فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 1942

3-توفير البيئة الصالحة التي تساعد على نمو نفس الإنسان نقية صالحة، وذلك بتطهير البيئة من الرذائل والمنكرات ، حتى ان أهل الذمة لا يمكنهم التجاهر بالمنكرات، وإيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (1) ، ومعاقبة وملاحقة المرجفين الذين يشيعون الأفكار الباطلة في المجتمع.. قال الله سبحانه [إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ ءَامَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] (النور 19) .

4-تقرير العقوبات الرادعة عن الجريمة كالقصاص والحدود والديات؛ وهذه العقوبات تقضي على الجريمة من الخارج في حين ان الإجراءات السابقة تقضي عليها من الداخل.. وهذا لا يعني ان لا أهمية لهذه العقوبات بل الواقع ان بعض النفوس لا ترتدع الا بالعقوبات الحاسمة (2) . هكذا يأتي الإسلام النفس البشرية من جميع جوانبها ويحيط بها من كل أطرافها، فيقضي على الجريمة والرذيلة من الداخل ومن الخارج معا وبكل الوسائل الممكنة، مستفيدا من كافة القوى التي لها تأثير على النفس. وبهذه الوسيلة يخلق المجتمع الفاضل الذي عجزت كل الحكومات وكل النظريات ان تخلقه حتى الآن.

ولا يملك الإنسان عندما يتدبر هذه الإجراءات ، وتلك التجارب التاريخية التي شيدها الاسلام خلال أربعة عشر قرنا ، الا ان يبدي إعجابه الشديد بها، ويصرخ: ما أشد التعاسة التي تحكم الناس نتيجة تركهم مناهج الدين واستبدالها بنظريات تافهة مائعة لا تغني عن الحق شيئا.

علم النفس..

ولابد ان نتطرق إلى علم النفس الإسلامي، لنشير إلى بعض خطوطه العريضة. إذ ان معرفة النفس ضرورية لاستكمال الموضوع.

ولابد ان نشير إلى ان للإسلام مذهبا خاصا في علم النفس ناشيء من تعريفه للنفس، وهذا المذهب يتناول تارة المرض وأخرى العلاج. فالمرض النفسي في الإسلام ناشيء من تزاوج عاملين:

1-ضعف العقل.

2-قوة الهوى.

فمثلا: القلق ناشئ من شيئين: الأول: فقدان الإرادة التي تضبط النفس وتقيمها في الطريق المستقيم.. والثاني: وجود نقص في الشؤون الدنيوية كخسارة تجارة وما شابه ذلك.. وهذا النقص لا يؤثر في النفس لولا حب الدنيا، وحب الدنيا ناشئ من حب الذات..

وعلاج هذا المرض يتم بأمرين:

1-بالتوجيه إلى نور العقل.

2-وبالتقليل من أهمية الدنيا في نفس الإنسان القَلِق.

كما ان الإسلام يعتبر الكفر والجحود والنفاق وكل الرذائل الأخرى أمراضًا نفسية أولا وبالذات ولابد من علاجها هناك في داخل النفس.

فالكفر - عند الإسلام - ناشئ من الاستكبار وعدم التسليم للحق.. والاستكبار ناشئ من هوى النفس والمبالغة في تقديرها.

اما الايمان فهو تماما ضد الكفر وهو: التسليم للحق.. اما كيف يمكن علاج الاستكبار وإقرار التسليم في قلب الإنسان فهو يتم بما سبق ان قلناه في بيان كيفية اصلاح النفس.

السياسة الإسلامية

1-الإسلام يقرر ان المشرع الوحيد هو الله سبحانه، ذلك لانه فقط مالك الناس.. والناس لا يملكون حتى انفسهم تجاه الله، في حين ان الله اعرف بحالهم وما يصلحهم ويفسدهم في الدنيا والاخرة.

قال الله سبحانه: [إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ ..] (يوسف 40) .

وقال تعالى: [يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ اِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ] (ص 26) .

اما السيطرة التي يمارسها القادة في الدولة الإسلامية الشرعية، فإنها ناشئة من هذا الأمر، فحيث ان الله هو المالك الحاكم، فلابد ان يعين من يُتَّبَع في الارض.. وليس لاحد من العباد ان يفرض سلطانه على الناس الا بسلطان من الله.

2-ان الإسلام لا يعترف بسيادة الإنسان على نفسه من دون ان يقررها له الله ربه وخالقه ومالك اموره ومن إليه مصيره، ولذلك فهو يضع أول قواعد السياسة على اساس معتدل فيرتفع البناء باعتدال، في حين ان فلاسفة البشر ( أمثال لوك وروسو) يقررون حق السلطة للبشر فينحرف بهم السير من المنطلق حتى النهاية، ذلك لانه:

ألف: إذا كان حق السلطة للبشر، كان لكل منهم الخروج عليها متى شاء، إذ ليست السلطة أكثر من شيء اراده الفرد في زمن، فإذا ما اراد يومًا رفضه، فلماذا لايجوز له ذلك؟ لماذا نأخذ بكلامه الأول دون الثاني؟

باء: ثم ان الناس لا يتفقون دائما في وضع شكل خاص للسلطة، أو فرد معين لممارستها، فيكون مبعث خلافات لا تنتهي (كما هي موجودة الان) وهي تسبب شقاء البشرية.

جيم: ان الإنسان حين يكون معرضا للخطأ في كل أطواره ، ومعرضا للتأثر بالدعاية والتأثر بالنزعات والتأثر بالشهوات وما اشبه من انواع المؤثرات في النفس، فلابد ان يأتي تعيينه لنوع الحكومة والحاكم خطأ على الاغلب (كما نجده اليوم وقبل اليوم ، حيث نواجه كل يوم نظرية جديدة وشخصا جديدا وليس الثاني بأحسن من الأول و ان عارضه وخالفه) .

دال: إن سلطة الشعب على نفسه تمنى في احسن الفروض بهذه المساوئ. اما إذا جاء الاستغلال- وهو آت قطعا- واما إذا استبد الرئيس بالحكم وزوَّر الانتخابات، واما إذا اطاح الإنقلاب العسكري بالحكم وحلت الاحزاب فهنالك شقاء ليس وراءه شقاء.

ولهذه النواحي وغيرها فقد قرر الدين ان حق الحكم انما هو لله فقط ولله أيضا حق انتخاب الرئيس وليس للناس أن يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله.

والرسول مبعوث الله وخليفته في الأرض. يقول القرآن: [وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بإِذْنِ اللّهِ] (النساء 64) . والإمام خليفة الرسول لقول الله سبحانه [يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ] (النساء 59) .

أما بعد الإمام فيتولى شؤون المسلمين الفقيه التقي لأنه ممثل عام للإمام عليه السلام بنص صريح منه وهو قول الامام العسكري عن الامام الصادق عليهم السلام: (فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفاه على هواه ، مطيعا لأمر مولاه فللعوام ان يقلدوه(3) وفي حديث آخر (فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليكم(4) وفي حديث ثالث (فليرضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكمًا) (5) .

(1) - قال الله سبحانه: [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَولِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ] (التوبة/71) .. ويقول الرسول (ص) : (لا يحل لعين مؤمنة ترى الله يعصى فتطرف حتى تغيره) (وسائل الشيعة، ج11 ، ص399 ، ح25) ، وقال: (إذا أمتي تواكلت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فليأذنوا بوقاع(وهي النازلة الشديدة) من الله تعالى) ( وسائل الشيعة، ج11 ، ص394 ، ح5 ) .

(2) - قال الله سبحانه: [ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب] (البقرة 179) .. وقال النبي (ص) : (اقامة حد خير من مطر أربعين صباحا) (وسائل الشيعة، ج18 ، ص308 ، ح4 ) .

(3) - بحار الانوار ، ج2، ص88 .

(4) - بحار الانوار ،ج53 ، ص180 ، باب 31 ، ح10 .

(5) - كلمة الجعل التي نجدها في القرآن وفي هذا الحديث عند بيان سلطة النبي والفقيه توحي بأمر هام هو: ان سلطة النبي وكذلك سلطة الفقيه ليست ذاتية وانما هي مجعولة اعتبارية مستمدة من سلطة الله سبحانه.. انها سلطة طارئة، سلطة عارضة. - الكافي ،ج1 ، ص67 ، باب اختلاف الحديث ، ح 0 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت