والحكم بالشريعة، الذي يعتبر من أهم شروط صناعة المستقبل، لأنه يستحيل عقلًا وشرعًا، تصور مستقبل إسلامي، بعيدًا عن تطبيق شرع الله، هو ثمرة الجهاد في سبيل الله، لإقامة العدل والإحسان بين الناس، وحماية المجتمع، بسيادة أحكام الشريعة الإسلامية، على سعة معاني الشريعة، في المعاملات المدنية، والقوانين الجنائية، والحدود جزء منها، ومميز للمسلمين، وسياج منيع لتحقيق الاستقرار، وإصلاح المجتمع، لأنه لا يكون في المجتمعات الإنسانية، إلا بما شرعه الخلاق العليم، الذي يعلم النجوى والسر وأخفى، يقول تعالى: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) ( الملك:14) ..
فلا يحقق التناسق بين الكائنات كلها، إلا ما شرعه الله، وخلاف ذلك الجاهلية، قديمة كانت أو حديثة: (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون ) (المائدة:50) .
وقد أمر الله بأداء الأمانات إلى أهلها، وإقامة العدل بين الناس كلهم، مؤمنهم و كافرهم، موافقهم ومخالفهم، وعلى اختلاف أصولهم ومللهم: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) (النساء:58) .
ومع العدل، أمر بزيادة الإحسان: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) (النحل:90) ..
ثم أمر بالبر والقسط مع غير المسلمين، ما داموا مسالمين: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من ديركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهكم الله عن الذين قتلوكم في الدين وأخرجوكم من ديركم وظهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظلمون ) (الممتحنة:8-9) .
ومهما كانت قوة البطش، التي يملكها المخالفون أو المحاربون، فإن المسلمين يملكون أن يقدموا للمجتمع الإنساني، هذه الدعوة.. وهي بقوتها الذاتية، بالغة، وهادية، لمن شرح الله صدره للإسلام، أو رضى بمسالمة هذا الدين، ما دام حرًا في اختياره، لا سلطان لأحد عليه، بلا إكراه: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغى ) (البقرة:256) .. (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) (يونس:99) .
لهذا، فإن بالحوار والمجادلة بالحسنى، حيث وجد الدعاة سبيلًا إلى ذلك، يتحقق التحول السلمي للإسلام، في كثير من بقاع الأرض اليوم، تمامًا كما حدث من قبل.
ولنجاح هذه المهمة، لابد من نماذج صالحة، متأسية بالنبي صلى الله عليه وسلم، يرى العالم أثر الهدي النبوي عليها، في تكامله، وشموله، وجماله، بحيث يشع رأفة، ورحمة. ولا يكون ذلك، إلا وهذه النماذج، توالي في الله، وتعادي في الله.
وهذا الكتاب، يُفتتح بحديث عن بشائر مستقبل الإسلام، في مواجهة التحديات الحضارية المعاصرة، وقفنا من خلاله على أبرز معالم الاختلاف، بين الحضارة الإسلامية، والحضارة الغربية، مع مناقشة موضوعية لدور مؤسساتنا الثقافية، في هذا الصراع الحضاري، وبيان عناصر الإيجاب والسلب، في تقييم الدور الذي تقوم به، ثم عرضنا لبعض بشائر القرآن النبوة، بأن المستقبل للإسلام.
ولما كان المستقبل للإسلام، يصنعه حملة رسالة الإسلام، وفي مقدمتهم المجاهدون، كان لابد من الحديث عن المجاهدين، وأهل الذكر، في ساحات الجهاد.. خاصة ونحن نرى صراع الإسلام مع أعدائه، متفجرًا في شتى بقاع العالم … كما كان لابد من الحديث عن القنوت، لحاجة صناع المستقبل للقنوت إلى الله، والارتباط به، وخاصة في النوازل، مواجهة التحديات، التي يصارعونها، وهو يصنعون مستقبل الإسلام المشرق بإذن الله.
ومما يشكل الركن الأساس، في صياغة مستقيل الإسلام، تطبيق الشريعة الإسلامية، بل هو أهم ثمرات الجهود، التي تبذل في ميادين الجهاد وغيرها، ونحن اليوم في عالم اختلطت فيه المجتمعات، وتعددت فيه الملل والثقافات، حتى في كثير من مجتمعاتنا الإسلامية، فكان السؤال الذي لابد من بيان الجوانب المتعلقة به، وهو ما يتعلق بتطبيق أحكام الشريعة في المجتمعات، التي تتعدها فيها الملل والثقافات.
الدكتور أحمد علي الإمام
رمضان 1415هـ
بشائر مستقبل العالم الإسلامي في وجه التحديات الحضارية المعاصرة
منذ بزوغ فجر الرسالة، والإسلام يعيش في دورات من الصراع، والتداول الحضاري.. يواجه التحديات الثقافية والاجتماعية، ويتفاعل مع التجارب الإنسانية من حوله.
يدافع الكفر، ويدعو لتحرير العباد، وتنمية المجتمعات، ويجادل بالحسنى، متميزًا بعقيدته، وشموخ بنيانه الحضاري المتفرد.
والوقوف على التحديات، المعاصرة منها، المستقبلية، يقتضي وقفة مراجعة وتقويم، لمواقفنا، ومؤسساتنا الثقافية، فنبيّن عناصر الإيجاب، التي اكتسبتها، وننبه على أوجه السلب والقصور، التي لحقت بها، حتى يستقيم أمرها، وتعتدل في وجه التحديات الحضارية المعاصرة.
ولعل من عناصر الإيجاب في ثقافتنا، ذاك الاهتمام بالرصيد الهائل من المسلمين- علمًا نظريًا، وعملًا تطبيقيًا- في مجالات العلوم، والمعرفة، والثقافة، وما صاحب ذلك اجتهاد فقهي متجدد، يحيط بالواقع، ويسعى لمواجهة المشكلات المستجدة. وفي مقابل هذا الكسب الإيجابي، فإن واقعنا الثقافي اليوم، يعاني من مشكلات التبعية والتقليد، والفهم القاصر للذات، وجهود سلفنا العظام، فهمًا لا يبلغ الشمول والتكامل، ولا يراعي الوحدة الموضوعية في شرح النصوص، ويهمل متغيرات الحاضر والعصر.. كما أن بعض المؤسسات الفكرية والثقافية، وبعض أفرادنا وجماعتنا، انحرفت وراء الغرب، تنادي بتجزيء الإسلام وتبعيضه، بين إسلام أصولي، وإسلام سياسي، وإسلام صوفي، وتفصل بين الدين والسياسة، وتخذل روح الجهاد، والاجتهاد، متناسية أن الدين كلمة شاملة، جامعة للمعاني العملية، التي تقيم الحياة الدنيا والآخرة.
وإذا كان المسلمون قد عانوا من الغفلة لقرون مضت، ثم انتبهوا، فإن الصحوة الراهنة، قد جلبت عليهم عداءً متصاعدًا، وأدخلتهم في دائرة صراع جديد، شكلًا ومضمونًا وقد يكون المطلوب هنا، أن نسعى لنقل هذا الصراع المتصاعد، إلى دائرة الحوار، وأن نبادر إلى فهم الغرب، وأساليبه، وأن نعد العدة.
والثقافة الإسلامية، وسيط اجتماعي فاعل، وحي، يسهم في تحقيق التنمية الشاملة، ويؤسس لنهضة جديدة للحضارة الإسلامية، التي هي حضارة أمة منتجة، عاملة...معتنية بالتنمية، والاعتماد على الذات.. حضارة أمة تعتقد جازمة، بما تواتر لديها من الأدلة، والنقول، والإرهاصات، أن لها المستقبل كله ظهورًا، وانتشارًا، وأن عاقبة أمرها النصر والتمكين.
تحديات .. وتميز
مقدمة في تعريف التحديات الحضارية المعاصرة وتميز الحضارة الإسلامية
1-مفهوم الحضارة:
الحضارة، في تعريف بعض الباحثين في علوم الحضارة، تعني العمران، والإنتاج الثقافي، والنظام الاجتماعي (1) ، فهي كما عرفها ابن خلدون: (أحوال عادية، زائدة على الضروري من أحوال العمران) ، زيادة تتفاوت بتفاوت الرفه، وتفاوت الأمم، في القلة والكثرة، تفاوتًا غير منحصر..) (2) . أو كما عرفها ول ديورانت هي:نظام اجتماعي، يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي (3) . وقد درس الدكتور أبو زيد شلبي التعريفيين، واستخلص منهما أن الحضارة هي:
(مدى ما وصلت إليه أمة من الأمم، في نواحي نشاطها الفكري، والعقلي، من عمران، وعلوم، ومعارف، فنون، وما إلى ذلك، والترقي بها في مدارج الحياة ومسالكها، حتى تصل إلى الغاية التي تواتيها بها أحوالها، وإمكانياتها المختلفة) (4) .
2-الحضارة الإسلامية: