ثم قال: (والكيمياء أشد تحريمًا من الربا) (4) .
وقال: (إن الكيمياء لم يعملها رجل له في الأمة لسان صدقٍ، ولا عالم متبع، ولا شيخ يقتدى به ولا ملك عادل، ولا وزير ناصح، وإنما يفعلها شيخ ضال مضل) .
ثم قال: (وأيضًا فإن فضلاء أهل الكيمياء يضمون إليها الذي يسمى"السيمياء"، وهو السحر... فإنك تجد"السيمياء"التي هي من السحر كثيرًا ما تقترن بالكيمياء، ومعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن السحر أعظم المحرمات، فإذا كانت تقترن به كثيرًا، ولا تقترن بأهل العلم والإيمان بل هي من أعمال أهل الكفر والفسوق والعصيان) اهـ.
وقد قال الذهبي رحمه الله تعالى في"مسائل طلب العلم وأقسامه": (فصل: ومن العلوم المحرمة: علم السحر والكيمياء والسيمياء والشعبذة والتنجيم، والرمل وبعضها كفر صراح) (5) اهـ.
وقد نعت ابن خلدون في مقدمته (6) ؛ الكيميائيين بأنهم يشتغلون بالسحر والطلسمات، وأنكر هذا العلم وأبطله.
وفيما نقلت كفاية إن شاء الله تعالى في بيان حقيقة هذا العلم وحكمه.
علم الفلك:
علم الفلك قسمان:
الأول: هو معرفة منازل القمر والنجوم والمطالع وغيرها مما يعين في معرفة القبلة والاهتداء في البر والبحر ونحوها، وهو ما يسمى بـ"علم التسيير".
الثاني: هو الاستدلال بالحوادث الفلكية على الحوادث الأرضية وادعاء معرفة الغيب، وهو ما يعرف بـ"التنجيم"، ويسمى"علم التأثير".
فالقسم الأول تنازع العلماء في جوازه، فمنهم من حرمه سدًا للذريعة ومنهم من كره تعلمه، ومنهم من أجازه - وهم الجمهور - فإذا كان هذا الأمر في"علم التسيير"فما بالك بالتنجيم، فإن العلماء جميعًا على حرمته وإبطاله شرعًا وعقلًا.
وفي الحديث: (من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد) .
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: (فعلم تأثير النجوم محرم، والعمل بمقتضاه كالتقرب إلى النجوم وتقريب القرابين لها كفر، وأما علم التسيير فإذا تعلم منه ما يحتاج إليه للاهتداء ومعرفته القبلة والطريق كان جائزًا عند الجمهور، وما زاد عليه فلا حاجة إليه وهو يشغل عما هو أهم منه وربما أدى التدقيق فيه إلى إساءة الظن بمحاريب المسلمين، في أمصارهم كما وقع ذلك كثيرًا من أهل هذا العلم قديمًا وحديثًا وذلك يفضي إلى اعتقاد خطأ الصحابة والتابعين في صلاتهم في كثير من الأمصار، وهو باطل، وقد أنكر الإمام أحمد الاستدلال بالجدي، وقال:"إنما ورد؛ ما بين المشرق والمغرب قبلة") (7) اهـ.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (إن النجوم نوعان، حساب وأحكام، فأما الحساب؛ فهو معرفة أقدار الأفلاك والكواكب، وصفاته ومقادير حركاتها وما يتبع ذلك، فهذا في الأصل علم صحيح لا ريب فيه كمعرفة الأرض وصنعتها ونحو ذلك، لكن جمهور التدقيق فيه، كثير التعب قليل الفائدة، كالعالم مثلًا بمقادير الدقائق والثواني والثوالث في حركات السبعة المتحيرة... أما الأحكام؛ فهي من جنس السحر...) (8) اهـ (9) .
فإذا وعيت ما مضى، فاعلم أن جميع علماء الفَلَكِ المسلمين الذين يفاخر بهم المُحَدثون - فيما أعلم - إنما هم منجمون كهان، كالخوارزمي وابن البناء والطوسي وآل شاكر والمجريطي وغيرهم - عافانا الله وإياكم مما ابتلاهم به -
فن العمارة:
أما العمارة فليست من الإسلام في شيء.
فقد روى البخاري وغيره عن خباب رضي الله عنه مرفوعًا: (إن المسلم ليؤجر في كل شيء ينفعه، إلا في شيء يجعله في هذا التراب) .
قال ابن حجر رحمه الله تعالى: (وقد ورد في ذم البناء صريحًا ما أخرج ابن أبي الدنيا من رواية عمارة بن عامر:"إذا رفع الرجل بناءً فوق سبعة أذرع نودي: يا فاسق إلى أين؟"، وفي سنده ضعف مع كونه موقوفًا، وفي ذم البناء مطلقًا حديث خباب يرفعه قال:"يؤجر الرجل في نفقته كلها إلا التراب"، أو قال:"البناء"، أخرجه الترمذي وصححه، وأخرج له شاهدًا عن أنس بلفظ:"إلا البناء، فلا خير فيه"، وللطبراني من حديث جابر يرفعه قال:"إذا أراد الله بعبدٍ شرًا، خضَّر له في اللبن والطين حتى يبني"، ومعنى"خضّر"؛ حسّن، وزنًا ومعنى... الخ ما قال رحمه الله تعالى) (10) اهـ.
ولكثرة الأحاديث التي تذم البناء ورفعه؛ كان المحدِّثون رحمهم الله تعالى يعقدون أبوابًا عن البناء وما ورد فيه.
لذلك فإن عمر رضي الله عنه لما اختط الكوفة أمرهم ببناء بيوتهم من قَصَب، فلما وقَع فيها الحريق، استأذنوه في بنائها بالحجارة، فقال: (افعلوا، ولا يزيدنّ أحد على ثلاثة أبيات، ولا تطاولوا في البنيان، والزموا السنة تلزمكم الدولة) .
وهكذا كان عهد الراشدين والسلف، وهذه هي"العمارة الإسلامية".
وأما قصور الزهراء وغرناطة وقرطبة ودمشق الفيحاء وبغداد والقاهرة وزخرفة جوامعها ومساجدها؛ فليست عمارة إسلامية، بل إن من الإفتيات والكذب على الإسلام أن ينسب إليه ما نهى عنه وزجر، ولكنه التعلق بزهرة الحياة الدنيا، والله المستعان.
واكتفى بما ذكرته من العلوم وما قاله العلماء فيها، وإلا فإن العلوم الدنيوية كثيرة وكلام العلماء فيه كثير - كالموسيقى والشعر والحيل وغيرها -
والله أعلم
لأنها في السابق كانت تُعنى بتحويل النحاس ونحوه إلى الذهب والفضة، وكانت قرينة للسحر والسيمياء، أما اليوم؛ فلا يزال تحويل المواد من مادة إلى أخرى باقية فيه، ولكنها اتسعت لتشمل الصيدلة وعلومها الدوائية والتركيبات والمحاليل وغيرها.
(2) نسب البعض إلى"خالد بن يزيد"صناعة الكيمياء وعلمها، وهو باطل رواية ودراية، فأما الرواية:
فإن الذهبي رحمه الله تعالى ذكر أن هذا الخبر لا يصح [سير أعلام النبلاء: 4/383] ، وكذلك ذكر ذلك ابن الأثير [الأعلام: 2/300] ، وكذلك نسبها شيخ الإسلام إليه بصيغة التضعيف: (يحكى) ، وكذلك نسبها ابن كثير كذلك فقال: (وينسب إليه شيء من علم الكيمياء) [البداية والنهاية: 9/80] ، فأما الدراية؛ فأولًا: تقدم عصره في وقت الصحابة والتابعين، وقبل الترجمة، وثانيًا؛ أن أبا زرعة وابن حبان والذهبي وابن كثير أثنوا على صلاحه ودينه ووثقوه [السير: 4/382، البداية: 9/80، التهذيب: 3/111] ، ولو كان كيميائيًا ما استحق هذا الثناء، وثالثًا؛ تفنيد ابن خلدون لهذا الكلام عقلًا في مقدمته [ص505] ، والله أعلم.
(3) المجموع: 29/398، وما بعدها.
(4) المجموع: 29/378.
(5) ص 214.
(6) ص 496، وما بعدها.
(7) فضل علم السلف: ص35.
(8) المجموع: 35/181.
(9) انظر فتح المجيد: ص316 وما بعدها، الزواجر: 2/109.
(10) فتح الباري: 11/95.
العلماء المسلمين الذين قيل إنهم برعوا في تلك العلوم
تمهيد:
سوف أذكر في هذا الفصل قائمة بأشهر العلماء، الذين يهيج المعاصرون بمدحهم والثناء على خلائقهم وذكر فضائلهم، وأذكر ما قاله أئمة الإسلام فيهم وفي عقائدهم، وقد تركت منهم أكثر مما ذكرت، لأن القصد التنبيه لا الحصر، وقد رتبتهم على حسب الوفاة.
والله المستعان.
ابن المقفع - عبد الله بن المقفع - [ت: 145 هـ] :
كان مجوسيًا فأسلم، وعرّب كثيرًا من كتب الفلاسفة، وكان يتهم بالزندقة.
لذلك قال المهدي رحمه الله تعالى: (ما وجدت كتاب زندقة إلا وأصله ابن المقفع) (1) .
جابر ابن حيان [ت: 200 هـ] :
أولًا: إن وجود جابر هذا مشكوك فيه.
لذلك ذكر الزركلي في"الأعلام"في الحاشية على ترجمته (2) : (إن حياته كانت غامضة، وأنكر بعض الكتاب وجوده) .