فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 1942

لم يكتفِ الاثنان بالنتيجة السابقة، وإنما انطلقا بعد ذلك إلى معالجة الخطاب الديني، وبالطبع كان من الممكن لهما أنْ يتوقفا عند حدود إنتاج العقل الفلسفي، ومتابعة النشاط الفلسفي على هذا المستوى. لكنْ هناك خطابٌ موجود وهو الدين، وبالنسبة لهما هذه الفلسفة لا تناقض الدين أساسًا، بمعنى إذا انطلقنا من داخل الخطاب الديني، فهذه الفلسفة لا تناقضه، ومن ثم لا مشكلة على هذا الصعيد، وإنما المشكلة هي: هل يخالف الدين قواعد العقل الفلسفي الذي يقوم على التسمية والدليل والبرهان،، أي إذا انطلقنا من داخل حقل العقل الفلسفي إلى الدين؟

إذا حكمنَّا معايير العقل النظري في الخطاب الديني فلا مهرب من هذا التناقض، فعالم الغيب الذي يتحدث عنه الدين، لا يمكن أنْ يختبر على صعيد العقل الفلسفي [الوضعي] ، ومن ثم أخذَ الاثنان بضرورة الفصل [أو التمييز] بين الخطابين، ومن ثم الاعتراف بشرعيتهما، وضرورة أنْ لا تحاكم القضية إلاّ في ضورة معايير النسق الذي تنتمي إليه. ومن ثم الإيمانُ بالغيب قضيةٌ صادقةٌ على صعيد العقل النقلي، ولا يجوز تطبيق معايير العقل الفلسفي [الوضعي] عليها.

لم يُقبلْ الخطاب الديني اعتباطًا، فقد قام الاثنان بتسويغه عقليًا، أمّا ابن خلدون فقد لجأ إلى نظرية الاتصال، وأمَّا ابن تيمية فقد دعا إلى ضرورة دراسة ظاهرة النبوة ابتداءً، فالنبوة ليست محصورة بالنبي محمد (r) ، وإنما هي ظاهرة موجودة عند آخرين [قبله] ، ومن ثم يمكن دراسة هذه الظاهرة درسًا علميًا، والنبوة تثبت بالمعجزة، وهناك شهادات لا يمكن الطعن فيها على وجود هذه المعجزات، ومن ثم لا مهرب لنا من قبولها. فإذا سلّمنا بذلك، فتلك هي بداية شرعية الخطاب الديني الذي قبل على أساسه. فإذا سلمنا بشرعية هذا الخطاب فعلينا فيما بعد أنْ لا نحاكمه إلاّ في ضوء المعايير التي يقدمها، تمثل الصورة السابقة، مبادئ العقلانية العلمية الستة التي قبلها الاثنان، وهذه الصورة هي الأكمل عبر ستة قرون، وصحيح أنّ بعض هذه المبادئ وجد عند السابقين، لكنها لم توجد بصورة مكتملة عند أحدهم، ولم تعالج بصورة كافية.

لا يعني هذا بالطبع أنّ هذه المبادئ هي كل مبادئ العقلانية العلمية، الموجودة لدينا في الوقت الحاضر، وإنما لا شك في أنهم قد تقدموا في هذا المجال وقطعوا فيه أشواطًا طويلة جدًا ولم تقف جهودهما عند حدود إدراك مبادئ العقلانية العلمية، وإنما انخرط الاثنان في الممارسة العلمية بصورة مباشرة، فاشتغل ابن تيمية في إعادة بناء علم المنطق على أسس جديدة، أمّا ابن خلدون فأعاد تأسيس علم التاريخ، واكتشف علمًا جديدًا هو علم العمران.

كانت القضية الرئيسة التي انطلق منها ابن تيمية في إصلاح المنطق هي إعادة النظر في الكليات، فاستنادًا إلى أفلاطون يوجد للكليات وجود موضوعي مفارق للذات. وقد تنبه أرسطو إلى هذا الأمر، وقام بنقده، لكنه أعطى الكلي أيضًا وجودًا واقعيًا وإن كان مختلفًا عن الوجود الأفلاطوني، فهو يتحدث عن وجود بالقوة للكلي، ويجعله مكافئًا للصورة، وهي محايثة للمادة، وهذه الحلول الأرسطية لم تخرج عن دائرة التصور الواقعي للكلي، وقد تبنى الفلاسفة الإسلاميون التصور الأرسطي من الكندي حتى ابن رشد باستثناء ابن حزم. الذي كان له موقف مختلف عنهم. وعلى الرغم من الانتقادات التي وجهت للموقف الأرسطي من الكلي، إلا أنّ الفلاسفة الإسلاميين اعتقدوا بصواب الموقف الأرسطي، وقد رفض ابن تيمية وابن خلدون هذا الأمر تمامًا، فالكليات لا وجود لها إلا في الذهن، والكلي الذي ليس له أصل في عالم الحس يجب رفضه، والكائنات الميتافيزيقية التي وصل إليها الفلاسفة، هي كليات لا أساس لها في عالم الحس، ومن ثم يجب رفضها لأنه ليست من وظيفة العقل إدارتها. وقد بُنيت نظرية المعرفة الأرسطية على أساس موقفه من الكلي، فالمعرفة تصورات نصل إليها بالتعريف بالحد، والذي يصور ماهية الشيء المعرّف، وتصديقات نصل إليها بالقياس.

وقد أنكر ابن تيمية ذلك تمامًا، فالحد لا يصور ماهية الشيء وإنما وظيفته اسمية تمامًا، بمعنى أنه مثل الاسم وظيفته التمييز بين الأشياء، والماهية تقوم على التمييز بين الصفات الذاتية والصفات العرضية للشيء، وهذا التقسيم مفتعل فلا يوجد معيار حاسم على هذا المستوى. أمّا القياس، فقد شدّد ابن تيمية على أنّ ما نصل إليه من معرفة بواسطته يمكن أن نصل إليه دون ذلك، والشروط الموضوعية له يجب إعادة النظر فيها، وقد طوّر ابن تيمية هذا الأمر إلى نظرية الاستلزام. وقد تبنى ابن خلدون القضايا الرئيسة التي أثارها ابن تيمية، فهو لم يكن منشغلًا في إعادة بناء العقل النظري مثل ابن تيمية، وإنما كان مشغولًا في إعادة بناء العقل العملي استنادًا إلى البنية النظرية ذاتها.

أمّا ابن خلدون، فقد أعاد اعتبار لعلم التاريخ، فبعد أنْ كان ملحقًا بالعلوم النقلية، قام بإرجاعه إلى حظيرة العلوم العقلية، وانشغل في المعاير التي يجب اللجوء إليها للتحقق من صدق الواقعة التاريخية، ولم يكتف بموازين الجرح والتعديل. وإنما بين أنّ المهمة الأولى يجب أن تكون مطابقة الخبر للقوانين التي تحكم الحياة الاجتماعية، والعلم الذي يبحث في هذه القوانين هو علم العمران، لكنّ هذا العلم لم يقم بتأسيسه السابقون، ومن ثم ندب نفسه أيضًا لإنجاز هذا الأمر، ومن هنا، أسس ابن خلدون علم العمران، ليكون مساعدًا لعلم التاريخ، ومن الجدير بالذكر أنّ القوانين الاجتماعية يمكن الوصول إليها عبر الملاحظات والتجارب. ويمكن النظر إلى"المقدمة"باعتبارها تمثل الممارسة العلمية الحقيقية لابن خلدون. ونحن لا ندعي اكتمال هذه التجربة، ولكن ما يهمنا هو الروح العلمية التي تحلى بها والعقلانية العلمية التي وجهت خطابه في هذا المجال.

لا شك أنّ ابن تيمية وابن خلدون قد تأثرا بالعلوم الاختبارية، وأنّ العقلانية العلمية التي حكمت خطابهما جاءت بفعل هذا التأثير بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وهي نتاج تطور مستمر خلال القرون السبعة السابقة. وهي تمثل الصيغة الأكمل في تراثنا.

(الشبكة الإسلامية) د . حسين مؤنس

دخل الإسلام الهند والسند أول ما دخل على يد محمد بن القاسم الثقفي المتوفى سنة 98هـ وذلك في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك .

وقد انتشر الإسلام بعد ذلك على يد التجار والزهاد والدعاة المخلصين انتشارًا محدودًا.

وفي القرن الرابع الهجري ظهرت موجة الفتح الإسلامي الثانية للهند عندما حكم الهند عاهلون كبار من العرق التتري والمغولي ، على رأسهم إلب شكين التتري ، والد محمود الغزنوي ، الذي حكم مملكة تبدأ من ضفة نهر جيحون اليسرى ، إلى سلسلة جبال سليمان مغرب السند ، وجعل قاعدة ملكه في غزنة ، ثم يستولي على البنجاب ويبدأ في هذه النواحي اعتناق الإسلام بأعداد كبيرة .

وعندما خلفه ابنه محمود الغزنوي ، الذي استمر في الحكم ثلاثين سنة ، قام بحملات على أنحاء من الهند اثنتي عشرة مرة ، مما جعل فتح المسلمين للهند وسيطرتهم عليها ، أمرًا ثابت الدعائم والأركان .

وقد حكم المسلمون الهند ثمانية قرون منذ محمود الغزنوي ، وحتى دخول الإنجليز إليها في القرن التاسع عشر الميلادي ، الثالث عشر الهجري .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت