فهرس الكتاب

الصفحة 1854 من 1942

11-المقصود بالثقافة والفكر: تكوين رؤية شاملة للحياة والوجود والهدف من ذلك، لأن التحضر سلوك جماعي، يتجمع في وحدة ثقافية جامعة، تدفع بالأفراد نحو محصلة مشتركة في العمران المعنوي والمادي، وكل هذا يتطلب نوعًا من التجانس يمكن تسميته بـ (الإجماع الثقافي ) ، وهو ما توفره في العادة العقيدة الواحدة، أما الإجماع السياسي، فتوفره قيادة (كارزمية ) ، ذات مواصفات عالية، وأهداف سياسية مشتركة.

ويمكن أن أقول: إن الأفكار هي (وقود ) التحضر، وبدونها يصعب قيام تحضر مفيد.

12-الثقافة والفكر قد تكون دينية، متأتية من مصدر سماوي غيبي، حقيقي أو أسطوري، أو فكر بشري، وهنا سنجد أن (الدين ) هو الأكثر دوامًا والأقوى، لذا وجدنا الحضارات الكبرى كلها كانت تقوم في أساسها على (دين ) ، أو متطورة عنه، فإن لم تكن كذلك فربما سقطت الحضارة، ومثلها الدولة، دون عدوان خارجي -كما سقط الاتحاد السوفياتي- وفي مدة قصيرة نسبيًا.

وأخيرًا، الثقافة والفكر مقدمة أو شرط للتحضر، لكن ليس كل ثقافة أو فكر بإمكانها أن تنتج حضارة، إلا أنه لا حضارة بدون ثقافة أو فكر، وأمثل لذلك بأن صحة الصلاة تتوقف على وجود طهارة (وضوء ) سابق، ولكن ليس كل من يتوضأ يصلي.. ويحلو لي أن أذكر (طلبتي ) بأن نهر الحياة يجري، وعلى جانبه الحضارة، وعلى الجانب الآخر الفكر والثقافة، ويربط بين الضفتين قنطرة هي (القيم ) .

الثاني عشر: الدافع الحضاري:

قد تتوفر للإنسان إمكانات كبيرة، لكنه لا يتحرك ولا يستغل هذه الإمكانات، وقد تكون الفرص قليلة، والإمكانات كذلك، ولكن قوة في نفس الإنسان تدفعه للعمل والتشبث، وقل مثل هذا في الشعوب والأمم، وقد توهم بعضهم فقال: إن التحضر هو من نصيب شعوب بعينها، وثمة شعوب أخرى غير مستعدة لذلك، وإن وافتها الفرص، إلا أن التاريخ يشهد بغير ذلك، فكل من واتته فرصة اهتبلها وأقام حضارة.

وما يصدق على الأفراد، يصدق على الشعوب والأمم، وهذه اليابان، قد تجاوزت شح البلاد، وقلة الخيرات، لأنها كانت مصممة على صعود سلم التحضر، وبأسرع وقت ممكن، بينما نجد بلادًا فيها الكثير الكثير من الخيرات، وهي تراوح مكانها، أو تسير ولكن إلى الخلف، وإلى مؤخرة القافلة.

إن الأفكار حين تحل في النفوس حلولًا إيمانيًا، يكون حلولها دافعًا نفسيًا قويًا للتحضر، والتغلب على المصاعب.

إن الأفكار قد تسيطر على نفوس أصحابها، فتدفع بهم إلى العمل الموحد، مع شيء من إنكار الذات، والزهد في المغنم.

وهنا أتذكر ما يكرره (مالك بن نبي ) يرحمه الله من أن الحضارة تبدأ روحية نشطة، يعمل أصحابها بجد وإخلاص، ونكران ذات، فتحقق إنجازات كبيرة، ثم يعقب ذلك مرحلة عقلانية، تفلسف المرحلة السابقة، يلي ذلك مرحلة ثالثة، تثور فيها الغرائز، فتتفسخ الحضارة وتسقط (1) .

وهذا التوصيف ينطبق انطباقًا عاليًا على الحضارة الإسلامية.

وإذا نظرنا لرواد الحضارة الغربية، وجدناهم في منتهى الجد والتفاني، فإذا نظرنا اليوم إلى مجتمعات (الإنشورنس ) (1) نجدها تفتقد كل تلك الصفات الجيدة.

إن همها الأول اليوم أن تكسب، ولو بالتهرب من العمل، للحصول على (الضمان ) .. وفضائح الفساد تتوالى، من الكبار والصغار معًا، لقد ذهب الرواد، وذهبت معهم التضحيات، ونكران الذات.

وكل حضارة تعرف جيدًا الفرق الكبير بين الرواد المؤسسين وذلك النفر البائس المتكاسل، الذي يشهد سقوط الحضارة، وفي الأندلس عبرة لكل معتبر.

دخلناها بـ (000،12) مقاتل، وحكمناها قرونًا، وأقمنا أروع حضارة، وخسرناها ونحن أكثر من أربعة ملايين مأزوم مهزوم، فلم تضرنا القلة، ولا رفعت عنا الكارثة الكثرة، لقد صرنا (غثاء ) ، والسيل متى جاء حمل معه ما خف وزنه، وقل نفعه، أما النافع فيبقى في أرضه، ولا يفلح السيل في جرفه.

وأوجه للقارئ الكريم سؤالًا: هل يزعجك ويغضبك تخلف أمتك، وهل لديك مشروع للتحضر والنهوض؟ أم شعارك: نفسي نفسي، ثم ليكن الطوفان؟!

الثالث عشر: البيئة الطبيعية:

الحضارة تقوم في أمة وأرض.. أما الأمة، فإذا كانت مغلوبة على أمرها متخلفة، وكانت الأمية من نصيب أغلب شعبها، والفقر يضربها بسيوفه، والأمراض تستوطنها بشكل دائم، مرة تموت عطشًا، ومرة تدمر مدنها وقراها الفيضانات، فهذه الأمة لن تفكر بالتحضر، وإن فكرت فعلى حد قول الشاعر:

أتمنى أن أراه حُلمًا والتمني رأسمال المفلس

فلا بد أن يكون للأمة (كفاية ) حتى تفكر في التحضر.

ولا بد أن تكون الأرض سخية ولو إلى حد، ولذا فقد جعل توينبي للتحضر شرطين، بعد أن ربط التحضر بوجود (تحد ٍ) ، لا يكون قويًا فيُقعد الإنسان، ولا سهلًا فلا يثيره، ويضرب لنظريته أمثلة من كلا النوعين (1) .

فيمثل للتحدي الصعب بالصحراء وبلاد الإسكيمو، ففي الصحراء حيث الحرارة العالية والمياه الشحيحة، يصعب إقامة حضارة، أو نجاح مشروع حضاري، على نطاق واسع، ومثل ذلك بلاد (الأسكيمو ) حيث يصارع الإنسان البرد من أجل أن لا يفتك به، لذا فلن يفكر بمشروع حضاري وهو يصارع من أجل البقاء حيًا.

أما التحدي السهل، فيمثل له بالمناطق الاستوائية، حيث الجو المعتدل، والشمس المشرقة، والأمطار الغزيرة، فلا يخاف الإنسان الموت جوعًا أو عطشًا أو بردًا.

إن الإنسان صانع الحضارة، لكنه يحتاج للعوامل التي تعينه وتساعده، من البشر والطبيعة. ونحن نرى اليوم أممًا تجاهد للتغلب على العوائق، فهناك تحلية مياه البحر، واستخراج المياه الجوفية، والزراعة في بيوت محمية، وتحسين المنتوجات الحيوانية والنباتية، وإقامة السدود لجمع المياه، وتسميد الأراضي الزراعية لمضاعفة المنتوج، هذا في الحقل الزراعي، وفي الحقل الصناعي حصل تقدم أكبر، مما جعل التحكم في البيئة أفضل من قبل، وإن كان لكل شيء ثمن.

وأختم ما تقدم بقول (ديورانت ) (1) : إن العوامل الجغرافية، على الرغم من أنها يستحيل أن تخلق المدنية خلقًا، إلا أنها تستطيع أن تبتسم في وجهها، وتهيء سبل ازدهارها.

إن الأرض لا تضيق بأهلها، ولكن النفوس الشحيحة (الكزة ) ، هي التي تضيق. وأحب أن أكرر مع الشاعر:

كلما أنبت الزمان قناة ركب المرء في القناة سنانا

الأغنياء ونسبتهم في العالم عشرة بالمائة، يسيطرون من خيرات العالم على تسعين بالمائة، ولا يعفون عن سرقة ونهب الفقراء، فيزداد الأغنياء غنى، ويزداد الفقراء فقرًا.

الفقير بحاجة إلى محراث وحاصدة وجرار، ودواء، وطعام، وماء نقي، لكن الغني يفضل أن يبيعه دبابة وصواريخ، أو أدوات زينة وتجميل، أو سيارات فخمة، أو مشروبات غازية، فكيف نحل هذه المعادلة؟.

حركة التحضر ومساراتها

التحضر مستمر، والتاريخ يتحرك، ولكن في أي اتجاه؟

هناك خمس مدارس تتوزع الموضوع:

أ- التقدم الصاعد.

ب- التأخر والنكوص.

جـ- دورات الحضارة

د- عدم التزام خط واحد.

هـ - الانقطاع التاريخي.

وسأحاول بحث كل اتجاه، بالحدود التي تسمح بها طبيعة البحث.

أولًا: التقدم الصاعد:

لعل أقدم من آمن بذلك بعض فلاسفة اليونان، ثم جاء بعدهم كل من بيكون وديكارت، فتبنوها.

وقد راجت الفكرة في أواخر القرن (17) ، حيث قام جدل كبير بين أنصار القديم والحديث، فراح أنصار (الحديث ) دفاعًا عن موقفهم يرددون: أن أنصار القديم يقعون في وهم حين يقولون بأن من سبقهم كانوا أرجح عقلًا، بينما الإنسان كلما كبر ازداد حكمة ونضجًا وأصالة، وكذلك الإنسانية، فهي تسير دومًا نحو (التقدم ) ، وإذا كان للقديم فضل السبق، فإن اللاحق له فضل الكمال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت