فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 1942

ز- المساواة بينهم في كل شيء حتى في مثل النظر واللحظة. قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لواليه (وآس بينهم في اللحظة والنظرة، حتى لا يطمع العظماء في حيفك لهم - أي ظلمك الناس لصالح العظماء - ولا ييأس الضعفاء من عدلك عليهم(1) .

ح- أن يعيش مثل أضعف من تحت سلطته.. كتب الإمام علي عليه السلام إلى عثمان بن حنيف الأنصاري عامله على البصرة، وقد بلغه انه دعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضى اليها.. كتب إليه يقول: (أما بعد يا بن حنيف، فقد بلغني أن رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت اليها.. وأضاف بعد توبيخه على ذلك: ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القز(الحرير) ولكن هيهات ان يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخير الاطعمة، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع، أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى (جائعة) وأكباد حرى (عطاشى) ، أو أكون كما قال القائل: (وحسبك داء ان تبيت ببطنة وحولك أكباد تحن إلى القد.) ؟ أأقنع من نفسي بأن يقال هذا: أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في خشونة العيش (2) .

ط- ان يلتزم بعهوده ومواثيقه التي يقدمها لشعبه أو للشعوب الأخرى، قال الله سبحانه: [إلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَاَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ] (التوبة 4) .

وليس معنى هذا ان على الرئيس ان يستسلم لشروط مجحفة وعهود ظالمة تفرضها الدول الأخرى، بل على العكس يجب على الرئيس ان يحرض الناس على القتال في سبيل الله، ويستعد دائما للدفاع عن بلاده.. قال الله تعالى: [يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِنكُمْ مِاْئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَيَفْقَهُونَ] (الانفال 65) .

وقال تعلى أيضًا: [وَأَعِدُّوا لَهُم مَااسْتَطَعْتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ] (الانفال 60) .. وإنما المقصود ان عليه ان يفي بعهوده التي هي في صالح المسلمين.

10-ويرى الإسلام ان للحكومة وظائف أربعة فقط اليوم:

أ- استنباط الأحكام من مصادرها الشرعية (السلطة التشريعية) .

ب- تطبيق الأحكام على الموارد الخاصة (السلطة القضائية) .

ج- تنفيذ الأحكام بإجراء الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونشر العقائد الدينية وما أشبه مستفيدا في ذلك من كافة الوسائل الإعلامية والتربوية الجماعية.

د- تنظيم حياة الناس بتحديد الثروات وتوجيه التجار وجباية الضرائب وبناء المشاريع العامة كالمساجد والطرق والجسور والسدود، وكل ما هو في صالح المجتمع والتي نسميها اليوم بالخدمات الاجتماعية.

أما سائر ما تبنته الدول اليوم، فالإسلام لا يأمر بها.. ذلك:

1-لان الجيش ـ مثلا ـ تابع في كافة شؤونه للشعب، والحكومة هي التي توجه الشعب إلى ما يجب عليهم القيام به.

2-والتربية والتعليم والتثقيف العام (الصحف، الإذاعة، التلفزيون، دور النشر) مؤسسات اجتماعية يجب ان يقوم بها الناس أنفسهم بتوجيه من الحكومة، فإذا عجزوا قامت بها الدولة.

3-وتصنيع البلد أمر يناط بالناس أنفسهم تحت إشراف الدولة ولا تنتج من ذلك المضاعفات التي نتجت في الدول الرأسمالية، ذلك لأن الإسلام يحدد الثروات ويمنع الاحتكار، ويفرض الضرائب كما سبق الحديث في ذلك.

4-والتجارة الخارجية والداخلية أيضا من حق الشعب أنفسهم بعد ان تنظمها الدولة وفقا للمصالح العامة.

5-والزراعة كالتجارة ترتبط بالشعب، ومنها استغلال الثروات المعدنية.

وبصورة موجزة:

ان الدولة في الإسلام منظمة لأمور الناس وحافظة على توازنها، وليست غاصبة لحقوقهم مستقلة بشؤونهم.. نعم، إذا عجز الناس عن إدارة شؤونهم تتدخل الدولة وذلك إما بالاستقلال بها أو بإنشاء تعاونيات شعبية أو شركات عامة.. علما بأن أوامر الدولة في الإسلام مطاعة من قبل الناس.

فإتباع الجيش لأوامر القيادة ليس ذلك رغما على أنفه، بل وفقا لحريته، وخضوعا لما اتبعوه من تعاليم دينهم.

وفلسفة الإسلام في حصر مسؤولية الدولة في الأمور السابقة، يتلخص في ان تدخُّل الدولة في الشؤون الاجتماعية يوجب تحديد المجتمع وسلب حريته وخنق روح الابداع فيه، وأخيرا لا ينتج منه الا الضعف والعجز، كما انه يوجب تضخم مسؤوليات أجهزة الدولة، وتعقد علاقاتها، مما يسبب عدم قيامها بواجباتها الضرورية الهامة، كما نرى ذلك في أكثر الدول القائمة اليوم.

كلمة البدء

لقد بحثنا في فصل سابق الفلسفة العملية في الإسلام، وعرضنا الخطوط العريضة لأحكام الدين، وكان طبيعيا ان يشمل ذلك العرض شيئا من ميزات الإسلام، بيد انه لم يكن كافيا لفهم أدق وأوسع لأنه كان يفقد نوعا ما عنصر المقارنة. والآن، وبعد ان كملت جوانب الفلسفة العملية في المنهجين الإلهي والبشري، نود ان نعرض ميزات الإسلام عرضا موجزا وشاملا، بمقدار ما تسمح به صفحات هذا الكتاب لأن الموضوع يستدعي أسفارا ضخمة.

والميزات الرئيسية في الإسلام هي: ان الإسلام احق، وأجدر بالإنسان ان يتبعه، وانه منهج الله رب العالمين، وانه شامل لجميع نواحي البشر، وشامل لكل أفراد البشر، وشامل لكل أدواره ومراحل تطوره، وانه ينفذ احكامه وتعاليمه في حين لا يمكن غيره من تنفيذها، ينفذها بالإيمان والضغط الاجتماعي وقانون العقوبات وما أشبه.. وانه مجرب قد أوسع فهما ودرسا.

الحق

في الفلسفة النظرية حصلنا على تعريف دقيق للحق وهو: ان الحق هو (ما يطابق الواقع) وفي الفلسفة العملية عرفنا ان الإسلام، بما له من معارف تطابق فطرة الإنسان وتنسجم مع سنن الكون، هو الحق.. دون سواه.

وهذه ميزة للنظم الإسلامية.. لأن الحق يجب ان يتبع ومن يعارض الحق تكون عاقبة أمره خُسرا. وهذا أمر وجداني نذكر به عبر أمثلة.

1-الحق يقول: ان الله خالقنا الكريم أعرف بحالنا منا وأولى ان يتبع أمره وتنفذ شرائعه، والذي يخالف هذا الحق ماذا سوف يكون مصيره؟ أليس انه يتبع منهجا يضعه هو؟ منهجا ضحلا خاطئا يرديه ويحل عليه كل يوم قارعة جديدة؟

2-الحق يقول: ان نفس البشر تهوى الشر، ومن إتبع نفسه جرته إلى الفساد، وان عقله يهديه إلى الرشد ، ومن اتبعه بلغ السعادة، ومن خالف هذا الحق واتبع نفسه وأعرض عن عقله كانت عاقبته خسرا.

3-الحق يقول: ان الأخلاق الفاضلة وتحقيق الحرية البشرية يخلقان المجتمع الكريم، ومن خالف هذا الحق أبتلي بالمجتمع الفاسد.

4-الحق يقول: ان تيار الكهرباء مضيء، وان القنبلة الذرية تدمر. فمن اتبع هذا الحق استنار بالكهرباء وحذر من استعمال القنبلة الذرية، ومن أعرض عنه (فأعرض عن الكهرباء واستعمل القنبلة الذرية) أليس يخسر نفسه بغير جدوى؟

يقول الله سبحانه [أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمْ مَن لاَّ يَهِدِّي إِلآَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ] ؟ (يونس 35) .

يوم الدين

(1) - المصدر .

(2) - نهج البلاغة ، قسم الرسائل ،رقم 45 ، من كتاب له الى عثمان بن حنيف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت