فهرس الكتاب

الصفحة 256 من 1942

لأنهم وجدوا مقاطعة إجتماعية، ولأن إحساسهم الذاتي بضرورة التوافق الإجتماعي مع الآخرين أرهقهم، فاضظروا للعودة إلى الطريق الإجتماعي وتابوا فتاب الله عليهم.

وهكذا المجتمع الإسلامي اليوم، فحينما ينحرف أحد عن القيم الإسلامية، فإن على الآخرين أن يؤنبوه و يظهروا عدم الرضا عنه، إنطلاقًا من واجب النهي عن المنكر، حتى يدفعوه بالاتجاه الصحيح.

رابعا: العمل وفق السنة

يؤكد الإسلام على ضرورة العمل وفق المسيرة العامة للمجتمع الإسلامي والتي ترسمها سنّة الرسول وأهل بيته، أي الإبتعاد عن البدعة التي هي حاجز أمام الإنسان يحجب عنه نور الحقيقة، وفي الحديث المعروف عن رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول:

(عليكم بِسُنَّةٍ، فعمل قليل في سُنَّة خير من عمل كثير في بدعة) .

فالإتجاه العام للمجتمع الصالح لابد أن يُحفظ، ولابد أن يتوافق الإنسان مع ذلك الإتجاه وأن لا ينحرف عن المسيرة السليمة للمجتمع.

خامسا: مسؤولية الإنسان في المجتمع

ويؤكد الإسلام على ضرورة تحمل الإنسان مسؤوليته في المجتمع، يقول الحديث الشريف:

(كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) .

والمسؤولية الإجتماعية، هي غير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إنها تعني قيام الإنسان بدور الأب بالنسبة إلى الأسرة، وبدور المدير بالنسبة إلى المصنع، وبدور القائد بالنسبة إلى المجتمع، فإن القائد لا يكتفي بالنصح والكلام فقط، وإنما يصنع واقعا. فإذا رأى مجتمعه عاجزًا إقتصاديًا، فانه يضع برنامجا إقتصاديا لكي يرفع عن مجتمعه العجز، وحينما يخشى الأب على إبنه من الإنحراف فإنه يزوجه، والزواج ليس كلامًا وإنما هو عمل، وهكذا يفرض الإسلام على أبناء المجتمع الإسلامي أن يتحملوا مسؤوليتهم تجاه الآخرين.

سادسًا: القوانين الرادعة للمنحرفين

حينما يصل الإنحراف إلى رأس المجتمع أي إلى القيادة فحينذاك تجب النهضة للتغيير، والنهضة الرسالية تعني أنك حينما تجد إنحرافا في المجتمع فعليك أن تسعى لإصلاحه بالكلمة الشجاعة، فإن لم تنفع فبالتخطيط الجهادي العملي، حتى لو أدى ذلك إلى إستشهادك، لأن ذلك سيحدث موجة من المقاومة والتحدي داخل المجتمع.

إن القوانين الإسلامية التي تقول بأن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، وأن الدفاع عن المظلومين والمستضعفين واجب الإنسان المسلم، كما جاء في الحديث الشريف الذي رواه الإمام الحسين عليه السلام عن جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

(من رأى سلطانًا جائرًا، مستحلًا لحرم الله، ناكثًا لعهد الله، مخالفًا لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، ثم لم يغيِّر بقولٍ ولا فعل، كان حقيقًا على الله أن يدخله مدخله) .

إن هذه القوانين إنما هي لأجل مواجهة الإنحراف في المجتمع الإسلامي، وإصلاح مسيرته العامة.

وفي المجتمع المنحرف لا يحدث أن ينطلق كل الناس لمواجهة الإنحراف، وانما تبدأ المواجهة من بعض العناصر الذين يقومون بتشكيل تجمعات صغيرة، تتحمل هذه المسؤولية، ثم تعم المواجهة والتحدي كل شرائح المجتمع.

وهكذا، فإن المجتمع الذي توجد فيه فئة يقاومون الإنحراف ويواجهونه بالتحدي الصارخ، يوجد فيه حس إجتماعي عام، على أساسه يقوم كل الناس بواجبهم فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويتحملون مسؤوليتهم الإجتماعية، ويقومون بإرشاد الجاهل، وتذكرة الغافل، إن هذا المجتمع سوف يكون مجتمعا ذاتي التطهير، يتبادل التواصي بالحق وبالصبر، فكل إنسان يوصي الآخرين ويستمع لوصية الآخرين، وكل واحد يشجع الآخر على عمل الخير، حتى ليشبه المجتمع بناء يستند كل حجر فيه على غيره ولا يقوم بمفرده.

واذا وجدنا اليوم مجتمعا ضعيفا لا يتفاعل مع نفسه ومبادئه الأصيلة، ولا يواجه أعداءه، فلابد أن نعلم أنه يفتقر إلى تلك الأنظمة التي وضعها الإسلام من أجل تنقية المجتمع، وتطهيره من الرواسب السلبية القاتلة.

صفوة الكلام

1-المجتمع الإسلامي شاهد على نفسه وشاهد على غيره، ومجتمع يطهِّر بعضه بعضًا .

2-الكثير من المجتمعات لا تعيش إلاّ فترة قصيرة، لأنها تفقد عامل الديمومة الأساسي وهو: نظام لتصفية الرواسب .

3-يؤكد الاسلام على الأنظمة التالية التي تساعد على تنقية حياة المجتمع:

ألف: نظام تعليم الجاهل، وتحمل العلماء مسؤوليتهم .

ب: نظام التذكير .

ج: نظام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

د: العمل وفق السنة .

هـ: مسؤولية الإنسان في المجتمع .

و: القوانين الرادعة للمنحرفين .

4-إن المجتمع الذي يفتقر إلى الأنظمة الإسلامية للتطهير الذاتي من الرواسب السلبية، هو مجتمع ضعيف لا يتفاعل مع نفسه ومبادئه الأصيلة، ولا يواجه أعداءه

-عز وجل - كلما كانت همة الإنسان وتطلعاته أعلى، كلما كانت حركته وحيويته وأمكاناته أكبر .

-عز وجل - المجتمع الإسلامي، مجتمع رسالي مسؤول يتحسس المسؤولية تجاه كل الشعوب المضطهدة .

الإنسان إبن أهدافه

الإنسان كفرد، كتلة ضخمة من الطاقات الكامنة، وحينما يتصل بإنسان آخر تتضاعف طاقاته وإمكاناته، وهكذا يملك المجتمع إمكانات هائلة لا يتصور مداها. وعملية البناء الحضاري إنما هي تفجير طاقات الإنسان، كفرد وكمجتمع، وتحويلها إلى إمكانات فعلية.

ونتساءل: أليس إنسان اليوم هو إنسان ما قبل ألوف أو ملايين السنين، حينما هبط أول انسان على وجه كوكبنا، فلماذا بقي أحقابا عديدة، يعيش بشكل بدائي ولم يفجر طاقاته وإمكاناته وبقي يخشى الحيوانات المفترسة؟

والجواب: لأنه لم يكن يجد الحاجة إلى ذلك في نفسه، فقدرات الإنسان إنما تتفجر حينما يجد صاحبها الحاجة الفعلية إليها. فالحاجة أمّ الإختراع، وأم العلم، والإنسان لا يتحرك باتجاه شيء إلا حينما يكون بحاجة إليه، فاكتشافه للقمح كان بسبب حاجته إليه ليسد به جوعه، وإكتشافه لطريقة بناء البيوت كان بسبب حاجته إليها ليحتمي بها من الحر والبرد والشمس والرياح، واكتشافه للسلاح كان بسبب حاجته إليه ليدافع عن نفسه ضد العدو، وهكذا..

إن حاجات بعض الناس في الحياة محدودة، لذلك حينما يصلون إليها، تنتهي دوافعهم النفسية للتقدم. فهم لا يريدون من الدنيا إلا العفاف والكفاف.. قرصين من الخبز، وطمرين من اللباس، وشبرين من الأرض. إن مثل هؤلاء الناس لا يكونون عادة نشطين، لأنهم يعملون من أجل أن يوفروا هذه الحاجات البسيطة، التي لا يهدفون تحقيق أمور أكبر منها في الحياة، وحينما يحصلون عليها، تتجمد طاقاتهم التي تحولت إلى إمكانات فعلية.

الحضارات وليدة الحاجة

والحضارات في التاريخ إنما نمت في البلاد الباردة جدا، أو في البلاد التي كانت قريبة من الغابات حسب ما يذكره المؤرخون، وبالتالي حيث كان الخطر فيها على الإنسان كبيرا. والسبب لأن شعور الإنسان بالخطر كان يولد لديه حاجات شديدة تدفعه إلى العمل.

اما في المناطق ذات المناخ المعتدل، والتي كان الإنسان يجد فيها حاجاته ميسّرة كالطعام والمأوى والراحة، لذلك لم يكن يخشى من أخطار أو من ظروف الطقس الصعبة، فإنه لم يكن يجهد ليقي نفسه منها.

ان الإنسان الذي يكتفي بلقمة العيش ومكان يرتاح فيه، لا يمكن أن يكون بانيا لحضارة، لأنه لا يجد في نفسه حاجة إلى التحرك. أما الإنسان الذي يحمل هدفا كبيرا في حياته، تراه يتحرك ليلا ونهارا، ويجتهد ويستنفذ طاقاته، ويفجر إمكاناته، من أجل الوصول إلى هدفه.

ولذلك تقول الحكمة المأثورة:

(المرء يطير بهمته كما يطير الطائر بجناحيه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت