فهرس الكتاب

الصفحة 410 من 1942

لقد نجحت الدولة العثمانية في تثبيت الإسلام في المناطق التي وصلها الإسلام، وأقامت عشرات المؤسسات والمنشآت الاجتماعية والثقافية مثل المساجد والجوامع والكليات والمدارس والتكيات والملاجئ والخانات والحمامات، ولا تكاد تخلو مدينة أوروبية من أثر إسلامي ديني ينبئ بالدور الحضاري الذي مثلته الدولة العثمانية المسلمة في تلك البقاع.

اللقاء الحضاري بين الشرق الإسلامي والغرب الأوروبي

لم يقتصر اللقاء الحضاري بين الشرق والغرب على العصر الوسيط فقط، بل كان مستمرأ على ممر العصور والأجيال. ومن أهم مظاهره تلك الهجرات الفينيقية القديمة التي خرجت من سواحل الشام عبر البحر المتوسط إلى سواحل المغرب وأسبانيا حيث أسست مدنًا تجارية لا زالت باقية إلى الآن، مثل"طنجة"و"قرطاجة"و"مالقة"و"قادس"و"قرطبة"وغيرها. ومثل حروب طروادة في آسيا الصغرى التي حاصرها اليونان عشر سنوات (1193- 1184 ق. م) وتغنى بمواقعها الشاعر"هوميروس"في الالياذة. ومثل الحروب الفارسية اليونانية التي كانت فتوحات"الاسكئدر"وانجازاته الحضارية من أهم مراحلها. وفي العصر الوسيط تمثل هذا اللقاء في الحروب التي نشبت بين أقوى أمبراطوريتين في ذلك الوقت: الفارسية والبيزنطية. وبعد ظهور الإسلام اتخذ هذا الصراع شكلًا دينيًا في مظهره، فصار صراعًا بين المسيحية والإسلام. ثم استمر هذا اللقاء في عصورنا الحديثة وإن كان قد اتخذ أشكالًا وألوانًا مختلفة كالاستعمار والإمبريالية والصهيونية..

والذي يهمنا في هذا الموضوع هو ذلك اللقاء بين الشرق الإسلامي والغرب الأوروبي المسيحي في العصر الوسيط، وما نجم عنه من إسهام حضاري متبادل بينهما.

لقد اصطلح المؤرخون على تحديد مراكز هذا اللقاء بالجسور أو المعابر الجغرافية الثلاثة التالية باعتبارها كانت أقوى المناطق التحامًا بين الجانبين، وهى على حسب ترتيب أهميتها: الأندلس، ثم صقلية، ثم الشام.

الأندلس

المراد بالأندلس هو أسبانيا الإسلامية بشبه جزيرة"أيبيريا"التي فتحت في خلافة"الوليد بن عبد الملك"وعلى يد"موسى بن نصير"ومطارق بن زياد سنة 92 هـ/ ا 71 م،). واستمر الحكم الإسلامي فيها حتى سقوط مملكة"غرناطة"آخر مملكة إسلامية في أسبانيا سنة 897 هـ/493 ا م.

لم يكن الفتح الإسلامي لأسبانيا مجرد احتلال عسكري صعدت فيه الجيوش الإسلامية إلى أقصى الشمال ثم هبطت إلى الجنوب، بل كان حدثًا حضاريًا هامًا امتزجت فيه حضارة سابقة!كالرومانية"و"القوطية"مع حضارة جديدة لاحقة وهي الحضارة الإسلامية، ونتج عن هذا المزيج حضارة أندلسية مزدهرة وصلت إلى الفكر الأوروبي المجاور، و أثرت فيه، كما تغلغلت في الحياة الأسبانية وتركت فيها آثارا عميقة ما زالت معالمها واضحة إلى اليوم. ولا شك أن المسلمين حينما دخلوا أسبانيا وجدوا فيها سكانًا مثل"القوط"و"بقايا الرومان"، فاختلطوا بهم، ولم تلبث أن نشأت طبقة اجتماعية جديدة، وهي طبقة المولدين التي هي خليط من دم أهل البلاد الأصليين ودم العرب والبربر الفاتحين. هذا إلى جانب طبقة المستعربينMozarabes) ( وهم الأسبان المسيحيون الذين ظلوا على ديانتهم المسيحية ولكنهم تعربوا بدراسة اللغة العربية وآدابها وثقافتها، واتخاذ الأسماء والأزياء العربية."

وهكذا كانت أسبانيا بعد الفتح الإسلامي مزدحمة بالأجناس المختلفة، وكان من الطبيعي أن تتصل هذه العناصر بعضها ببعض، سواء بالمصاهرة أو الجوار أو الحرب، وأن يأخذ كل منها عن الآخر ويعطيه، مما كان له أثره في مزج هذه العقليات المختلفة والعناصر المتباينة. وما يقال عن تنوع هذه العناصر البشرية التي سكنت الأندلس، يقال أيضًا عن التيارات الثقافية المتنوعة التي تكونت منها حضارتها.

فمن المعروف أن الحضارة الأندلسية- مثل كل الحضارات- لم تنشأ فجأة، بل مرت في أدوار مختلفة وخضعت لمؤثرات حضارية مشرقية - شامية وحجازية ومصرية وعراقية - تربطها بالوطن الإسلامي الأم باعتبارها جزءًا منه. كما خضعت لمؤثرات أفريقية بحكم ارتباطها ببلاد المغرب والسودان الملاصقة لها من الجنوب. هذا إلى جانب المؤثرات المحلية الأوروبية بحكم البيئة التي نشأت فيها.

ولا شك أن وضع الأندلس الجغرافي في الأطراف الغربية البعيدة للعالم الإسلامي، وبجوار الغرب المسيحي في قلب أوروبا، جعلها في مواجهة مستمرة دائمة مع الدول اللاتينية هناك، وهذا جعلها بالتالي من أكثر الدول الإسلامية معرفة وتأثيرًا بها. ذلك لأن الحياة الإسلامية في الأندلس لم تعرف الانفصال الجغرافي أو العنصري أو الحضاري بين المسلمين والمسيحيين، بل كانت حياة مشتركة اختلط فيها الفاتحون مع أهالي البلاد الأصليين.

وعلى الرغم من أن ما أخذته الأندلس من أوروبا كان أقل مما أعطته لها من ثقافتها، إلا أن هذا الوضع الجغرافي الأوروبي الذي تميزت به الأندلس، وهذا التداخل المستمر بين الإسلام والمسيحية في شبه جزيرة"أيبيريا"، قد أعطى الأندلس- رغم تعلقها بالوطن الأم- طابعًا فريدًا ، وشخصية مستقلة مميزة. فالحضارة الأندلسية على هذا الأساس حضارة إسلامية عربية أسبانية، ولا يمكن أن نسميها إلا بهذه التسميات الثلاث. وعلى هذا النحو يمكن القول بأن حركة الفتع الإسلامية لأسبانيا ، كانت استمرارًا لدور سابق، بمعنى أنه لم تعقبها حركة ركود أو توقف حضاري، بل استمرت القافلة تسير بسبب تواصلها مع الحضارة الأسبانية الأوروبية.

التقسيم الإداري في الأندلس

إن من يدرس جغرافية شبه وجزيرة"أيبيريا"، يجد أن حدودها الطبيعية تصلح تمامًا لأن تكون حدودًا سياسية إدارية،فسلاسل الجبال ووديان الأنهار التي تقطعها في خطوط مستعرضة من الشرق إلى الغرب أو العكس، قد قسمتها إلى أقسام طبيعية يمكن تحويلها إلى وحدات إدارية وعسكرية واضحة المعالم. فما كان على المنظم أو الإداري إلا أن يثبت حدود هذه الوحدات ويعين قواعدها، فلا يجد صعوبة في إدارتها وجباية خراجها. وهذا ما فعله الرومان والقوط. ثم جاء المسلمون فاحتفظوا بهذه التقسيمات الإدارية ولكنهم سموها مدنًا بدلا من كيفتاس Civtasا ،"وكورا"بمعنى ولايات- بدلًا من بروفنكياس Provingias، وأضافوا إليها عددًا من المنشآت التي تعطيها الطابع الإسلامي المميز لها كالمسجد الجامع، وقصر الإمارة أو الخلافة، والأسواق والقيساريات إلى غير ذلك مما يناسب طبيعة دولتهم الإسلامية. هذا إلى جانب ما أضافوه من مدن جديدة لأن البناء والعمران من مستلزمات التحضر ومثال ذلك:

(1) الجزيرة الخضراءAlceciras التي بناها"طارق بن زياد"بجوار جبل طارق، وكانت تعرف بجزيرة أم حكيم محلى اسم زوجته التي تركها هناك أثناء قيامه بفنج الأندلس.

(2) طريفTarifa، غربي الجزيرة الخضراء، وهي على اسم"طريف بن مالك"أحد قوادا، موسى بن نصير"الذي أغار على هذه المنطقة فسميت البلدة باسمه."

(3) قلعة أيوب Calayud في شمال أسبانيا. بناها"أيوب بن حبيب اللحنمي) الذي ولي الأندلس بعد مقتل ابن عمته"عبد العزيز بن موسى بن نصير"."

(4) مدينة سالم Medinaceli في شمال أسبانيا. بناها"سالم بن ورعمال المصمودي"أحد قواد البربر الذين شاركوا في فتح الأندلس.

(5) تطيلة TUDELA على وادي الأبرو في شمال أسبانيا، بناها الأمير!الحكم بن هشام المعروف بالربضي ، وينسب إليها الشاعر"أبو العباس القيسي المعروف بالأعمى التطيلي (ت 532 هـ1127 م) ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت