فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 1942

3-ويرى الإسلام ان السلطة لابد ان تعطى بيد من فيه الكفاءة (وهي: الفقه) والأمانة (وهي: التقوى) ، ولا ينظر إلى نسبه ووطنه وحسبه ولا أي شيء آخر من الشؤون المادية أبدا.. ذلك لأن المهم في الرئيس اتقان ما عهد إليه بدون ضعف أو عجز أو خيانة، وهو يتوفر في الفقيه العادل سواء كان من هذا الوطن أو ذاك، هاشميًا أو لا، إذ لا قيمة للملاكات المادية في هذا المجال.

ولو ان الدين كان يشترط أمرا ماديا (1) - خارجا عن قدرة الناس- ، فقد ظلم ذوي المواهب الذين يقدرون على نيل السلطة، وظلم الناس بمنعهم عن مواهب أولئك.

4-كما انه يعتبر الدولة دولة دستورية يحكم عليها القانون الإسلامي، وليس لأحد من أبنائها ، ومنهم الرئيس، ان يبدل حكم الله (2) أبدا، ويجعل لذلك ضمانات نشير إليها بإجمال:

أ- من شروط الرئيس ان يكون تقيا. ومعنى التقوى: العمل بالدين، ومن عطل أحكام الله فليس فاسقا أو ظالما فقط بل هو كافر أيضا لقوله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) ، ويعزل عن الرئاسة فورا.

ب- ان الرئيس يعزل بمجرد ان يعمل بالمعاصي أو بمجرد ان لم يحكم بما أنزل الله، ويجري عزله ببساطة جدا ، حيث يجب على الذي عرف منه المعصية ان يتراجع عن متابعته ويرجع عن تقليده.

ج- ان المجتمع المسلم مجتمع واع يعرف أحكام الله ويراقب الرئيس فيها، فمتى انحرف الرئيس قومه ولو بالسيف (3) .

د- في الحكومة الإسلامية ليس للرئيس قوة الا بالدين - كما سيأتي - فمتى انحرف عن الدين خارت قوته وخر صريعا.

5-يرى الإسلام انه لابد ان تكون سلطة الرئيس مستمدة أبدا من الشعب (4) .. ويقرر ذلك بما يلي:

أ- ان نظام الجيش في الإسلام يختلف عن الأنظمة الأخرى، ذلك لأن الجيش في الإسلام داخل في الشعب، بل هو الشعب كله. إذا احتاج المسلمون إلى الدفاع عن أنفسهم أو الهجوم على أعدائهم، هب الناس كلهم لذلك. ويجب على المسلمين جميعا ان يكونوا قادرين على حمل السلاح كما هو مفصل في كتب الفقه.

ومن هنا فليس من الممكن في الإسلام استخدام الجيش ضد الشعب ـ كما هو الحال في الدول الحديثة ـ بل الجيش يقف دائما مع الشعب لأنه ليس جهازا من غيره.

ب- ان الإسلام يشترط في كافة أجهزة الدولة ان يكونوا كفوئين أمناء ويفرض على الناس مراقبتهم. فلا يمكن للرئيس ان ينصب واليا غير كفوء أو غير أمين.. وإذا انحرفت أجهزة الدولة فليس من الممكن ان تستخدم - بسبب وجود رقابة الناس - للأغراض أو المصالح الخاصة.

ج- ان الدين يقاطع سلاطين الجور ويأمر الناس بمقاطعتهم، ولذلك فإن الرئيس الخائن لا يمكنه ان يعيش في مجتمع مسلم.

وهذه الضمانات الثلاثة وضمانات أخرى يقدمها الإسلام كلها نابعة من فلسفة الإسلام في الحكم، حيث يرفض بكل شدة ان يكون هناك قطاعان: حاكم ومحكوم، شعب وحكومة، بل يمزجهما أبدا ويجعلهما كيانا موحدا.

6-وبعد ان يوفر الإسلام كافة الضمانات في شخص الرئيس يجعل منه القوة الأولى والمركز الأعلى في البلد ويجعل جميع أجهزة الدولة تابعة له، ولا يجعل لهم كيانا مستقلا عنه.. وبهذا يضمن صلاحهم أيضا فتصبح الحكومة الإسلامية أمثل الحكومات جميعا برئاستها وبأجهزتها..

7-ويقر الإسلام التنافس الحر الذي يدع للشعب الخيار في انتخاب أقرب الناس إلى الصواب، وليس معنى هذا ان الإسلام يقر الأحزاب المتحاربة التي تفسد البلاد، بل معناه: ان الدين يقول: على الناس ان يطيعوا كل من توفرت فيه شروط خاصة- كالفقه والعدالة - دون ان يعيّن شخصا خاصا. ويبقى على الناس ان يختاروا بعقولهم لا باهوائهم احسن الفقهاء دينا وأشدهم ورعا، ولهم بعد ذلك ان يرجعوا عن فقيه إلى آخر متى شاؤوا، وليس للفقيه ان يمنعهم عن ذلك.

ومتى توفرت هذه الشروط فلابد ان يرشح كل من يجد في نفسه الكفاءة للرئاسة، اما الناس فإن رأوا فيه ذلك اتبعوه. ولذلك فلا يزال في البلاد الإسلامية فقهاء متعددون لكل منهم رئاسته الخاصة.. فإذا وجد الناس اقل انحراف من الفقيه رجعوا فورا إلى غيره، واذا علم الفقيه ذلك فليس من المعقول ان يتعمد الانحراف (وكل هذه الامور مجربة في العالم الإسلامي حتى اليوم) .

8-وبعد كل هذا فإن الدين يحفظ الناس- لاسيما الفقهاء- عن الانحراف بتطهير قلوبهم عن الاهواء والشهوات - وقد مر تفصيل ذلك عند بيان اصلاح الناس- .

9-ويرى الإسلام ان الصفات التي تجعل القائد مثاليا هي:

أ- التقارب بينه وبين الناس. يقول ضرار في صفة الامام علي عليه السلام: (كان والله فينا كأحدنا يدنينا إذا أتيناه ، ويجيبنا إذا سألناه(5) .

ب- ان لا يتخذ لنفسه حجابا ووسائط من دون الناس.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم في وظائف الوالي: (ولم يغلق بابه دونهم(6) .

ويقول الامام علي عليه السلام مخاطبًا بعض كبار المسؤولين في الحكومة: (لا تتخذُن حجابا ولا تحجبُن أحدًا عن حاجته حتى ينهيها اليكم(7) .

ج- عدم التعدي على حقوق الاخرين، وان كان له السيطرة التامة عليهم ، وإجراء العدل بينهم.. قال الله سبحانه [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ] (النساء 58) .

د- ان يكون برا رحيما بالناس. قال الإمام السجاد (ع) : (أما حق رعيتك بالسلطان فأن تعلم انهم صاروا رعيتك لضعفهم وقوتك فيجب ان تعدل فيهم وتكون لهم كالوالد الرحيم(8) .

هـ- ان يستشير في أمور البلد أهله ولا يستبد برأيه الخاص. قال الله سبحانه: [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ] آل عمران 159).. وقال: [وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ] (الشورى 38) .

و- التواضع للناس.. قال الله سبحانه: [وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ] (الحجر 88) .. وقال الإمام علي عليه السلام لواليه على مصر (فاخفض لهم جناحك وألن لهم جانبك وأبسط لهم وجهك(9) .

(1) - خلافا للفارابي الذي اشترط في الرئيس ان يكون قوي الجسم.

(2) - قال الله سبحانه: [يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا] (الأحزاب/ 1-2) على عكس أكثر التشريعات البشرية التي جعلت للرئيس الحق في تغيير القانون في كثير من الظروف..

(3) - قال عمر للناس ذات مرة: كيف بكم إذا ملت؟ فقام أحدهم وهز سيفه وقال: إذن لقومناك بهذا.. وأشار إلى سيفه!

(4) - تعتقد بعض الدول المسماة بالديموقراطية ان سلطتها مستمدة من الشعب في حين انها لو كانت صادقة كانت سيادتها أول الأمر تابعة لإرادة الشعب. أما استمرارها فإنما هو لدعم أجهزة الدولة لها.. إذا فالإسلام يفترق عن هذه النظم مع افتراض صحة ادعائها في ان هذه الأخيرة تبتدأ بإرادة الشعب وتستمر بقوة الأجهزة (الجيش والشرطة والأمن والاستخبارات والدوائر) بينما الإسلام يجعل كلا من الابتداء والاستمرار بإرادة الشعب وتحت رحمته فيبتدأ حكمه بالشعب ويستمر بإرادة الشعب أيضا.

(5) - بحار الانوار ، ج41 ، ص14 ، باب 101 ، ح6 .

(6) - بحار الانوار ،ج22، ص495 ، ح41 .

(7) - بحار الانوار ، ج72، ص354 ، ح70

(8) - من لا يحضره الفقيه ، ج2، ص621 ،باب الحقوق .

(9) - نهج البلاغة ، قسم الرسائل ،رقم 27 ، من عهده الى محمد بن ابي بكر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت