تجلب إليهم خيرًا. فلما آمن الناس بربهم وعلموا حقيقة هذه القوى الغيبية والطبيعية وأمنوا جانبها انطلقوا يجوبون أصقاع الأرض آمنين بأن النفع والضر من عند الله وحده.
2.وضوح القضايا الكبرى:
فالإنسان - وبخاصة الفلاسفة - عانى من حيرة شديدة حول قضايا الغيب: كالبعث والحساب وبدء الخلق والحكمة من الخلق وغيرها. فجاء الإسلام ووضح أصول الوحدانية والنبوة والحساب.
3.القدرة على التركيز على الكون المسخر والإحسان فيه:
فبعد أن أمن الإنسان جانب القوى الغيبية والطبيعية فاطمأن قلبه، وزالت حيرة عقله بتعرفه على الأمور الغيبية التي طالما بحث فيها. انطلق يستثمر قدراته في إعمار هذا الكون المسخر له بلا خوف أو حيرة. وبالتالي أصبح لهذا الإنسان هدفًا ومنهاجًا ينطلق به وإليه.
إن خلاصة مفهوم الإيمان هي التحرر. التحرر من الخوف القلبي، والحيرة العقلية.
وهنا يأتي السؤال: ما الذي نقصده بهذا الكلام؟ وما الذي نريد الإشارة إليه؟
نريد بشرحنا هذا لمفهوم الإيمان أن يعرف قادة وطلاب النهضة ما هو الجزء المنوط بهم. فالإيمان حرر قلوبهم وعقولهم لينطلقوا ويركزوا على استعمار الأرض وخلافتها وإعمار هذا الكون المسخر لهم. أما أن يظل الكثيرون محبوسين داخل دائرة قضايا القوى الغيبية كالجآن والشياطين وغيرها أو داخل دائرة قضايا الإيمان فيثيرون قضايا الفرق والنحل وشبهاتهم وافتراءاتهم فهؤلاء يعودون إلى السجن أو القيد الذي حررهم الإيمان منه. فيركزون ويجتهدون حيث تكفي المعلومة البسيطة، ويضيعون ويهملون حيث يجب التركيز والإتقان والإبداع.
إن قضايا الغيب والإيمان تكفيها المعرفة القلبية والعقلية
العمل الصالح هو كل عمل ينهض بالأمة
وبالنظر إلى الثورة العلمية والتكنولوجية والمعلوماتية في أوروبا سنجد أن هذه الأمم قد اتخذت المسيحية ظِهْريّا، وكفرت بخرافاتها وأساطيرها وانطلقت في الكون المسخر تُعمِّر وتستعمر. فحررت عقولها وقلوبها أولًا ثم ركزت على الكون. وهذا ما فعله الإيمان بالضبط.
ولا نقصد بهذا المثال أن ننبذ ديننا، ولكن نقصد أن قضايا الغيب والإيمان تكفيها المعرفة القلبية والعقلية، ويكفينا منهج السلف الصالح من صحابة رسول الله r وتابعيهم. فإنهم لم يكثروا الجدال في هذه القضايا وإنما انطلقوا يجوبون الأرض، ففتحوا نصف العالم القديم في أقل من ثلاثين عامًا؛ بل لم يكونوا يعرفون تلك المصطلحات التي شاعت في علوم الكلام وغيرها من القضايا التي أثيرت فيما بعد.
مفهوم الإيمان
التحرر من الخوف
وضوح القضايا الكبرى
التركيز على الكون المسخر
ثالثًا: فلسفة العمل الصالح
وأول ما يتبادر إلى أذهان العقلية المسلمة بالعمل الصالح العمل التعبدي والخيري. كالصلاة والإنفاق وعمارة بيوت الله وإطعام الطعام. وكل هذا يدخل في باب العمل الصالح. ولكن العمل الصالح في حقيقته هو كل عمل ينهض بالأمة. فهناك فارق كبير بين المخترع المبتكر المسلم والمعتمر الذي يذهب إلى بيت الله الحرام كل سنة أو سنتين. وإلى هذا المعنى أشار العالم التابعي الجليل عبد الله بن المبارك حينما بعث إلى الفُضَيْل بن عياض - والملقب بعابد الحرمين - برسالة فيها:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا وهج السنابك والغبار الأطيب
إن مقولة"ليس في الإمكان أحسن مما كان"تؤدي إلى إيقاف عجلة الحياة
ففي ذلك العصر كان قتال الروم هو العمل الصالح الذي به تنهض الأمة وتتقدم. فكان بذلك الجهاد خير من ملازمة المسجد الحرام والصلاة فيه على عظم أجره ومثوبته.
والله تبارك وتعالى قال في كتابه:"الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا"85 ولم يقل أيكم يعمل عملًا حسنًا. فالله يريدنا أن نقوم
بأحسن الأعمال. فالأعمال الحسنة كثيرة، ولكن ما هو أفضلها وأحسنها في هذا الوقت؟ وهو ما يطلق عليه العلماء"واجب الوقت".
ولقد كان النبي r يحشد المجتمع بأسره ويحفزه. يقول الرسول r:
1."من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة نفاق".86
2."من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا"87.
الحديثان السابقان يمثلان سلسلة الدعم المادي والتجهيز المعنوي للمرابط.
3."ومن خلف غازيًا في سبيل الله بخير فقد غزا".88
وهذا الحديث يمثل سلسلة العمل الاجتماعي والتعليمي لكل المجتمع الذي يقف خلف المرابط.
قارن هذا الحشد النبوي بما فعلته ألمانيا عندما بنت نفسها بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى. لقد كان ما حدث لها دافعًا لتطوير قدراتها العسكرية، وتنظيماتها في مختلف الميادين في الحقبة النازية. وما قدرتها على البناء ثانية بعد الحرب العالمية الثانية إلا ثمرة لعالم الأفكار المنظم، والقيم السائدة والمتبقية - حتى بعد فشل ألمانيا في الحرب الثانية.
وتخيل معي الفكرة ثلاثية الجوانب، فإن عملية تنظيم الدفاع عن الوطن تحتاج إلى:
جيش منظم: مثقف مجهز مدرب قطعًا بما يكافئ ويفوق الأعداء المحتملين.
سورة العصر أجملت عناصر النجاح الستة
الأفكار القاتلة تشكل القيود الحقيقية على إحداث نتائج في الواقع العملي
ولكن ما شكل المجتمع الذي يقف خلف هذا الجيش؟؟
عمل علمي: إنه مجتمع منظم ومثقف ومجهز ومدرب، كذلك ففكرة تجهيز الجيش ليست بإعطائه السلاح وفقط، ولكنها تبدأ من إعداد الطفل في الروضة، وتصل إلى البحث العلمي في المعهد والجامعة، وتمتد لتشمل المصنع الذي يحول البحوث إلى معدات وأجهزة تحرك عجلة الاقتصاد وتوفر للجيش أفضل السلاح، في تدفق لا ينقطع، وتنتهي بخطوط الإمداد وجودتها وما يسمى باللوجستيك. فهل يمكن أن ينجح مجتمع بدون كل ذلك؟!
عمل اجتماعي: إنه الضلع الثالث في المعادلة، وهو العمل الاجتماعي بكل أشكاله، ليضمن الأمن الاجتماعي لكل من على الثغور المختلفة
ترى هل تبين لك امتداد العمل الصالح وشبكته الواسعة؟؟ فأين ذلك ممن قصر العمل الصالح على مبلغ من المال يدفعه لعاجز أو في رحلة عمرة، ثم هو في غير ذلك مسيء ومقصر.
إن نجاح المجتمعات مرهون بصواب الفكرة عن العمل الصالح.
من هنا نعلم أن الحرص على القيام بأحسن الأعمال، وجعل ذلك الأمر ميدانًا للتنافس بين العاملين؛ بل حتى أن تنافس نفسك وتحاول أن تتفوق عليها، هذا الحرص هو الضمان الوحيد لاستمرار عجلة الحياة. أما مقولة"ليس في الإمكان أحسن مما كان"فهي تؤدي إلى إيقاف عجلة الحياة.
جيش منظم
عمل علمي
عمل اجتماعي
رابعًا: قيمة العمل في فريق
وهي قيمة تفتقدها مجتمعاتنا بصفة عامة. فمجتمعاتنا قائمة على العمل الفردي والإنجاز الفردي. بينما قيمة أو كلمة الفريق تعني عدة أشياء.
سورة العصر أجملت عناصر النجاح الستة
الأفكار القاتلة تشكل القيود الحقيقية على إحداث نتائج في الواقع العملي
فهي تعني التعاون والتواصل وجودة وسرعة الإنتاج، وهي الأشياء التي يفتقدها العمل الفردي.
وللعمل في فريق مستلزماته كالتعاون والتناصح - الذي إذا ما افتقد الفريق روحه يصبح متنافرًا، بينما روح التناصح تدعو للتعاون والتكامل، وتجنب الأخطاء التي قد تعتري العمل - وتنوع المهارات والتركيز على نقاط القوة عند كل فرد.
خامسًا: رعاية الحقوق
فرعاية حق الله تكون بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. ورعاية حق النفس يكون بحفظها عن كل ما يهلكها. ورعاية حق الناس يكون بإنصافهم
حتى لو اختلفنا معهم في عقائدهم وتصوراتهم. وقد كان جوهر انتصار المسلمين الأوائل هو قدرتهم على الإنصاف.