ابتدأت الفكرة (بالأدب ) ، إلا أنها ما لبثت أن تحولت إلى السياسة، وعلم الاجتماع، والفنون والفلسفة والتاريخ.
هذا التوجه هو الذي مهد وروج لفكرة (التطور ) ، والتي آمن بها (هيغل ) ، وعنه أخذها (ماركس وأنجلز ) .
وقد منحت التطورات العلمية دفعة قوية لهذا التوجه، فقد استقر في النفوس أن (العلم ) سيحل جميع المشاكل، حتى لا يبقى في الحياة سر، ونادى البعض أن كل مشكلة لها في العلم حل، وإلا فهي مشكلة زائفة وميتافيزيقية.
وقد واجهت الفكرة الكثير من النقد والتجريح، بعضه يتعلق بالمنهج، والآخر يتعلق بالقيم، التي صدر عنها المؤمنون بها.
كذلك يلاحظ أنهم نقدوا مثلًا (العصور الوسطى ) وفق معايير حديثة معاصرة، ابتدأوا حملتهم أولًا على رجال الكنيسة، لكن سرعان ما تجاوزوا ذلك للهجوم على الدين نفسه، نافين أن يكون له دور في الحضارة، تكوينًا وتقدمًا.
المهم أن البداية كانت من (الأدب ) ، لتنتقل منه إلى سائر العلوم والمعارف، كما بدأت بنقد رجال الكنيسة، لتنتهي بالدين ذاته.
والإنسان يتمنى من كل قلبه أن تكون حركة التحضر تسير قدمًا، ولكن الحضارة ليست جسمًا عضويًا، إما أن يتقدم كله، أو يتأخر كله، فهي خليط من معارف وعقائد وتشريعات وآداب وفنون، ومنشآت مادية، يجمعها وعاء زماني مكاني، لذا ليس شرطًا أن تسير بخط واحد، فقد تتقدم الآداب مثلًا دون التشريع، وقد تتقدم بعض العلوم دون بعض، فالقول بأن حركة الحضارة تسير وفق خط واحد، وباتجاه واحد، يصعب قبوله، لأن الشواهد لا تساعد على ذلك. والحياة والكون ما يزالان مملوءان بالأسرار، والعلم لم يكشف الكثير من أسرارها، والحماس للعلم قد خف، ولم يكن كالقرون التي مضت، وقد صار العلماء أكثر تواضعًا، وأقل ادعاء.
ثانيًا: حركة النكوص:
المؤمنون بهذا التوجه يشعرون بغلبة الشرور، وتدهور القيم الأخلاقية، وكذلك الجمالية، وفوق ذلك وبعده، الحروب المدمرة، وضياع السلام والاستقرار، وشيوع الفساد والإرهاب، والتكالب على المادة، ويساهم في هذا الاتجاه علماء الدين، ويشاركهم بعض العلماء، الذين يتذمرون من عجز الإنسانية عن التقدم الحقيقي، فهذا (جيته ) الألماني يقول (1) : لقد صار الإنسان أكثر ذكاء ووعيًا، ولكنه لم يصبح أكثر سعادة، أو أنبل خلقًا). وهي حقيقة موجعة مؤلمة .
أما (توينبي ) فقد تصور أن العالم عقد صفقة مقايضة غريبة، فقال (2) : (لقد أغرت فنون الصناعة ضحايا، وجعلتهم يسلمون قياد أنفسهم، وذلك ببيعها المصابيح الجديدة لهم، مقابل المصابيح القديمة، لقد أغوتهم فباعوها أرواحهم، وأخذوا بدلًا عنها(السينما والراديو) ، وكانت نتيجة هذا الدمار الحضاري، الذي سببته تلك الصفقة، اقفرارًا روحيًا، وصفه أفلاطون بأنه (مجتمع خنازير) . هذه الصفقة لم يسلم منها بلد، كما يبدو.
أما (أدوارد كربنتر ) فيعتبر (المدنية ) مرض جميع الأجناس (3) . وقد كان الفيلسوف (برنارد شو ) يسخر من المدنية وتقدمها، بل يعلن أن البشرية ستعود إلى وثنية وبدائية يومًا ما، ولا يتوقع أن تحقق الإنسانية تقدمًا أكثر مما عرفت (4) .
إن فكرة (التقدم ) لدى أصحاب (النكوص ) ، تبدو كوهم كاذب، وهم يستعملون مصطلحات (مبهمة ) مثل سيطرة العقل، وحرية الشعوب، والسيطرة على الطبيعة، والسلام الدائم، وهم يتصورون أن البشرية تسير نحو غاية معلومة، ولم يكن ذلك عن طريق البرهان العلمي، ولكن عن طريق الأماني، ومن هنا راحوا يخترعون المصطلحات، وكأنها شيء حقيقي موجود، ولها كيان في الخارج (1) .
ولعل خير من يعبر عن هذا الاتجاه (ألبرت شفيتز ) ، فهو يقول (2) : الخاصية المروعة لحضارتنا أن تقدمها المادي أكبر بكثير جدًا من تقدمها الروحي، وقد اختل توازنها، فجعلت اكتشافات قوى الطبيعة تحت تصرفنا، محدثة ثورة في العلاقات بين الأفراد والجماعات، وبين الدول.. زادت معارفنا، فازدادت قوتنا، وصارت أحوالنا المعيشية أفضل، ولكن ممارستنا للتقدم والقوة جعلتنا نتصور الحضارة تصورًا ناقصًا معيبًا، فنحن نغالي في تقدير الإنجازات المادية، ولا نقدر العنصر الروحي حق قدره.
إن الحضارة التي تنمو ماديًا، ولا يواكب ذلك نمو متكافئ روحيًا، تكون كسفينة اختلت قيادتها، فزادت سرعتها، وأوشكت على كارثة. إن جوهر الحضارة لا يتحدد بإنجازاتها المادية فقط، بل باحتفاظ الأفراد بالمثل العليا لكمال الإنسان، وتحسين أحواله كلها، فإذا عمل الأفراد كقوى روحية مؤثرة على ذواتها، عندئذٍ يمكن حل المشاكل، والوصول إلى تقدم جدير بالتقدير من كل ناحية.
إن مصير الحضارة يتوقف على كون (الفكر ) يسيطر على الأحداث أو لا يسيطر.. والقدرة في أسباب الحياة بين الأفراد والشعوب، وهي تساير موكب التقدم في الماديات، تقتضي مطالب أسمى عند الجماعة المتحضرة، في اتجاه حضارة رفيعة. إن زيادة سرعة السفينة تتطلب -فيما تتطلب- زيادة المتانة في جهاز القيادة والتوجيه.
إن الإنجازات المادية للحضارة تجعل الناس غير أحرار، ففلاح الأمس صار مجرد أجير في مصنع، والعمال اليدويون والتجار المستقلون صاروا مجرد مستخدمين، وهكذا يفقدون الحرية، التي كان يتمتع بها الإنسان، الذي يملك منزله، ويتصل مباشرة بالأرض.
إن التقدم الخارجي للحضارة، يوصل إلى هذه النتيجة: إن الأفراد رغم حصولهم على مزايا، يضارون من نواحي مادية وروحية في طاقاتهم، فالإنجازات المادية لا تصبح حضارة، إلا بمقدار ما تستطيع عقلية الشعوب المتمدنة أن توجهها وجهة (كمال الفرد والجماعة ) .
لقد تزعزع تركيب العالم والحياة عندنا، فلم يعد الرجل العصري يشعر بدافع قوي للتفكير في المثل العليا للتقدم، بل قد كيّف نفسه، إلى حد بعيد، مع النزعة الواقعية.
إنه أكثر استسلامًا مما يعترف، لكنه يتشاءم، ولم يعد يؤمن بأن التقدم الروحي والأخلاقي هو العنصر الجوهري في الحضارة، وهذا سببه نظرتنا الكونية منذ القرن التاسع عشر (1) .
وبودي أن أضيف ملاحظة ذكية للناقد البريطاني (كولن ولسون ) (1) (فهو يرى أن حضارة اليوم فيها(صخب شديد) ، فلا تدع مجالًا للدعة والتأمل، وهكذا يبدأ الإنسان بفقدان السكينة الداخلية، كما يفقد الهدف الجيد، الذي يجعله أكثر وأكبر من مجرد (خنزير) يحمل كفاءة ). .
وأحسب أن وجود الصخب وفقدان السكينة مما لا جدال فيه.
وأختم بقول الشرقاوي (2) : (إن الباحث المنصف لا يملك القول بتحديد مسار معين للحضارات، تقدمًا صاعدًا، أو نكوصًا هابطًا، إذ أن كل حضارة يعرض لها هذا وذاك، فلا يدل ماضيها على مستقبلها، ولا تبشر سيطرتها العقلية على الطبيعة، ضرورة بتقدمها الشامل، في كل حال ) .
ثالثًا: دورات التحضر:
هناك من يعتقد أن الحضارة لها دورة، بعضهم مثل ابن خلدون يتصورها مغلقة، وغيره يراها مفتوحة.. البعض يتصورها كطالع الجبل، بينما يرى آخرون أنها أشبه ما تكون بعجلة تدور حول محور ثابت، بينما يتصورها آخرون أشبه ما تكون بعملية نسج القماش والسجاد.. ولأن كل صورة لها من يؤمن بها، لذا سأستعرض بعض هذه الرموز، والطريقة التي يرون بها حركة التحضر. أبدأ بابن خلدون، وفيكو، واشبنجلر، وتوينبي، وأختم بمالك بن نبي.
1-عبد الرحمن بن خلدون:
سأقتصر هنا على رأيه في دورة الحضارة أو التحضر فقط، ثم أعود لدراسته فيما بعد.