من المفكرين، فإذا ما قدمت إليهم لم يفهموا مضمونها ولا اللغة التي كتبت بها. ثم يمارسون ما كانوا يمارسونه في الماضي دون وعي بما قُدِم لهم من جهد. وتدور الأحداث دورتها، وتعود الانكسارات في كل مرة يتحركون فيها.
وهناك الكثيرون الذين لا يحفظون من التجارب والنماذج التاريخية الناجحة سوى سيرة رسول الله r وسيرة عمر بن عبد العزيز والناصر صلاح الدين الأيوبي. ويعقب هذه التجارب فراغ معرفي كامل.
وسنجد في الساحة كثيرًا من العاملين في مشروع النهضة الذين لا يريدون تحمل أي نوع من المخاطر، وإنما يريدون نجاحًا وإنجازًا باردًا مبردًا لا عوج فيه ولا أمتًا. فهم محجمون عن أي مبادرة أو فعل حقيقي لاعتقادهم بوجوب تحمل غيرهم التكاليف، أما هم فلم يحن دورهم بعد. فلصعوبة الأوضاع ووطأتها الشديدة فإقدامهم غير وارد، وصبرهم طويل، ولا يدري هؤلاء أن"الغُنْم بالغُرْم"وأن كل العظماء تحملوا وأقدموا حين أحجم الآخرون، وعم المثل القائل:"ما فاز باللذة إلا الجسور". وهكذا تتم حراسة فكرة الإحجام عن العمل بمجموعة مقولات عن الحكمة والروية، فأين هي تلك الحكمة؟؟!!
رفع الواقع
تقوم معادلة النصر على"أولي الأيدي والأبصار"
استعرض هذه الأسئلة. ثم اعرضها على من تعرف من العاملين والمؤمنين والمتحمسين في المشروع الإسلامي واستعرض إجاباتهم. ثم حدد مكان وأهمية ونوعية دراسة التاريخ في عقول العاملين من خلال هذه الإجابات.
17.كم كتابًا في التاريخ تقرأ في العام؟
18.ما هي نوعية الكتب التاريخية التي تقرؤها؟ (ارسم خارطة توضح نوعية الكتب التي تقرؤها)
19.هل تقرأ في التاريخ بعمومه وتطلع على التجارب البشرية المختلفة أم أنك لا تقرأ سوى بعضًا من التاريخ الإسلامي وبعضًا من سِيَر الصحابة والتابعين؟
20.كيف تقرأ كتب التاريخ أو التجارب التاريخية؟ وما هي الجوانب التي تركز عليها؟
21.ما هي أهمية دراسة التاريخ؟
بمثل هذه الأسئلة تعرف نموك العقلي في صناعة النهضة، ووعيك في مرحلة اليقظة. فإن لم تكن من المجدين في النظر فيقينًا ليس عندك إلحاح السؤال الضروري لبناء الوعي. ومهما علت عاطفتك فهي وحدها لا تكفي، لأن معادلة النصر تقوم على"أولي الأيدي والأبصار". أي من يمتلكون القدرة التنفيذية مع الرؤية وبعد النظر.
نقطة البدء