فهرس الكتاب

الصفحة 1869 من 1942

إن وجوده هو مظهر من مظاهر اللاعقلانية والانحطاط، أي هو شذوذ.."فالحداثة": هي معيار العقلانية والصحة، ولا يمكن للمعرفة أن تكون صحيحة ويقينية إلا عندما يكون نموذجًا هو الواقع المطابق لذاته، والمتسق في ذاته، أي الواقع الحديث المعاصر. والعلم بوصفه أحد منتجات هذه المعاصرة الكبرى، يشكل إذن بالضرورة، معيار صحة أفكارنا عن الواقع الذي نعيش فيه، فبقدر ما تكون هذه الأفكار مطابقة للعلم، تكون يقينية… إن مطابقة أفكارنا للعلم هي إذن قاعدة الموضوعية، والعلم كما هو مجسد في نظم معرفية جاهزة، هو ضامن صحة هذه الأفكار ويقينيتها.. إن هذه المحاكمة تقول عمليًا: إن أصل المعرفة اليقينية - أي العلم - هو العلم نفسه (7)

وإنما تضفي على المعرفة العلمية صفة الحقيقة المطلقة، والمنزلة التي تشكل في ذاتها المبتدأ والمنتهى، وهي لذلك تعجز عن أن تفسر نشأة العلم، وأقل من ذلك، تطوير التجربة العلمية، وتضع نفسها في وضع المترجم الدائم، والناقل للعلوم، أي تخرج من المسعى العلمي، في الوقت الذي تقدس فيه العلم كثمرة وكنتاج جاهز للعقل. إنها تجعل من العلم معرفة"لا هوتية مقدسة"مفصولة عن الواقع الذي استحدث منه، وعن المجتمع الذي ظهرت فيه، وعن الذات التي أنشأته، وعن المطلب الذي وضع له… إنها اكتفت بالاستهلاك العلمي، بدل أن تمارس الإنتاج العلمي الحقيقي… لقد أصبح الموقف السائد: العلم موجود إنه قائم هناك، جاهز ومتطور، وليس علينا إلا أن نأتي به، أن ندخله عندنا، أن نفسح له المجال ونرعاه، وبذلك حرمنا أنفسنا من كل قدرة على مناقشته أو الإضافة إليه.

إن البعض عندنا يهرب من الميتافيزيقية الدينية، ليسقط في ميتافيزيقية علمية، يهرب من حقائق الدين، ليسقط في حقائق العلم، هكذا تبدو العملية (8) .

إن أهل الحداثة يرون - باسم العلم ومن أجل اكتسابه - أن علينا التخلي عن كل الثوابث،:"وعندئذ فإن المنطق لا بد أن يؤدي إلى نتيجة واحدة، هي أن شرط اكتسابنا للعلوم والعقل، هو التخلي عن تاريخنا وثقافتنا التي هي أصل الفساد والخطأ، وننهل ما أمكننا من العلم الغربي، دون إدراك أن هذا النهل هو بطبيعته مخالف للعلم، وللمسعى العلمي الصحيح، ولو كان خطوة أولى ضرورية… إن مسعاهم العلمي ليس كما قلنا إلا صبغ مسبقاتهم الأيدلوجية بالصبغة الحديثة" (9) . يعود في نهاية البحث للقول: بأن العقلية العلمية لا تطرد الدين من المجتمع، ولا تجعل هذا شرطًا للتقدم العلمي، ويضرب مثلًا بأمريكا وإسرائيل.

والناظر في خارطة العالم اليوم يجد أن التوجه للتصالح وليس للاحتراب، ولكن البعض يعتقد أنه يكون قريبًا من الغرب كلما أعلن عن عداء للإسلام، دون أن يدرك أن ذلك يقطع صلته بشعبه وأمته، حتى لينظر إليه وكأنه غريب كل الغرابة. البعض بدافع التخفف من الالتزامات الإسلامية يعلن إنكار الدين أو معاداة الإسلام تحديدًا، لكن مجرد التمرد والخروج، لا يعني أن صاحبه صار علميًا أو تقدميًا، لكنه صار غريبًا في وطنه.

الإنسان والعلوم:

يمكن القول: بأن ثمة علومًا مصدرها النص، وأخرى الكون، فكل ما يتعلق بالله تعالى وصفاته وكتبه ورسله، واليوم الآخر وما يحدث فيه، وكل ما يتعلق بالعالم غير المرئي مثل الملائكة، والعبادة وكيف تؤدى، كل ذلك تفضل الله به على العباد، فجلاه تجلية تامة.. وأما علوم الحياة، مثل الزراعة والكيمياء والفيزياء والهندسة والطب والفلك، فقد ترك أمرها للإنسان ليعمل فيها فكرة، وعن طريق التجربة والخطأ كشف الإنسان الكثير من العلوم.

وإذن فهناك دائرتان، والخلط بينهما يوقع الإنسان في مشاكل هو في غنى عنها، فإلإنسان بعقله المجرد لا يمكن أن يعرف ذات الله تعالى ولا صفاته، ولا ما أنزل من كتب وبعث من رسل، ولا ماذا سيحدث بعد الموت، كما لا يعرف كيف يعبد الله تعالى عبادة صحيحة، يرضى عنها الله تعالى، ويأجره على فعلها.. لكنه كشف أو استطاع أن يكشف الكثير من قوانين وسنن الكون.

وقد سقطت الكنيسة الكاثوليكية في خطأ قاتل، حين خلطت بين الدائرتين، فنسبت بعض علوم الحياة لله تعالى، واعتبرت كل من يخالفها مهرطقًا:، وعرضته على محاكم التفتيش السيئة السمعة والصيت، حتى كره الناس الدين وألحدوا.

فقضية مثل"كروية الأرض"من علم الفلك، ولا صلة لها بالدين وعلومه، لكن الكنيسة بقيت قرونًا ترفض كروية الأرض وحركتها.. وليس في نصوص الدين شيء يقول بذلك، وإن وجد فمشكوك بصحته، كما رفضت وجود الجراثيم. وقد ذكرت الكاتبة الألمانية"زغريد هونكه"أمثلة من عقائد الكنيسة، مثل (10) :"ملعون من يقتنع أو يقبل تفسيرًا علميًا لحوادث الطبيعة، خارجًا عن طاعة الرب، ومن يشرح أسبابًا طبيعية لبزوغ كوكب أو فيضان نهر، بل لمن يعلل علميًا شفاء قدم مكسور أو إجهاض امرأة، فتلك كلها عقوبات من الله، أو من الشيطان، أو معجزات أكبر من أن ندرك كنهها".

والأب (ملشوار ) يعلن (11) :"إن القول بحركة الأرض أسف من كل ضروب الهرطقة، وأكبرها إثمًا، وأشدها قدحًا في الدين… وأقذعها قذفًا، وإن ثبات الأرض معتقد مقدس!"

وإن البرهنة على فناء النفوس الإنسانية، وعدم خلودها، وإنكار وجود الله، وامتناع التجسيد، أشياء يمكن أن يتسامح فيها، قبل أن يتسامح في البرهنة على أن الأرض تتحرك"."

وقد صنع رئيس بلدية في ألمانيا (مصباحًا ) يعمل بغار الاستصباح، فقضت الكنيسة بكفره، محتجة بأن الله تعالى خلق الليل مظلمًا، والنهار منيرًا، وهذا المصباح ينير الليل، ويغير في مشيئة الخالق، حيث يحول الليل إلى نهار (12) .

إن التعسف والخلط واضح جدًا، ونسبة علوم بشرية لله تعالى، دون وجه حق، كل هذا أشعل صراعًا بين الكنيسة ورجال العلم، انتهى بهزيمة الكنيسة، فقبلت فصل الدين عن الدولة. ومن المفيد القول: بأن ما يعتبره البعض تصادمًا بين النص والعلم، ليس كذلك، وإنما السبب في تعميم نظرية وتحويلها إلى حقيقة علمية مطلقة، أو سوء فهم للنص ليس أكثر. فإن تصادمًا، أخذنا بالقطعي منهما وأولنا الآخر، كما هو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية.

وأخيرًا لقد كان أفلاطون عقلية كبيرة، وصاحب علم متقدم في عصره، ومثله اليوم ملايين، وقد استطاع بعقله وعلمه التوصل إلى وجود الله تعالى، وساق الأدلة على ذلك، لكنه لم يصبح نبيًا، ولا متدينًا.. لم ينقص أفلاطون وأمثاله العقل والعلم، ولكن ينقصه الوحي، لقد غاب عنه النص الصحيح.. وفي مقابل ذلك جاء عربي بكتاب ودين ومعارف، عجز ويعجز فطاحل العلماء عن مثلها.

ثانيًا: الكون

وهو ما سوى الله تعالى، خلقه الخالق كما أراد وفق قدر مسبق، ولذا فهو مخلوق"فكري"بالدرجة الأولى، مادي بالدرجة الثانية، وهذا ما توصل إليه علماء الفلك أخيرًا، أمثال"السير أرثر"البريطاني، الذي يكرر أن مادة الكون عقلية.

ومثله"جيمس جنز"الذي يرى بأن الكون كون فكري، ولم يعد يقبل التفسير المادي، في ضوء علم الطبيعة الجديد، وحتى التفسير المادي قد صار أخيرًا"فكرة ذهنية"وينتهي للقول:"وإذا كان الكون كونًا فكريًا، فلا بد أن يكون خلقه كان عملًا فكريًا". ويشاركهم"ج.و.ن. سوليفان"هذا الاعتقاد (13) .

إذن فالإنسان والكون مخلوقان لله تعالى، ولم يتطورا عن شيء، بل خلقا ابتداءً، وفق تصور سابق وقدر قاهر.. أما ضبط حركة الكون، فجاء وفق سنن ونواميس إلهية، يحلو للبعض أن يطلق عليها"قوانين الطبيعة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت