فهرس الكتاب

الصفحة 858 من 1942

ويذكر السيوطى في تاريخ الخلفاء أن الخليفة أبو جعفر المنصور كتب إلى سوار بن عبد الله قاضى البصرة كتابا فيه (أنظر الأرض التي تخاصم فيها فلان القائد وفلان التاجر فادفعها إلى القائد ) فكتب إليه سوار (إن البينة قد قامت عندي أنها للتاجر فلست أعطها لغيره إلا ببينة ) فكتب إليه المنصور ( والله الذي لا إله إلا هو لتدفعنها إلى القائد ) فكتب إليه سوار ( والله الذي لا إله إلا هو لا أخرجها من يد التاجر إلا بحق ) فلما وصل كتابة إلى المنصور قال: ملأتها والله عدلا فصار قضاتي تردني إلى الحق

ومنهم القاضي المنذر بن سعيد البلوطى الذي ولى القضاء بقرطبة أيام عبد الرحمن الناصر وناهيك من عدل أظهر ومن فضل أشهر ومن جور قبض ومن حق رفع ومن باطل خفض كان مهيبا صليبا غير جبان ولا عاجز ولا مراقب لأحد من خلق الله في استخراج حق ورفع ظلم ، استعفي مرارا من القضاء فما أعفي ، ويروى أن الناصر أراد أن يبنى قصرًا لإحدى نسائه وكان بجوار المكان دار صغيرة وحمام لأيتام تحت ولاية القاضي فطلب شراءه فقالوا إنه لا يباع إلا بإذن القاضي نسأله بيعه فقال القاضي لا إلا بإحدى ثلاث حاجة الأيتام أو وهن البناء أو غبطة الثمن فأرسل الخليفة خبراء قدروهما بثمن لم يعجب القاضي فأباه وأظهر الخليفة العدول عنهما والزهد فيهما وخاف القاضي أن يأخذهما جبرا فأمر بهدم الدار والحمام وباع الأنقاض بأكثر مما قدر الخبراء وعز ذلك على الخليفة وقال له ما دعاك إلى ذلك؟ قال أخذت بقول الله تعالى ( أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان ورائهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا ) الكهف 79 لقد بعت الأنقاض بأكثر مما قدرت للدار والحمام وبقيت للأيتام الأرض فالآن اشترها بما تراه لها من الثمن قال الخليفة أنا أولى أن أنقاد إلى الحق فجزاك الله عنا وعن أمتك خيرا.

ومواقف العدل حتى مع الأبناء فلذات الأكباد ومما يروى في ذلك أن ابن شريح القاضي قال له يوما يا أبت إن بيني وبين قوم خصومة فانظر فيها فإن كان الحق لي قاضيتهم وإن كان لهم صالحتهم ثم قص عليه قصته فقال له شريح انطلق فقاضهم فمضى إلى خصومه ودعاهم إلى المقاضاة فاستجابوا له ولما مثلوا بين يدي شريح قضى لهم على ولده فلما رجع شريح وابنه إلى البيت قال الولد لأبيه فضحتني يا أبت والله لو لم أستشرك من قبل لما لمتك فقال شريح: يا بنى والله لأنت أحب إلي من ملء الأرض من أمثالهم ولكن الله عز وجل أعز علي منك ، لقد خشيت أن أخبرك بأن الحق لهم فتصالحهم صلحا يفوت عليهم بعض حقهم فقلت لك ما قلت

وقد كفل ولد لشريح رجلا فقبل كفالته فما كان من الرجل إلا أن فر هاربا من يد القضاء فسجن شريح ولده بالرجل الفار وكان ينقل له طعامه بيده كل يوم إلى السجن.

( إن لنا نحن أبناء هذه الحضارة دين على الشعوب التي حررتها حضارتنا يجب أن نسترده لا بالتفاخر الكاذب ولا بالأماني والأباطيل بل بمعرفتنا لقدر أنفسنا وقيمة حضارتنا وسمو تراثنا واستحقاقنا لأن نكون الأمة الوسط التي تشهد على الناس وتقودهم إلى الخير والحق والكرامة ولعلنا فاعلون إن شاء الله) (7) .

د/ خالد سعد النجار

الهوامش والمصادر

(1) رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ــ كتاب آداب القضاة برقم 5284

(2) رواه البخاري ــ كتاب الأحكام برقم 6613

(3) رواه البخاري ــ كتاب الأحكام عن أبي هريرة برقم 6615

(4) رواه البخاري ــ كتاب الأحكام برقم 6616

(5) من يظلهم الله د/ سيد العفانى، مكتبة معاذ بن جبل

(6) رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري ــ كتاب المناقب برقم 3701

(7) من روائع حضارتنا د/ مصطفي السباعي، دار السلام

ــ تاريخ الخلفاء / السيوطي

-شرح حديث (ما ذئبان جائعان) صـ17-19، ابن رجب - دار الفتح

ـ صور من حياة التابعين د/ رأفت الباشا دار الأدب الإسلامي

-صلاح الأمة د/ سيد العفانى مؤسسة الرسالة

-إيقاظ أول الهمم العالية عبد العزيز السلمان دار الإيما

بناء ثقافتنا والحفاظ عليها

دكتور عثمان قدري مكانسي

الثقافة: - لغة: من ثقف: بكسر العين وضمها- صار فطنًا حاذقًا . وثقّف الشيء: أقام المعوجّ منه وسوّاه .

-واصطلاحًا:العلوم والمعارف والفنون التي يُطلب الحذق فيها . ( المعجم الوسيط )

-وقال أهل الخبرة: الأخذ من كل فن بطرف ، ومن فنٍّ بكل أطرافه .

-وهي الحضارة المبنية على الفهم والعمل ، فلا بد منهما مجتمعَين .

-وهي المكوّنات الرئيسة لحياتنا في مجتمعنا العربي والإسلامي من دين وعادات أصيلة ، وشمائل .. وما شابه ذلك .

هل كان للعرب ثقافة: إن المتابع لحياة العرب قديمًا يجد أنهم أهل ثقافة واضحة المعالم ، بارزة السمات . ومن الأدلة على ذلك:

-قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"ولن تكون الأخلاق إلا في قوم عرفوا بالفهم ، والذوق ، والحضارة التي أهّلتهم قبل غيرهم أن يكونوا حضَنَة الإسلام وناشريه . ومن البدهي أنه حين تُكلف أمة من الأمم بحمل أعظم دين إلى البشرية جمعاء أن يكونوا خير من يؤدي الأمانة ، وأقدر على ذلك بما يتسمون به من سمات تؤهلهم لذلك الشرف العظيم .

-التقسيمات الحيوية التي كانوا يعيشونها ، فهم قبائل ذات أصول تتفرع إلى عشائر وأفخاذ ثم إلى أسر مترابطة يجمعها الولاء إلى مفاهيم - كالشهامة والمروءة ونصرة الضعيف والشرف والصدق و.. و...- تُحكم هذا الرباط وتقوّيه ، وهذه الصفات أقرها الإسلام وعمل على ترسيخها وتمين عراها .

-أسواق العرب الدورية التي كانوا يَؤُمّونها ، ويتبايعون فيها وينشرون قصائدهم فيها ، ويتبارى فيها خطباؤهم وشعراؤهم ورجالاتهم على تأصيل الحكمة والتفاخر بشمائلهم . من هذه الأسواق"سوق عكاظ"شرقيّ مكة ، و"سوق ذي المِجَنّة"قرب مكة كذلك ، و"سوق ذي المجاز"قرب ينبع ..

-الإعلام القوي الذي ملأ الآفاق - وأقصد الشعر - فهو كما قال الفاروق رضي الله عنه:"الشعر ديوان العرب"حفِظ الأنسابَ وأصّلَ الشمائل ، ودعا إلى المكارم ودوّنَ أيام العرب وحياتها الاجتماعية والسياسية والعسكرية والفكريّة .

-وفخرت القبائل بشعرائها وخطبائها ، وعلّقت النفيس من شعرهم على باب الكعبة لنفاستها ، والمعلوم أنّ العِلق: النفيسُ . فالمعلّقات: النفيس من الشعر .

الدين يحفظ ثقافتنا: قال الفاروق عمر رضي الله عنه:"نحن قوم أعزّنا الله بالإسلام ، ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلّنا الله"

-فالقرآن كان سبب اهتمام المسلمين بالعلوم التي تخدمه كالنحو ، وفقه اللغة ،والفلك ، والجغرافيا ، والتاريخ ، والتفسير ، والفقه و.. و.. و.. له الفضل في انتشار اللغة العربية ورسوخها في عالم الحضارة والثقافة .

-ولولا القرآن الذي حفظ اللغة العربية لاندثرت كما اندثرت كثير من اللغات ، أو تغيرت كما تغيرت أمهات اللغات ، فاللغة الإنجليزية مثلاُ يتغير معظم مفرداتها وكثير من تراكيبها النحوية كل مئتي سنة - كما يؤكد دارسوها - . أو صارت لهجاتها لغات أصيلة كما حصل للغة اللاتينية حيث ظهرت الفرنسية والإيطالية والإسبانية و..

-وقد حاول المستشرقون أن يكتب كل قطر عربي ثقافته بلهجته فظهر أول كتاب باللهجة المصرية القاهرية عام ألف وتسع مئة ، وحاول بعض نصارى لبنان أن يقلدوا أتاتورك في كتابة شعرهم اللبناني باللهجة اللبنانية والحروف اللاتينية ، مثالهم الشاعر اللبناني سعيد عقل ، فماتت المحاولات في مهدها ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت