فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 1942

رابعًا: الفصل بين الدين والعقل، ولا يجوز إلغاء أحد الطرفين لمصلحة الآخر، فهما نسقان مختلفان، ودور العقل في الخطاب الديني لا يتعدى المساندة والفهم والتمييز.

خامسًا: رفض كل القضايا الأسطورية التي لا دليل عليها مثل عقول النجوم، وأفعال السحر.

تصور هذه القضايا الصورة الأولى للعقلانية العلمية في الفلسفة الإسلامية، ونحن لا ندعي كمالها، وإنما ستتطور، عند اللاحقين وهي تشهد بأنّ حقل الفلسفة قد تأثر بالعلوم الاختبارية والعقلانية العلمية عند ابن حزم هي نتاج مباشر لهذا التأثير.

5-المعرفة العلمية:

رفض ابن تيمية وابن خلدون الفلسفة المستندة إلى المنطق الصوري كمنهجية للفيلسوف، وهذا الرفض هو موقف فلسفي وينبع من فلسفة مارسها الاثنان، وإن لم يعطيا لها اسمًا، ووجدنا أنّ التسمية المناسبة لهذه الفلسفة هي"العقلانية العلمية".

فكلاهما نادى بأنّ الأساس الأخير للمعرفة هو العقل، لكنّ هذا العقل ليس العقل الذي نجده في العقلانية الكلامية أو العقلانية الصورية، وإنما العقلُ كما نجده في المعرفة العلمية، ومن ثم هي فلسفة تتحدد بعلاقاتها بالعلم ابتداءً، فهي تقبل قضايا العلم الصادقة، والمنهجيّة المتبعة فيه، وتستثمرها في حقول مختلفة باعتبارها المنهجية الأمثل للبحث، وعلى الصعيد المنطقي تلتزمُ بمنطق لا يخالف مبادئ المعرفة العلمية، وتلتزم بمبادئ ستة رئيسية، تكون البنية العميقة لهذا الخطاب، وهي:

أولًا: مبدأ مصادر المعرفة الأربعة:

ذهب الاثنان إلى أنّ المعرفة هي نتاج تكامل بين الحس والعقل وما يبنى عليها مثل التجربة والأخبار الصادقة، وهذه هي مصارد المعرفة العلمية، ومصادر كل معرفة صادقة ممكنة، وبهذا قال الجاحظ، وابن الجوزي، والشاطبي والمعري وابن حزم وغيرهم كثيرون.

ثانيًا: مبدأ حظر النشاط الميتافيزيقي على العقل:

يذهب الاثنان إلى أنّ موضوع المعرفة [الإنسانية] هو العالم المادي الذي نصل إليه بالحس والعقل والتجارب، وينبني على هذا أنّ مجال العقل الذي تظهر فيه فعاليته هو هذا العالم. فالمعرفة ممكنة للإنسان لهذا العالم، ويمكن أنْ نصل إلى قضايا صادقة بشأنه. وينبني على هذه المسألة قضيتان:

أ- هناك عالمان على الصعيد الأنطولوجي، هما: عالم السماء [الغيب] وعالم الإنسان.

ب- حدود مجال العقل وفعاليته هي عالم الإنسان، أمّا عالم السماء فلا يستطيع العقل أنْ يقدم معرفة يقينية بشأنه، لأنه يقع خارج مجال فعاليته.

ومن ثم نادى الاثنان بضرورة الفصل المنهجي بين العالمين، وتقييد مجال العقل في هذا العالم، وحظر النشاط الميتافيزيقي عليه، وبهذا نادى ابن حزم وابن خلدون، والشاطبي والمعري.

ثالثًا: مبدأ ضرورة الموضوعية في المعرفة:

ذهب الاثنان إلى أنّ عالم الإنسان يخضع لمبدأ السببية، فهناك أسباب ومسببات على الصعيد الأنطولوجي، وعلينا الوصول إلى التفسيرات السببية على الصعيد المعرفي. ويجب من ثم أن يصل الآخرون إلى النتائج ذاتها، لأنّ المعرفة بطبيعتها غير ذاتية، والمعرفة العلمية بالذات تتسم بهذه السمة فهناك إمكانيةٌ للتحقق من نتائجها من قبل آخرين، أمّا المعرفة الذاتية التي تبقى حبيسة ذات العارف، فلا تستحق أن تسمى معرفة، وهذه هي الموضوعية في المعرفة.

رابعًا: مبدأ الفصل بين عالم السماء والإنسان:

يذهب الاثنان إلى أنّ عالم السماء لا يمكن معرفة تفاصيله بالعقل، وقصارى ما يمكن الوصول إليه هو إثبات الوجود الإلهي، أمّا ماهية هذا الوجود وصفاته فلا يمكن معرفتها بالعقل، وهي عمومًا موضوع الدين. وبهذا قال الشاطبي وابن الجوزي.

خامسًا: مبدأ الفصل بين الأنساق الثلاثة:

نادى الاثنان بضرورة التمييز بين أنساق ثلاثة: الفلسفة والعلم والدين فهناك اختلافات بين هذه الأنساق في الموضوعات والوسائل والغايات، ويجب إلا يتم إلغاء أحدِها لصالح الاثنين الآخرين. بمعنى أنّه لا يجوز تحميل الخطاب الديني تأويلات فلسفية لا تمت له بصلة أو نقوم بتأويله علميًا، إذ ليس الدين من حيث المبدأ علمًا [بالمعنى الوضعي] أو فلسفة، وهذا يعني بصورة أخرى الاعتراف بشرعية الأنساق الثلاثة وهذا ما نجده عند ابن حزم وابن رشد وابن الجوزي والشاطبي.

سادسًا: مبدأ الالتزام بالروح العلمية:

يذهب الاثنان إلى أنّ هدف المعرفة من حيث المبدأ بلوغ الحقيقة بغض النظر عن الأهواء والانفعالات الذاتية. ومن ثم دعا الاثنان إلى ضرورة نبذ الاعتبارات الأسطورية والسلطوية والمصالح الذاتية، والأهواء والخرافات وكل ما من شأنه أنْ يقف حائلًا دون بلوغ الحقيقة.

والعمدة في آخر المطاق على الدليل، أمّا التصوف فقد قبله الاثنان شريطة أن لا يخالف ما هو معلوم بالتجربة أو بنصوص الدين المقدسة [الثابتة] ، ويجب أن يبقى تجربة ذاتية، تتعلق بالعابد نفسه، وهذه التجربة هناك صعوبة في التعبير عنها لغويًا ومن ثم تحويلها إلى معرفة ممكنة، وبهذا قال ابن الجوزي أيضًا.

وقف ابن تيمية وابن خلدون على العلوم الاختبارية في عصرهما، وأدركا بوضوح بالغ طبيعة المعرفة العلمية، من حيث هي نتاج إنساني، ليس مصدره العقل الفعال أو الله [تعالى] أو أية قوة كونية أخرى. وهي ليست ثابتة بصورة مطلقة، وإنما قابلة للتعديل والتطوير، في ضوء تحسن أدواتنا، ووسائلنا وقيامها ابتداءً على أوليات الحس والعقل، والتجارب المستندة إليها. وأنّ المعيار الحاسم في قبول القضية العلمية هو التجربة، فهي القادرة على التحقق من صدق فروضنا، فما ثبت بالتجربة يجب قبوله والاعتراف به، وما عدا ذلك يبقى في دائرة الفرض الذي لم يتحقق، ومن ثم لا نستطيع الحكم عليه بالصدق، وبهذا تقدمت المعرفة العلمية، وحصل الاتفاق بين المشتغلين فيها، وفي ضوء هذا الوعي حاكم الاثنان الخطاب الفلسفي السائد، فقضاياه لا يمكن أنْ نتحقق من صدقها مثل قضايا العلم الاختباري [السبيل الوحيد لها هو النقل] ، فهم قد حكموا معايير المعرفة العلمية في نقد الخطاب الفلسفي، ومن ثم قادهم هذا إلى نقدِ المنهج المنطقي باعتباره الأداة التي أَنتجت المعرفة الفلسفية.

انطلق الاثنان من التسليم بحقل العلوم الاختبارية والدفاع عنه، ومن داخله قام الاثنان بنقد الخطاب الفلسفي ومنهجه، فالخطاب الفلسفي يجبُ أنْ لا يُناقض المعرفة العلمية، وعليه أنْ يتبنى معاييرها. وفي ضوء هذا النقد تبنى الاثنان فلسفةً تلتزم بقواعد العلم وتنطلق منه، ومن هنا، كان المنطق الاسمي امتدادًا للمعرفة العلمية، فالتسمية والتدليل هما الامتداد الطبيعي للمنهجية العلمية، فهما يُقدمان لنا معرفةً نسبيةً حول تجاربنا عن عادات الموجود بلغة ابن تيمية. والعلمُ قد حققَّ إنجازاته بفضل هذه المنهجية التي تلتزمُ بالعالَمِ المُعطى كحقلٍ للمعرفة العلمية، فهو لا يحدثنا عن عالمٍ مفارق، ولا يدَّعي أنَّ بإمكانه معرفة تفاصيل هذا العالم، ومن هنا علينا الالتزام بهذا على الصعيد الفلسفي، بمعنى أنَّ علينا أنْ نلتزمَ بالعالم كموضوع للمعرفة الفلسفية، وأنْ نُسلمَ بحدود العقل في إطار حدو هذا العالم، وفرضُ حظر النشاط الميتافيزيقي على العقل، وبهذا كانت الفلسفةُ التي تبناها الاثنان من إنجاز العقل النظري أو الفلسفي، والتأسيس الفلسفي بهذا النهج قد تم انطلاقًا من معطيات العقل النظري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت