هذا في حين لا توجد في الإسلام أية شائبة من هذا القبيل، فالإسلام ما رفع سيفًا إلا دفاعًا عن الحق، ونصرةً للمظلوم،وإعلاءً كلمة الإسلام، وكان آخر ما يفكّر فيه هو السيف والقتال حيث لا يجد سبيلًا آخر. فالحضارة الإسلامية نابعةمن منهل القرآن العذب النقي، فهي حضارة مهذبة من كل أثر جاهلي.
ترى لماذا لا نبادر نحن إلى استثمار الجيد الذي نمتلكه، ولم نخلطه بالردي ء الذي كان عندنا أيام الجاهلية الأولى، أو بمانراه الآن عند الغرب من فساد وانحطاط حضاري، لنشيّد حضارة عالمية جديدة نقية من كل جوانبها؟ بالطبع إن هذاشي ءٌ مطلوب للغاية، فلقد استطاع أسلافنا بالأمس القريب أن يشيّدوا تلك الحضارة الرفيعة التي انتشرت في أقاصي آسيا، وأعماق أفريقيا، وأطراف أوروبا، فهيمنوا على العالم بقيمهم ومبادئهم الإنسانية.
حضارة الرحمة
إن الغربيين يدركون جيدًا أن المسلمين لو انتفضوا ونهضوا من أجل بناء حضارتهم من جديد وملكوا أسرار العلم،والتقنية، فإن العالم سوف يتوجه صوبهم، ويضرب بالحضارة الغربية الهمجية عرض الحائط. فحضارة الإسلام هي حضارة رسالية تعمل على تحرير الإنسان، وإنقاذه من آلامه، ومعاناته، ولعل أفضل ما يمكن أن نصف به هذه الحضارةهو أنها حضارة الرحمة للعالمين؛ فهي الحضارة الرحيمة والعطوفة على كل إنسان مهما كان لونه، ولغته، ودمه؛ بل وحتى عقيدته ومبادئه. فالإسلام كان رحيمًا حتى بأعدائه.
ترى أين حضارتنا من حضارتهم الخاوية، وأين الأصيل النقي من الشائب الهجين؟ إن حضارتنا هي حضارة الرحمةكما يقول تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) (الأنبياءِ/107) ، وهي حضارة الحب والسلام والرأفةوالمودّة والإخاء والنخوة، حضارة تتعامل مع الأمم الأخرى انطلاقًا من مبدأ الرحمة الإلهية، هذا المبدأ الذي خطه لنارسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله الشريف: (ما آمن باللَّه واليوم الآخر من بات شبعانًا وجاره جايع ) (42) ، في حين أن حضارة الغرب المهيمنة على العالم لا يستشم منها سوى النفاق والخداع والأنانية وتقديم المصالح والمنافع على القيم والمبادئ؛ بل وجعل القيم والمبادئ الإنسانية الخيرة تحت الأقدام عندما تقتضي ذلك المصالح والمنافع المادية؛ فهي حضارة القتل والدمار والفساد والإفساد والظلم والقسوة والعنصرية البغيضة.
لابد من استعادة مجدنا
وتأسيسًا على ما سبق؛ لابد لنا - نحن المسلمين- من أن نستعيد مجدنا، وحضارتنا الرسالية الأصيلة القائمة على أسس العدل والتقوى، وعلى ركائز القسط والإحسان. ويوم نغدو كذلك، فسنكون - حينئذ- أهلًا للغلبة والنصر ودحرحضارة الغرب وهدم بنائها الفاسد. فحريّ بنا - إذن- أن نعمل جهد إمكاننا ووسعنا لاستعادة ذلك المجد الغابر، ولنعلم أن خير ذلك سوف يعود علينا، وعلى غيرنا من سائر أبناء البشرية.
فلابد من استنهاض العملاق الإسلامي الحضاري ليقف في وجه الغول الحضاري الغربي - إن صح التعبير- الذي بات يهدد مصير البشرية، والحياة على الأرض، وعلى المسلمين أن يواصلوا نهضتهم، وبالفعل فإننا نقف على مشارف قيام الحضارة الإسلامية الجديدة، فالإسلام يكاد ينهض في كل بقعة تتشرف به.
ومن خلال التوكل على اللَّه وحده، والثقة به، والاعتماد على قوته وحوله نستطيع أن نهزم أكبر قوة في الأرض. أما إذاأصبحنا اتكاليين، نلقي بالمسؤولية على بعضنا البعض، أو نترك العمل وننتظر من الغربيين أن يفعلوا لنا شيئًا، فإن ذلك وهم وسراب علينا أن ننبذهما جانبًا، وأن نعتمد بدلًا من ذلك على اللَّه جل وعلا من أجل تحرير بلداننا، مادمنا نحمل راية الإسلام التي هي راية العدل والحق والحرية، مادامت دعوتنا هي دعوة الصدق والخير والإحسان.
الجاهلية الحديثة والحاجة إلى المعنويات
(مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ * يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِاَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ *يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَآءَكُمْ فَالَْتمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَمِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ *أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَانَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ اُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الاَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) (الحديد/16-11)
البشرية اليوم أشبه ما تكون بجسم عملاق رُكّب عليه رأس صغير! إنك لو رأيت رجلًا ضخمًا ؛ صدره عريض ويداه طويلتان ورجلاه أطول ، ولكن رأسه رأس طفل صغير ، فلا شك أنك ستقول بأن خللًا كبيرًا حاكم على خلقته منذالولادة.
إننا اليوم نملك قدرات هائلة، حتى استطاع الإنسان أن يفلق الذرة ويتحكم بالجنين ويهندس الوراثة ويجوب الفضاء،وأصبحت الأرض التي كانت في يوم من الأيام عالمًا مغلقًا أمام البشر؛ أصبحت تمسح بالأقمار الصناعية مسحًاجيولوجيًا ليكتشف ما في أعماقها من معادن وآثار وأحواض مائية ونفطية وتيارات هوائية عالية التأثير قد تتسبب في وقوع الزلازل والبراكين.. وإنسان اليوم يستطيع التحكم حتى بالنباتات، حيث أخذ هذا التحكم وما يقف وراءه من تقنية علمية بتوفير مواد غذائية جديدة ، واستطاع العلماء تحسين نطف الحيوانات، فركّبوا بعضها على بعض ... وهاهو العلم الحاضر يسعى إلى زرع خلايا الدماغ، ويتجه إلى صنع أعضاء احتياطية حية لجسم الإنسان عبر الاستعانةبتحسين جينات الحيوانات الذكية.
وهذا التطور العلمي الحاصل لا يعني أن الإنسان قد وصل الذروة ، بل العكس هو الصحيح ، وفي ذلك إشارة واضحةومباشرة إلى أن البشرية قد ضيعت مميزات أبلغ أهمية من التطور العلمي الذي حصلت عليه.
إن باستطاعة إنسان اليوم أن يجلس مستريحًا في بيته مطلق الاستراحة بفضل الخدمات التي ينفذها له الإنسان الآلي،ويستطيع أيضًا تشييد مصنع معقد للسيارات المتطورة، والتفرج على العقول الالكترونية وهي تعمل على قدم وساق لإ؛چ چّ ّيعوزها نقص؛ واحتمال ارتكاب الخطأ فيها واحد إلى المليون .. فالإنسان الآلي المبرمج من قبل الإنسان الطبيعي ينجزمسؤوليات صانعه بإتقان أشد. ولكن هذا التطور وهذا الإنجاز قد كلف البشرية الكثير الكثير من مصداقيتهاوقابلياتها وروحياتها ومستقبلها.