وإن من تقوى الله عز وجل الحرص على التعليم الإسلامي تلقينًا لأبنائنا ، وحرصًا على ثبوته ووضوحه في مناهجنا ، ولقد تعرضت الأمة - كما قلت - في قضية التعليم إلى الهجوم سافر قديم ، وإلى مسخ وتشويه عظيم حتى أن بعض كبريات الجوامع والجامعات الإسلامية في أكثر أو في كثير من الدول الإسلامية العربية العريقة قد تعرضت من قبل إلى هذا المسخ فحرفت المناهج وطورت والحقيقة إنها دمرت .
وقريبًا سمعنا كذلك عن تطورات في بعض البلاد الأخرى من معاهدها أغلقت أو مناهج خفضت ماذا يريدون .. يريدون - كما يقولون - تجفيف منابع الإرهاب الذي يريدون به أن يلوي أعناق الأمة ، وأن يحنوا ظهورها ، وأن يركبوا على ظهور الأمة ؛ ليقودها قيادة الأذلاء الأتباع كما قد نرى في صور كثيرة واضحة .
ولعلنا ونحن نقول ذلك نرى أن الحملة تتوجه أكثر وبشكل أظهر إلى هذه البلاد التي تضم الحرمين الشريفين ، التي هي فيها مهد الإسلام ومهبط الوحي والرسالة ، وتنكشف الحملة أكثر من أي وقت مضى ، دون أن يكون هذا التكثيف مختصًا بغيرها ، لماذا ؟ لأن هذه البلاد قد عصمها الله - عز وجل - من كثير مما حلَّ بغيرها ، فليس هناك ما يريدون تحقيقه مما تحقق في بعض البلاد الأخرى .. إنهم في غيظًا للتعليم المنفصل غير المختلط الذي يريدون أن يقولوا أنه من أسباب الإرهاب ، وكل شيء عندهم اليوم يربطونه بهذه القضية حتى صارت كلماتها موضعًا للضحاك والطرف والنوادر.
ويريدون أن يتكلموا عن الجامعات الإسلامية وأنها تدرس العداء للآخرين ويكثفون حملة شنيعة لماذا ؟ لأن هناك مزايا كثيرة ولأن هناك فوائد عظيمة ، ولأن هناك - بحمد الله عز وجل - معاقل حصينة يستهدفونها لينالوا من الأمة في صميمها وفي قلبها وفي موطن مهبط وحيها وقيام دولتها الأولى في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
إننا في وقفات عاجلة نذكر بعض ما هو - والحمد لله عز وجل - مثبت في السياسة التعليمية في هذه البلاد ؛ لنرى ما الذي يريدونه وما الذي يهدفون له ؟
من أهداف التعليم في السياسة التعليمية:
أولًا: تنمية روح الولاء لشريعة الإسلام
وذلك بالبراءة من كل نظام أو مبدأ يخالف هذه الشريعة واستقامة الأعمال والتصرفات وأحكامها العامة والشاملة ، إن هذه المبادئ التي تصد وتمنع من استيراد الأفكار والنظم المخالفة للإسلام هي المستهدفة في حقيقة الأمر .
ثانيًا: تزويد الفرد بالأفكار والمشاعر والقدرات الأزمة لحمل رسالة الإسلام
إنهم يريدون أن نتخلى عن رسالة الإسلام ومن الأسس أيضًا تحقيق الخلق القرآني في المسلم والتأكيد على الضوابط الخلقية ، وبيان الانسجام التام بين العلم والدين في شريعة الإسلام ؛ فإن الإسلام دين ودنيا والفكر الإسلامي يفي بمطالب الحياة البشرية في أرقى صورها في كل عصر .
هذا الوضوح المنهجي الفكري الذي يوضع كقاعدة للتعليم هو الذي يراد أن ينسخ وأن يغير وأن يشوه ، وهذا كما قال الله عز وجل: { يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون } .
ثالثًا: تكوين الفكر الإسلامي المنهجي لدى الأفراد
ليصدروا عن تصور إسلامي موحد فيما يتعلق بالكون والإنسان والحياة .
وكثير من غير ذلك هذه النعم التي من الله بها هذه المناهج قد نحتاج لتطويرها ، لكن للأفضل من وجهه نظرها ومن خلال علمائنا وذوي الرأي فينا ، ومن اختصاصي التربية والتعليم ، لكننا لن نغير أو نطول وفق أهواء تحالفنا في عقائدنا وتنازعنا في حضارتنا وتحابنا في واقعنا ؛ فإن هذا لا يكون بحال من الأحوال إلا صورة من صور الاستسلام والضعف والهوان ، وذلك - بحمد لله - مالم يكن ولن يكون - بإذن الله - مادام فينا عروقٌ تنبض ، وإيمانٌ في قلوبنا يخفق ، وتصورٌ إسلاميٌ واضحٌ مَنَّ الله سبحانه وتعالى به علينا .
وإن حقيقة الهجمة على التعليم هي مسخ للهوية وأضعاف لوحدة الأمة ، وتكريس لتبعيتها لأعدائها ، فقضية خطيرة وأهدافه عظيمة الضرر كبيرة الأثر ، خاصة وأنها تتعلق بالأجيال والمستقبلية ؛ فإننا نعلم أن التعليم ينضم اليوم سائر الأبناء والصغار في المجتمعات كلها ؛ فإن هذه الأجيال إذا مسخت في فكرها وروحها وفي تاريخها وهويتها ؛ فإن ذلك يجعلها لقمة صائغة لأعدائها ، وذلك ما ينبغي أن نفطن له وإن نحرص عن الذبَ عنه والذود عن حياض الإسلام وعن أمتعتنا ، وعن هذه البلاد التي أكرمها الله بالحرمين الشريفين ، وجعل كل سياساتها المعتمدة المعتبرة محررة وفق هذا المنهج الإسلامي ، الذي نسأل الله عز وجل أن يبقي نعمته علينا ، وإن يزيدنا منه ، وأن يجعلنا جميعًا قادة وشعبًا متآزرين عليه ، متواحدين لنصرته ، مدافعين عنه ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا .
المصدر: موقع إسلاميات
الرأسمالية ليست نهاية التاريخ
د. عمر فوزي نجاري
النظرة المادية البحتة للأمور, أوصلت الفيلسوف الأمريكي (( فرنسيس فوكوياما ) )عام 1989م , إلى نظريته المتمثلة بأن انتصار الرأسمالية يعني ( نهاية التاريخ ) , وأن قيمة الإنسان مستمدة مما يملكه, وبالتالي فإنّ فقدان الملكية يعني انعدام قيمة مالكها , وبناء عليه فإن المجتمعات البشرية ستكون أمام أحد خيارين: إمّا أن تأكل , أو أن تؤكل.
وراح الرأسماليون يزدادون ثراء , والفقراء يزدادون فقرًا , وأخذت المنافسة غير المتكافئة بين الحيتان والأسماك الصغيرة , تطحن الناس والمجتمعات طحنًا , مدمرة البنى الاجتماعية والتماسك الاجتماعي , وأخذت الفئات الدنيا من الطبقة المتوسطة تزداد فقرًا , وباتت معها الطبقة الوسطى في تضاؤل مستمر .
( أوناسيس ) و ( جونتر الرابع ) اسمان لامعان , دخلا موسوعة غينيس من أوسع أبوابها , وقد جمع بينهما في باب واحد , كونهما من أصحاب الملايين , ممن خلقوا وعاشوا على وجه البسيطة , مثلهما كمثل أي مخلوق يمشي على قدمين , أو على أربع , أو قد يقطع المسافات زحفًا على بطنه .. وقد تودد لهما خلق كثير ممن اعتاد شرب الذل وركوب الهوان , ساعين وراء الفتات , وراء كل ما هو زائل لا يدوم .
أمّا ( أوناسيس ) وهو من بني البشر , فقد مات منذ ثلث قرن , وقد أكلت دابة الأرض منسأته , وما عادت تنفعه ملايينه أو بلايينه , وأمّا ( غونتر الرابع ) فلا هو من بني البشر , ولا ممن يملك الحجر أو الشجر , وإنّما هو كلب إيطالي ورث عن صاحبته الكونتيسة ( كاراوتا لبيثاتي ) ملايين الدولارات بعد أن أوصت له بثروتها الطائلة ؟!.
وإذا كانت المسافات قد تقاربت في عصرنا بفعل تقدم وسائل الاتصالات , فإنّ الجمع بين المواصفات القياسية للبشر والحيوان في عصرنا هذا , قد بات أمرًا واقعًا وملموسًا بعد أن سيطرت على البشرية القيم المادية البحتة , وأصبحت معها القيم الفاضلة والأخلاق الحميدة من الندرة بحيث أصبح معها حاملوها غرباء في مجتمعاتهم , لينطبق عليهم قول شاعرنا الحكيم وصاحب البصيرة النافذة أبو الطيب المتنبي:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
ولم تصل البشرية إلى التقدم والرخاء , بل صار التدهور الاقتصادي والتدمير البيئي والانحطاط الثقافي وتزايد الفروقات بين البشر , أهم ميزات العصر الأمريكي الراهن , وباتت معها أسواق المال العالمية اليوم , أشد خطرًا على الاستقرار العالمي من الأسلحة النووية ذاتها .