فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 1942

ان المفهوم العام، هي القيمة الأساسية التي تقوم عليها قائمة العلوم البشرية جميعا، وهي الركيزة الأولى التي تدور حولها النظم والقيم والنشاطات كلها، وهي الأطر الكبيرة التي تتحرك ضمنها جزئيات الكون، وهي الروح التي تعيش خلف العالم وتحركه انى شاءت. ولذلك فإن العلوم التي تبحث في بعض الجوانب الظاهرية من الكون لا يمكنها إعطاء مفهوم عام عن العالم. ان الإنسان بحث عن المفهوم العام قبل بحثه عن الخصائص الجزئية بكثير ولا يزال يبحث عنه رغم توسعه في حقول العلم جميعا. فتاريخ الأديان والفلسفات يسبق أبدا تاريخ العلوم ويحظى عبر جميع الأجيال بأكبر الاهتمام.

وظل الإنسان يبحث عن هذا المفهوم حتى اليوم، وغدا حتى الأبد. لأن في الإنسان نهم بالغ يدعوه إلى هذا البحث أشد من أي نهم آخر.

من هنا نرى في كل أمة نهضة فلسفية تعيد إلى الناس شعورهم بمفاهيم عامة مستقيمة، ثم تبتدئ مسيرتها العلمية. كذلك في اليونان، وكذلك في أرض الإسلام، وكذلك في أوروبا، سبقت كلمة الفلسفة منطق العلم..

وتتلخص عناصر المفهوم العام عن العالم في بضعة أسئلة يوجهها الإنسان إلى نفسه.

ما هي الروح التي تدبر ظواهر العالم، أو بتعبير آخر: ما هو اله هذا الكون العميق الواسع؟

وما هي القيم الأساسية التي تعمل وفقها الحياة، أو بتعبير آخر: ما هي سنن الحياة العامة؟

وما هي نسبة الإنسان إلى الكون، أو بتعبير آخر: ما هو الدين القويم للإنسان؟

وتصدى لصياغة مفهوم عام عن العالم، الإنسان عبر الزمن. فلم يستطع التجنح فوق منطق الكثافة المادية القريبة.. وإبتعث الله رسله ليهدوا الناس إلى عالم الغيب، الذي يقيم عالم المادة ويدبره.

ومن هنا تنوع المفهوم العام إلى مفهوم مادي وآخر سماوي، والمفهوم المادي تشعب إلى ثلاث مدارس رئيسية:

1-المدرسة المثالية، التي لم تبصر سوى النفس البشرية، فرفضت الإعتراف بحقيقة ما وراء الشعور-وقد بحثنا حول هذا المفهوم في الفصل السابق لدى بحثنا عن قيمة المعرفة-.

2-المدرسة المادية العقلانية، وتدخل ضمنها المدرسة المادية الوضعية، والمادية الميكانيكية، وفلسفة أرسطو الثنائية، وما أشبهها.. وتجمع بينها فكرة العقل المدبر، الذي يُسيِّر الكون، سواء كان العقل خارجا عنها أو داخلا فيها.

3-المدرسة المادية اللاعقلانية، وهي تنطوي على: المادية الديالكتيكية وبعض الفلسفات الرجعية التي تتوغل في عمق التاريخ السحيق.

4-المفهوم الإلهي، وهو الإسلام، الذي نزل به أنبياء الله أجمعين ـ صلوات الله عليهم ـ وأكملها النبي محمد صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه المعصومون (ع) .

ولنتحدث الآن عن هذه المدارس الأخيرة، ونحن نمهد لإستعراض العقائد الإسلامية، التي هي شرح وتبيين للمفهوم الإسلامي العام عن حقيقة الكون.

ونبدأ الحديث عن المادية اللاعقلانية (الديالكتيك) لنقترب شيئا فشيئا عن المفهوم الإسلامي.. ذلك ان المادية العقلانية تتوافق مع المفهوم الإسلامي في جانب كبير.

الديالكتيك فلسفة عامة

إلى جانب المنهج الديالكتيكي الذي نقدناه في فصل سابق عند الحديث عن النسبية التطورية، إلى جانبه تستقر الفلسفة الديالكتيكية، وهي وليدة حتمية لنظرية النسبية التطورية التي تبنتها المادية الديالكتيكية.

وقد تبين سابقا مدى التناقض المنطوي عليه منهج النسبية التطورية، وبذلك ينهار بناء الفلسفة الديالكتيكية أيضا.

ومع ذلك فإنا نستعرض فيما يلي ملامح الديالكتيكية وما تعرضت لها من إنتقادات مباشرة .

تزعم الديالكتيكية الفلسفية:

1-ان كل شيء في حالة تغير دائم، وليس له سوى تاريخ مضى ومستقبل يأتي، تماما كالنهر الذي نراه واحدا ولكنه في حالة تبدل مستمر.

2-كل شيء يرتبط بكل شيء. فلا يمكن ان نفقه حقيقة الكون الا بصورة شاملة؛ أي من زاوية التفاعل المستمر بين أجزائه.

3-كل شيء يحتوي على نقيضه (؟!) . فالبيضة تحتوي على الفروجة التي هي نقيضها، والفروجة بدورها تنطوي على نقيضها وهي الدجاجة. وعليه ففي كل شيء قوتان متضادتان؛ واحدة تجره إلى البقاء، والثانية تدفعه إلى الامام.

4-وبفعل هذا التناقض الداخلي، يحدث إنقلاب مفاجئ في كل شيء، فالبيضة مثلا: تتفاعل فيها القوى المتضادة حتى إذا بلغت مرحلة (القفز) انفلقت عن الفروجة، وهذا الإنفلاق يحدث فيها بصورة مفاجئة. والماء يوضع على النار، فينشأ فيه تناقض داخلي، ينقلب به بصورة مفاجئة إلى البخار.

وقبل البدء بنقد هذه النظرية لابد من عرض ملاحظتين:

1-ان هيجل كان أول فيلسوف وضع المنطق الديالكتيكي وفلسفته وقد هداه منطقه إلى الإيمان بالدين والدعوة الملحة إليه من جهة. ومن جهة أخرى إلى القول بالمثالية التي تعتبر الكون انعكاسا للروح وليس العكس. وقد تبنت الماركسية هذا المنطق ، وهي تعتقد انه لا وجود للروح وان كل شيء الذهن ليس الا انعكاسا للمادة على النفس. وهنا لابد من التساؤل عن مدى قدرة هذه الفلسفة للبلوغ بنا إلى الحقيقة؟ فإذا كانت قدرة الفلسفة هذه كافية للكشف عن العالم، فقد كان هيجل مؤسسها أحرى بهذا الكشف. فكيف ذهب إلى المثالية؟ ام كيف تناقض معه تابعوه من أمثال ماركس وانجلز ومن أشبه؟ فإذا بهؤلاء ينكرون وجود أية قيمة في الحياة ويجمدون أنفسهم في حدود المادة الكثيفة. والواقع ان الفلسفة الديالكتيكية أثبتت فشلها منذ البدء، حيث أنكر مؤسسها وجود الواقع الموضوعي الذي لا ريب فيه، وأنكر تابعوه حقيقة القيم التي لا تردد في وجودها.

2-هل الفلسفة الديالكتيكية تعتبر نتيجة للتقدم العلمي الذي أحرزه الإنسان؟ هكذا تزعم أجهزة الإعلام الماركسية! ولكنه زعم ينطوي على الخلط بين الفلسفة والعلم. هذا الخلط الذي تتعمده الماركسية بصورة مستمرة مع أن موضوع العلم (بمفهومه الخاص الذي يعني كل ما هو خاضع للتجربة) يختلف عن موضوع الفلسفة الذي لا يخضع للتجربة. ولذلك فإن في فلاسفة القرن العشرين من ذهب إلى آراء فريق من فلاسفة القرن الرابع في الميلاد. ولذلك فإن أي ربط بين التقدم والفلسفة ينطوي على سذاجة بالغة في التفكير. أما بالنسبة إلى فلسفة هيجل الديالكتيكية فإن هيجل لم يكن له إلا دور المجدد لها وفيما يلي نثبت قائمة بأسماء أولئك الفلاسفة الذين سبقوا هيجل في آرائهم الديالكتيكية:

ألف: طالس (أو تالس) الملطي كان يعتقد بأصل التغير في الكون، وقد عاش في حوالي (400ق.م) ومثله في هذا الإعتقاد الفيلسوف (انكسيمانوس) .

باء: هرقليط (500 ق.م) يمثل العالم بنهر جار ويرى العالم في تغير مستمر ، و يرى ان سبب التغير الدائم هو التناقض الداخلي في الأشياء. وقد قال عنه لينين: (كلامه شرح وتعبير كامل لأصول المادية الديالكتيكية) .

جيم: ديمقراطيس، وابيقور، ولوكرس (341 ق. م.) كانوا يعتقدون بأصل التغير في الكون.

ان وجود رجل واحد من هؤلاء يكفي لإنتزاع صفة التقدم عن الفلسفة الديالكتيكية، بل وطبعها بصبغة (الرجعية السحيقة) .

نقد النظرية الديالكتيكية

المبدأ الأول:

ماذا يعني التغير في الطبيعة؟ هل يعني ان المادة ذات المادة، والسنن التي تسيرها وتدبرها ذات السنن، وضمن هذه السنن سنة التطور في كل شيء؟!

ان هذا ليس فقط حقيقة واضحة، بل انها تكاملت في الفكر الإسلامي حتى أصبحت ركيزة البناء في صرح المعارف الإلهية، وسنبحث عنها مفصلا بإذن الله.

ام يعني ان كل شيء في الكون سائر نحو التغير، حتى القوانين الطبيعية والسنن الكونية والقيم العامة والمعرفة الصادقة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت