فهرس الكتاب

الصفحة 1448 من 1942

مفكرة الإسلام: أصبحنا نسمع في أيامنا هذه أخبارًا عن الغرب أكثر مما نسمع عن بلادنا, ويعرف الطفل من أطفالنا أخبار أمريكا وبوش والانتخابات والأمريكان في العراق وأفغانستان وفرنسا والحجاب كما يعرف ويتعلم جدول الضرب وباقي العمليات الحسابية من جمع وطرح, وأصبح الحوار حول الغرب ومدى أثره على أدق شؤون حياتنا من أساسيات الحوار حول مائدة الطعام كتفًا بكتف مع التجمعات العائلية, وأصبح كل ذي شأن وغير شأن يدلي بدلوه في مسألة الغرب ودوافعه وأغراضه بين مفرط في التفاؤل يرى الواقع مرحلة متوسطة لنشر العدل وقيم السلام الأمريكية, وبين مفرط في التشاؤم يرى الحال الذي تعيشه الأمة لا مثيل له فيما سبق من تاريخها, ويرى الغرب كمارد سيسحق البقية الباقية من أمة الإسلام, وبين محلل للمواقف بدرجة متميزة من السطحية والسذاجة المفرطة, وآخر يتعامل مع مخططات الغرب وطلباته وتوقعاته على أنها أمر قدري لا مفر منه, وبين هذا وذاك تخرج بعض الأصوات الرزينة العاقلة تنادي بمحاولة الفهم الدقيق لمجريات الأمور ووجوب دراسة تركيبة المجتمع الغربي ومعرفة توجهاته وفهم حقيقة مراده منا, ونحن ها هنا نقف مع هذه الأصوات متسائلين:

هل نمتلك حقًا تصورًا واضحًا دقيقًا عن الغرب ما هو وما تاريخه؟

وكيف يفكر ويخطط وينفذ؟

وما هي الدوافع الحقيقية وراء تصرفاته؟

هل لهذه الدوافع ارتباطات عقدية أو تاريخية؟

أم هي المصالح والمنافع المعاصرة وحسب؟

ما حقيقة الصراع بين الشرق والغرب؟

وعلام ينبني هذا الصراع من تصورات؟

وكيف ينظر الغرب إلينا؟

أسئلة لا بد من الإجابة عنها كي يمكننا إعطاء صورة كاملة, والأهم من ذلك أن تكون هذه الصورة صحيحة لبيان حقيقة ما يريدونه من منطقتنا العربية الإسلامية وهو كذلك تصور ضروري لتحديد حجم الدور الذي يجب علينا تجاههم.

مصطلح الغرب:

إن أول ما ينبغي علينا بيانه هنا هو تحديد المقصود بمصطلح الغرب, وبداية نشأته, فالمؤرخة الفرنسية صوفي بسيس في كتابها 'الغرب والآخرون: قصة تفوق' ـ وهي من المهتمين بالتأريخ للغرب وبداياته ـ تعتبر أن السنة الرئيسية للميلاد الحقيقي لمصطلح 'الغرب' كانت سنة 1492م سنة اكتشاف كولمبس لأمريكا وطرد المسلمين واليهود من أسبانيا أو الأندلس, وسنتعامل مع هذا التعريف باعتباره الأشمل من بين التعاريف لمعنى الغرب المعاصر, حيث ترسم الكاتبة حدود الغرب الحديث مع بدايات القرن السادس عشر الميلادي من خلال عملية امتلاك [للعالم الجديد] وإقصاء [للمسلمين من الأندلس] , صحيح طبعًا أن الغرب تشكل شيئًا فشيئًا خلال قرون التاريخ، لكنه لم يتحدد بالشكل الذي آل إليه وتطور إلى اليوم إلا منذ القرن السادس عشر, وبذا فالغرب بمفهومه المعاصر يتضمن شقين هما كل من أوروبا بشقيها الشرقي والغربي بعد اتحادهما في درجة من درجات تطور المجتمع الغربي تحت مظلة الاتحاد الأوروبي التي يحكمها بالطبع التوجه الذي يدعمه المعسكر الغربي, وشق الغرب الثاني وهي أمريكا, وهنا لا بد من طرح سؤال قبل الانطلاق في تحليل المواقف ومحاولة فهمها, هل كلا الشقين يحمل فكرًا وتوجهًا واحدًا بحيث يمكننا الحكم على تصرفات كل شق بمنطق واحد؟ أم أنهما على درجة من التشابه الظاهري ولكنهما مختلفين في حقيقة الأمر في عديد من التوجهات ومنابع التصورات والدوافع فنعامل كل شق بناءً على ما يمتلك من مقومات وتصورات اكتسبها من تاريخه وموروثاته الثقافية والفكرية وهي التي تحكم تصرفاته وأفعاله؟

والجدير بالذكر أن مصطلح الغرب تعرض في الآونة الأخيرة لكثير من الهزات ما بين شقي الحضارة الغربية أوروبا وأمريكا, كل يحاول التنازع عليه أو التملص منه إلى تكتلات جديدة مثل حلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي وغيرها من أشكال التكتلات, فلا بد من بيان الموقف من كل ذلك.

دورات التاريخ وأبي جهل:

من أبسط المشاهد أن نقول: إن الكفار كانوا على عهد النبي صلي الله عليه وسلم أشرارًا وسيئين وعلى مستوى متقارب من العداء والكره للإسلام والمسلمين, ونضع العدو كله في سلة واحدة, بينما الواقع ليس كذلك, فلم يكن مشركو قريش على درجة واحدة أو حتى متقاربة من العداء والكره للإسلام, أتريد مشهدًا يؤكد ذلك؟ بل على الأخص في السيرة أكثر من مشهد واحد يؤكد هذه الحقيقة ويؤكد حقيقة أقوى منها وأهم بالنسبة لمسلمي هذا العصر, ألا وهي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يتعامل مع كل الكفار تعاملًا على درجة واحدة, إن أبا جهل ليس كأبي سفيان, ومن ذلك تأمل معي هذا المشهد: عند فرار أبي سفيان بالقافلة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتربص بها في بدر, وكيف أنه أرسل برسالة إلى الجيش المنطلق إلى بدر للدفاع أساسًا عن أموالهم وممتلكاتهم يأمره فيها بالعودة إلى مكة؛ فقد سلمت القافلة ونجت من الأسر, ولكن العجيب في مشهد أبي جهل قائد الجيش الذي هب للنجدة وهو يأبى إلا أن يكمل المسيرة وينتظر في بدر, وتضرب له المغنيات, وتسمع به العرب, ويذبح الذبائح لثلاث ليال, ويتعمد المواجهة مع النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه, فهو يسعى لهذا الشرف, لا يستويان, وكذا لا يستويان في أسلوب التعامل معهم والفهم للدوافع التي تدفع للوقوف في الطرف الآخر, ومن ثم التعامل معها بالأسلوب المناسب.

ومشهد آخر نتلمحه في موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصُفُّ الجيش للقتال في بدر, فيلمح رجلًا في جيش المشركين يركب جملًا أحمر, فيخاطب أبا بكر قائلًا له: إن كان في أحد منهم خير اليوم ففي صاحب الجمل الأحمر. وقد كان فيه بعض الخير كما ذكر صلى الله عليه وسلم, فقد نادى في رؤساء الجيش أن يرجعوا بلا قتال ما دامت القافلة التي من أجلها خرجوا قد نجت, وأنه لا حاجة لقتال أبناء العمومة والإخوة والأقارب, ومضى فيهم يحثهم على العودة لولا أن وقف له أبو جهل متهمًا إياه بالجبن, وجعل يعيره بموقفه وأنه يريد الفرار من القتال وأن هذا هو دافعه لهذا الرأي, وهكذا استمر أبو جهل في استثارة نعرة الغضب وتنشيط حيل الشيطان حتى أخذ موقفًا بالحرب والاستمرار في القتال, وهكذا...

فأهل الباطل ليسوا على درجة واحدة من الصلابة والعناد والإصرار, بل والتصورات والمنطلقات, فلا يصح جمعهم مع غيرهم في سلة معاملة واحدة.

إن التاريخ كما يقول علماؤه ومؤرخوه يمر في دورات متصلة ببعضها, وهي حلقات تتكرر بصورة تلقائية متتابعة, وكذا تمر شخصيات التاريخ في دورات متصلة لا تنفك عن بعضها, فقد تتغير اللغات واللكنات والإشارات, قد تتغير الثياب والمطاعم والمشارب, قد تتغير المساكن والأسرة والمجالس, ولكن للأسف لا تكاد تلمح تغيرًا حقيقيًا في نوعيات البشر وشخصياتهم, إنها تتكرر تمامًا, وبناءً على ذلك فلا بد للعاقل الأريب من النظر فيما مضى من التاريخ والالتزام بالمنهج النبوي الرباني في النظر إلى المخالف في العقيدة والتصور وكيفية وزنه, ومن ثم تحديد الوسائل المثلى للتعامل معه.

لم يعامل النبي صلى الله عليه وسلم الكفار كلهم على درجة واحدة, بل فرق بينهم وفقًا لمجموعة من القواعد الشرعية أولًا ثم تبعًا لفهمه صلى الله عليه وسلم للبشر ولطبيعة الدوافع المحركة لكل واحد من المعارضين ومدى إصرارهم على هذه المعارضة وبالتالي يتحدد موقعهم في صف العدو.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت