فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 1942

وهذا الفرق سبب اختلافا ليس وراءه الا جهل بمراد الأطراف من اللفظ.. وقد كان نصيب الكتب المترجمة كبيرا جدا من هذا الاختلاف ولاسيما ان المترجمين لم يكونوا دائما فلاسفة حتى يتقيدوا بإصطلاحات الفلسفة. ومنطق هيجل، شأنه شأن أكثر المذاهب الفلسفية كان ذا حظ وافر من أخطاء الترجمة أو أخطاء الخلط بين ترجمة أدبية وأخرى علمية.

وواحد من أبرز الأمثلة على ذلك، مسرحية القول بإمكانية التناقض. لقد قالوا: بإمكان التناقض ولكنهم انما عنوا به (كل تقابل…) .

وقلنا: بإستحالة التناقض وقصدنا ما يكون منه (اجتماع الوجود والعدم) فقط. والبون بعيد، ولكن الاختلاف قائم على أشده.

هيجل ومن ورائه الماركسيون قالوا بإمكانية التناقض وكل أمثلتهم تدل على انهم أرادوا منه مطلق تقابل شيء مع شيء آخر. فقالوا:

أ: الدجاجة تتناقض مع الفروجة، وهي تتناقض مع البيضة!

ب: وان الهزيمة والإنتصار وهما تتعاقبان في الجيش نوع من اجتماع النقيضين!

ج: وان الثمرة تتناقض مع الشجرة!

واضح ان المقصود في كل ذلك مجرد نوع من التقابل الذي لم ينكره أحد من الفلاسفة، وليس معنى التناقض لدى هيجل اجتماع الوجود والعدم في شيء واحد ووقت واحد. وهل يمكن ان يكون هناك عاقل يعترف بإمكانية اجتماع وجود زيد وعدمه في ذات الزمان؟ وإمكانية صحة قانون وبطلانه؟ وإمكانية ان يكون الجيش في معركة واحدة منتصرا ومنهزما؟!

ومن هنا فإن جانبا كبيرا من الخلافات يتهافت بسبب تفسير اللفظ تفسيرا مناسبا.. والجدير بالذكر ان هناك فريقا من الغوغائيين استغلوا لفظة التناقض المشتركة في المعنى لأهدافهم الإعلامية، فشرعوا يشنون حربا غير شريفة ضد المنطق الشكلي، زاعمين انه جامد وغير معترف بالفوارق الموجودة في الطبيعة. هذا عن التناقض، اما عن التطور؟ فنتابع الحديث:

3-لنفترض مرآة صافية إلى جنب نهر جار، الماء يتدفق وصورته تنعكس على الشاشة الصافية. ان ثبات المرآة شرط ضروري لأمانة الصور المنعكسة فيها. فلو جاء شخص وأخذ يهزالمرآة، فإنها تتعرض آنذاك للتشويش.. ولو فرض ان شخصا قام فأخذ لقطة عن النهر أو عن المرآة، فلابد ان تمثل لقطته لحظة معينه من تدفق الماء. ولكنها صورة أمينة للغاية، لتلك اللحظة فقط.

ان هذه هي حقيقة المعرفة التي لا اعتقد أحدا ينكرها لو قدرت له التذكرة بها، فالمرآة هي المعرفة، تعكس واقع الأشياء المتطورة (كأنها نهر لا يتوقف إنسيابه) . ولكن لولا ثبات النفس وهدوئها، لما كان الإنعكاس سليما. ومن هنا فإن النفوس المتوترة لا تستطيع إحراز معرفة صادقة.

وفيما لو إلتقطنا صورة علمية عن لحظة معينة، مثلا أردنا التركيز على معرفة حالة النهر في وقت معين (أو قل حالة القمر في ليلة الخسوف ساعة معينة) ، فإن هذه المعرفة لا ترتبط بجريان النهر أو دوران القمر، بل هي أشبه شيء بلقطة فتوغرافية عن حالة السيل المتدفق تعكس حالة معينة، ولكنها تعكسها بصورة ثابتة لا تتغير.

ولو أردنا التقاط صورة معينة عن وضع تاريخي معين، مثلا عن حوادث النصف الأول من القرن العشرين، فماذا كان يعني هذا؟ يعني تقدم البشرية في غزو الفضاء، واستغلال الذرة لشؤون السلم وتلاشي الحياد الإيجابي وبروز الصين كقوة عالمية و.. و.. ان هذه اللقطة جامدة رغم ان الحياة ستتطور، ولا يمكن لهذه اللقطة ان تتغير ان كانت صحيحة وأمينة. هل يمكن مثلا ان يكون هبوط أول إنسان على سطح القمر عام 1969 حقيقة ثم لا تلبث ان تصبح باطلة؟ كلا لأنها لقطة عن لحظة معينة من تاريخ هذا النهر الجاري، وهل يمكن ان يكون عودة لونا 16 من رحلته القمرية صحيحة اليوم، ولكنها تتطور ـ كعلم وكحقيقة ـ فتصبح باطلة غدا؟ كلا لأنها أيضا لقطة فهي لا تتطور وان كان الإنسان يتطور إلى مرحلة أبولو أو ساليوت؟!

والقول بأن المعرفة تنمو وتتكامل سخيف تماما كالقول بأن المرآة هي التي تتحرك وان الصورة الفتوغرافية خاطئة لانها لا تعكس جميع الحالات!

نقد النسبية التطورية

بعد هذه الملاحظات التمهيدية ينبغي ان ننقد النسبية التطورية:

المفهوم الأول منها يقول: الحقيقة تتطور، و في سبيل نقد هذه الفكرة، نسأل: ماذا تعني هذه اللفظة؟ انها أمام شقوق مختلفة:

أ: هل تعني ان الحقيقة هي معرفة الواقع الموضوعي، وبما ان الواقع الموضوعي يتطور فالمعرفة لابد ان تتطور وفقه، لأنها أمينة في إرائتها.. فمثلا نحن نعلم الآن بأن الوقت نهار، وفي الليل لابد ان نعلم ـ ان كنا حقيقيين ـ ان الوقت الآن هو ليل. فالحقيقة تطورت حسب تطور الواقع.. وهذا أمر موغل في البساطة يعرفه الأطفال ولا داعي لذكره في كتاب فلسفي.

ب: أو انها تعني: ان الحقيقة تتكامل مع ذاتها. بمعنى ان البشر يستطيع بجمع معلوماته وتنسيقها كسب معلومات جديدة، فمثلا: نحن نعلم بأن القمر في كبد السماء، ونعلم من جهة ثانية بأنه متى كان القمر في كبد السماء فإن ماء البحر في المد. فبجمع هاتين المعلومتين نتعرف على حقيقة ثالثة هي ان الآن يزامن مد البحر. هذا أمر واقع. بيد ان المعرفة لا تنمو بذاتها، بل لابد ان يسبقها التركيز والتمنهج. أرأيت مثلا: ان الإنسان يتمكن من العلم بنتيجة عملية حسابية بسيطة 15×7= مثلا بدون التمنهج والتركيز.

ان الحاجة إلى المنهجة والتركيز تحملنا على الاعتراف بدور العقل والإرادة في استنباط معلومات جديدة ورفض القول بأن طبيعة المعلومات هي التصاعد والقفز وذلك بسبب التناقضات الداخلية التي فيها. والاسلام ذكّر الإنسان بإمكانية تنمية المعلومات بالعمل والتفكير (الإرادة والعقل) فجاء في الحديث عن الامام علي عليه السلام: (إذا رمتم الانتفاع بالعلم فاعملوا به او اكثروا الفكر في معانيه تعه القلوب(1) . وقد جاء في الحديث أيضا: (الفكر مرآة صافية(2) .

ج- واذا كان تطور الحقيقة تعني ان 2×2=4 اليوم وأما غدا فإنها تنقلب إلى (5) ، أو ان العلم بوجود اليونان في التاريخ سينقلب في يوم إلى العلم بعدمهم، دون أية مفاجآت علمية بل بصورة آلية داخل الذات، فإن هذا القول ليس سخيفا فقط، وانما أيضا لا نتصور ان أحدا قد تفوه به، أو زعم بإمكان الذهاب إليه.

ذلك لأن العلم شهود وكشف مباشر، والكشف والشهود ذاتيان له ولا يمكن للشيء ان يفقد ذاته. فلا يمكن ان ينقلب العلم الحقيقي الصادق إلى الجهل التام.

وإذا كانت الحركة تنخر في ذات العقل والعلم والفكرة والمذهب فإن نظرية (النسبية التطورية) نفسها عرضة للإنهيار لأنها تحتوي على شيء كبير من البطلان. ومن هنا فليس لنا الاعتماد عليها، وبالتالي فإنها تتهاوى أمامنا صريعة، مع ان قادة الماركسية يبالغون في صحتها وحتميتها وبقائها إلى الأبد!

المدخل

تكوين مفهوم عام عن الكون أو في تعبير أفضل عن العالم (وهو كل حقيقة وراء الشعور) ، ليس من اختصاصات العلم بمعناه الضيق بل هو موضوع الفلسفة بالمعنى الشامل.

فإذا سألت أي عالم فيزيائي أو كيميائي أو اجتماعي عن هذا العالم ما هو؟ لأخذ يحلل لك مواده ويشرح لك سننه وغرائبه.. ولكنك ترى هذه الأجوبة ضئيلة لا تكفي حاجتك الملحة إلى تفهم حقيقة العالم ككل وتكوين نظرة عامة عنه.

(1) - غرر الحكم ،ص45 ، باب: ثمرة العلم و العمل به، ح155 .

(2) - بحار الانوار ،ج68 ، ص328 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت