فهرس الكتاب

الصفحة 1449 من 1942

وهذا سيدفعنا بالتأكيد للإصرار على أن قياساتنا للغرب لا يصح بحال أن تكون سطحية متجاهلة لحقيقة التركيبة الفكرية والثقافية, أو تصدر عقولنا حكمًا واحدًا على كل الغربيين بغير تمحيص ودراسة كافية لأحوالهم وتوجهاتهم ومنطلقاتهم, ومن ثم تنعكس على طريقة تعاملنا معهم.

الغرب والإسلام:

من المحاور الأساسية في محاولاتنا لفهم طبيعة الغرب أنه لا بد من التعريج على علاقة الغرب بالإسلام؛ لما لهذه العلاقة من أثر واضح على كلا الطرفين؛ حيث لا تمر مرحلة من مراحل التاريخ إلا ونرى للغرب دخولًا في أراضي الإسلام أو فتوح من بلاد الإسلام إلى قطاعات عريضة من أراضي الغرب, فضلًا عن الانتقالات للحضارة العلمية من طرف لآخر وغيرها.

والعلاقة بين الغرب والإسلام علاقة متداخلة تحكمها جملة من العوامل:

العامل التاريخي يدخل فيها كمؤثر رئيس, حيث لا بد من دراسة الخلفيات التاريخية لطبيعة العلاقة بين الإسلام والغرب على مدار القرون الماضية, كيف بدأت وتطورت؟ وإلام وصلت؟ وكيف فهمها الغرب وأعاد صياغتها في ثقافته المعاصرة؟ ومن ثم قام بترسيخها في أذهان أفراده وأصبحت جزءًا لا يتجزأ من منطلقاتهم وتصوراتهم مع ضرورة بيان حجم الخلل ومن أين أتى؟

ومن العوامل الأساسية كذلك في تحديد طبيعة هذه العلاقة العامل العقدي متمثلًا في العلاقة بين الإسلام وبين النصرانية بأوجهها المتعددة من كاثوليكية نصية إلى بروتستانتية متحررة, إلى يمين إنجيلي متشدد, إلى صهيونية مسيحية ... وغيرها, ولكل من هذه الأوجه المختلفة صورة خاصة به في تحديد شكل العلاقة بين الغرب والإسلام, ومن ثم الوسيلة المثلى للتعامل واتخاذ المواقف المسبقة.

ومنها كذلك حسابات المصالح والمنافع, وإن كان الغرب يحرص على إظهار صورته دومًا بمثابة المدافع عن الحقوق وحامى حمى المظلومين وناشر الديموقراطية وحقوق الإنسان في ربوع الأرض وبين أفراد البشرية, ولكن لا يخالف عاقل ولا منصف أن حسابات المصالح والمنافع هي الحكم في التحركات الغربية نحو باقي العالم.

الأحباب الكرام هذه مقدمة للحديث عن الغرب كان لا بد لنا من المرور عليها في الطريق للتعرف على هذا الكيان الذي سنرى منه مع مرور الأيام القادمة مزيدًا من التداخل والاحتكاك مع العالمين العربي والإسلامي, حيث أضحت منطقة الشرق الأوسط الكبير [عبارة يراد من نشرها إقرار وجود الدولة الصهيونية وأن قيام الدول إنما يكون على أساس المصالح والاقتصاد لا القيم والمبادئ والديانات] هذه المنطقة أصبحت محور العالم المعاصر, وفيها ستدور كل الصراعات القادمة.

إلى أن نلقاكم في مقال آخر, لكم منا خالص التحية وجزيل الشكر.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الجالية الإسلامية في الغرب- ومسؤولياتها في المجتمع الغربي

عدد 228 ـ صفر 1425 هـ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, وبعد:

فإن مسألة العلاقات بين الشعوب, والتمازج والتواصل فيما بينها, ظاهرة طبيعية في تاريخ البشرية لا غنى للمجتمع الإنساني عنها؛ لأنها تحقق التكامل في الحاجات والتبادل الثقافي والاجتماعي. فتنوع طبائع البلاد يؤدي إلى اختلاف منتجاتها. واختلاف المنتجات يثير الرغبة في التغيير والتنويع, بجلب ما يتوافر لدى الأمم الأخرى. وقد أدى هذا إلى قيام الاتصال والتعارف. وسرى تبادل السلع الزراعية والصناعية إلى تبادل اجتماعي وثَّق الأواصر, كما أدى في كثير من الأحيان إلى تبادل العادات والمفاهيم والمعتقدات. ومن مظاهر ذلك ما يذكره د. نعيم فرح, إذ يقول: 'إن التأثير ـ ولاسيما من الشرق على الغرب ـ كان جليًا في الجوانب العملية من كتابة وعلوم وصناعة وتجارة. وكان ضعيفًا في الأمور الدينية والسياسية'.

ومن ذلك أن اليونان التي ينسب إليها الأوربيون الكثير من الاكتشافات والثقافات والمعارف الحضارية, ولدولتها التنظيمات المدنية قد نهل أهلها من الحضارات المتقدمة عليها, كالمصرية والبابلية والفينيقية قبل عصر الإسكندر, يقول ليونارد وولي: 'لقد مضى الزمن الذي كانت تنسب فيه أصول جميع الفنون إلى بلاد الإغريق, أو أن حضارة الإغريق قد انبعثت كاملة النضج من دماغ الإله الأولمبي زيوس. فقد أصبحنا نعرف أن زهرة تلك العبقرية ارتشفت رحيقها من الليديين والحيثيين ومن فينيقية وكريت ومن بابل ومصر. وجذور تلك الزهرة تعود إلى سومر الأقدم .. '.

ومن ذلك أيضًا:

ـ اقتباس الكريتيين بعض المظاهر الحضارية من المصريين.

ـ تأثر الرومان بديانة الشرق المسيحية ولكن وفق فهم وثني.

ـ انتقال الوثنية من بلاد الشام إلى الحجاز على يد عمرو بن لحيّ الخزاعي.

ـ انتشار الإسلام في جنوب شرق آسيا بواسطة التجار, الذين كانوا ينقلون منتجات تلك البلاد إلى جزيرة العرب, وما يتوفر في جزيرة العرب من بضائع إلى بلاد الملايو في جنوب شرق آسيا. بالإضافة إلى العلاقات الاجتماعية التي نشأت عن ذلك أيضًا, والتي لا تزال ملامحها واضحة حتى اليوم.

ـ انتشار الفلسفة اليونانية وترجمتها في البلاد الإسلامية في العصر العباسي, وإعادة صياغتها بصورة تتلاءم مع منهج الفكر الإسلامي والعقيدة الإسلامية, ومناقشة ما لم يتفق مع منهج التفكير الإسلامي.

ـ التأثير الحضاري الإسلامي على بعض مناطق الهند بعد فتح مناطق السند, من خلال المعاملة الحسنة التي نالها الهندوس من المسلمين الفاتحين, والتي تركت أثرًا طيبًا أدى إلى انتشار الإسلام هناك كما يقول برتولد شبولر.

ونشأة الجالية الإسلامية في الغرب لون من ألوان العلاقات بين الشعوب, والتمازج والتواصل فيما بينها.

ومن المعلوم أن للظروف السياسية والاقتصادية ونحوها تأثيرًا في نشوء جاليات شعوب في غير بلادها. ومن أبرز هذه الظروف ظهور القارتين الأميركية والأسترالية. فقد أدى ذلك إلى حركة هجرة واسعة من شتى أرجاء أوروبا إليهما, ثم من بقية أرجاء العالم أيضًا, وقد قامت هذه الهجرة رغبة من الناس في الوصول إلى فرص عمل تؤدي إلى مكاسب مغرية, ومن ثم تتحقق ظروف حياة أكثر رفاهية. كما أن من تولوا إدارة الحكم والمؤسسات الاقتصادية في هاتين القارتين شجعوا ـ ضمن صور محددة ـ على الهجرة إليهما للاستكثار من الأيدي العاملة والخبرات والكفاءات العلمية والفنية ...

والأمر نفسه جرى في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية, فقد شجعت الإدارات الحاكمة والمؤسسات الاقتصادية في كثير من أقطارها على استقدام الكثيرين إليها، لقلة اليد العاملة فيها, بسبب ما حصدته الحرب من جهة, وبسبب استمرار الهجرة إلى القارة الأميركية من جهة ثانية, وبسبب النهضة الصناعية التي اقتضت طلب المزيد من الأيدي العاملة, لحاجة المؤسسات الصناعية فيها.

ومن أهم أسباب نشوء جالية إسلامية في الغرب أن التقدم العلمي الذي بلغه الغرب دفع بكثير من أبناء الأقطار الإسلامية وغيرها لطلب العلم في الجامعات الغربية في التخصصات المختلفة, سواء أكان ذلك بتشجيع من الغرب نفسه, كما حصل في عهد الاستعمار الغربي لمصر وغيرها من البلاد الإسلامية, أم بدفع من المؤسسات العلمية الوطنية, بغية تكوين قاعدة من المتخصصين لينهضوا بشأن بلادهم علميًا وصناعيًا, أم بدافع ذاتي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت