رفض الشاطبي إدخال المنطق الصوري إلى علم أُصول الفقه، وسجّل اعتراضات جوهرية، نجدها عند ابن تيمية وابن خلدون وغيرهما، ومن ثم لم يكتف بالرفض وإنما حشد الانتقادات الكثيرة ضد النزعة الصورانية، وهذا الموقف جاء نتيجة حتمية لموقف معرفي آخر هو الاعتقاد بأنّ للعقل حدودًا لا يجوز له أن يتجاوزها، وهي حدود هذا العالم، بمعنى أننا لان ستطيع أنْ نحصل على معرفة يقينية إلا في حدود هذا العالم، أمّا عالم الغيب أو الميتافيزيقا، فلا يمكن الوصول إلى قضايا يقينية بشأنه، ومن هنا كان إعلانه بوضوح حظر النشاط الميتافيزيقي على العقل [والاكتفاء بالنقل في هذا المجال] ، ثم ذهب الشاطبي مسافةً أبعد من ذلك، فتبنى مبدأ الفصل بين الأنساق المعرفية، ورفض محاولة الاحتواء والغزو بين هذه الأنساق، فلا يجوز مثلًا تأويل الخطاب الديني باسم العلم والفلسفة أو تأويل العلم باسم الدين والفلسفة أو تأويل الفلسفة باسم الدين والعلم. [لكن هذا الفصل فصلٌ في المرجعيات دون الموضوعات] .
وتتجلى العقلانية العلمية عنده بصورتها الكبيرة، في محاولة استرجاع القوانين العامة التي تحكم الشرع عن طريق الاستقراء أي مقاصد الشريعة .
لا مجال أمامنا سوى الإقرار بتكون العقلانية العلمية عند الشاطبي، لكن لا يعني هذا أن كل علماء أصول الفقه مثله، ولا نجد هذا الوضوح في خطاب المعري، وذلك لأنّ الشاطبي كان متأخرًا بينما المعري عاش في القرنين الثالثو الرابع الهجريين، وعلى الرغم من ذلك نجد هناك المبادئ نفسها تقريبًا، وإن كانت ليست معالجة بصورة كاملة عنده.
4-الفلسفة وعلم الكلام:
هل تكون لدى الفلاسفة المسلمين عقلانية علمية من نوع ما، وللإجابة على هذا السؤال نقدم نموذجين من الفلاسفة هما:
أولًا: الفلاسفة الذين تبنوا العقلانية الصورية، فهؤلاء اعتقدوا بإجماع أنّ المنطق منهج مناسب للفيلسوف، وهو علم دقيق محايد يرتبط بقضايا الفكر، وقواعده صحيحة، ويمكن أنْ يساعدنا في ضبط تصوراتنا الفلسفية، وذهب بعضهم إلى ضرورة استخدامه أيضًا في العلوم الاختبارية، بصورة واضحة، إذ يعتبر من المسلمات الرئيسة في العلم، ومناهجه لا غنى للعالم أو الفيلسوف عنها، ولم يتوقف الأمر عند هذه الحدود، بل تجاوز بعضهم ذلك إلى حد الاعتقاد أنه كافٍ بذاته على صعيد الفلسفة.
ومعروف أنّ المنطق الأرسطي يتضمن قضايا ميتافيزيقية مضمرة فضلًا على أنّه بالقوة يدفع إلى التقليد الميتافيزيقي، فهو ابتداء مبني على نزعة واقعية في الكليات، وهذا ما لم يتنبه إليه هؤلاء الفلاسفة، فقد تصوروا أنّ نظرة أرسطية للكليات سليمة، فهو يُّقر أنها موجودة على مستوى الأذهان، لكنّ لها وجودًا بالقوة على المستوى الخارجي، وهذا الحل لم يخرجنا من النزعة الواقعية للكليات، فضلًا عن أنّ عوامل الإضافة والتركيب على مستوى العقل تدفع بهذه الكليات إلى مسافات بعيدة يصعب التحكم فيها، ومن ثم تساهم في بناء عوالم غيبية مختلفة، وهي بشكل أو بآخر مسؤولة عن نظرية الفيض بأشكالها كلها، ومقولة العقل الفعّال، ونظرية عشق العالم للإله، وحياة النجوم... الخ.
كان هؤلاء يتصورون أنّ ما وصلوا إليه صحيح من الناحية الاستنباطية، لكن إذا اعتمدنا هذا المعيار فقط، فكل القضايا الميتافيزيقية تتساوى في الصدق والكذب، إذ لا معيار يمكن أنّ يحسم بينهما، ومن هنا كانت نظرة ابن حزم النافذة بضرورة الالتزام بإمكانية رد هذه الأفكار إلى قضايا حسيّة أو عقلية بسيطة أو إلى دليل بواسطة التجربة، لكن معظم هؤلاء الفلاسفة لم يقبلوا بوجهة النظر هذه، رغم أنهم كانوا يعتقدون بإجماع بأنّ قانون السببية يحكم العالم.
لكنّ المشكلة هي في طريقة البرهنة على السبب، ومعظمهم كانوا يلجأون هنا إلى تقسيمات تحكمية لا مسوغ لها، كما هو الحال في مسألة الواجب والممكن، وبهذا أصبح عالم الأفكار لديهم مطابقًا للعالم الخارجي، وتحوّل الكلي من تعميم منهجي لغايات الفهم إلى كلي مطلق هو الأصل، وأصبحت الماهية المنجزة قانونًا صارمًا خارج الزمان، وعلى الواقع أنْ يتطابق معها، مما يشكل عقبات رئيسة أمام نمو المعرفة العلمية. وقد ارتبط بهذه النزعة موقف محدد تجاه العقل، فهو يمتلك صلاحيات مطلقة في البحث في الشؤون الميتافيزيقية!
ثانيًا: يختلف الفلاسفة الذين ينتمون إلى هذا الأنموذج عن الفلاسفة السابقين، فهؤلاء قبلوا المنطق كمنهجية للفيلسوف، لكنهم لم يقبلوا النتائج التي أُنجزت فلسفيًا من الفلاسفة السابقين، بل يعتقدون أنهم لم يلتزموا كثيرًا بالمبادئ المنطقية وخالفوها، التأويل أحيانًا وقد نبّه ابن رشد تحديدًا إلى أنهم انطلقوا من عالم ما بعد الطبيعة إلى الطبيعة، أي من عالم الأفكار لبناء عالم الوقائع، وهذا ليس صحيحًا، فالأصل أن تكون مبنية استنادًا إلى عالم الوقائع، لكن قبل ابن باجة وابن رشد المنطق دون القيام بأية عملية تقويمية له، اقتناعًا منهم بصدق الصورة الأرسطية، ولم يأخذ الاثنان بمحاولة ابن حزم الذي أجرى تعديلًا جريئًا له في ضوء تبنيه للنظرة الإسمية، ومن ثم على مستوى نظرية الحد لم يعد ابن حزم يسعى للبحث عن الماهيات، والكليات عنده أسماء لا غير، وتميز هؤلاء الفلاسفة بمسألتين، فرقتا بينهم وبين السابقين:ـ
أولًا: لم يمنحوا العقل صلاحيات مطلقة للبحث في الشؤون الميتافيزيقية وفرض ابن حزم الحظر المطلق عليه، أمّا ابن باجة وابن رشد فقبلا فيما يبدو تحديدًا جزئيًا له، إذ في ضوء هذا نفسر رفضهما لنظرية الفيض والعقول.
ثانيًا: تبنى هؤلاء الفلاسفة مبدأ الفصل بين الدين والعقل، فهما نسقان مختلفان من حيث المبدأ، ولم يقبلوا بتأويل الفارابي أو الإلغاء السينوي المشرقي، واختلفوا في تصوير طبيعة العلاقة التي يجب أن تقوم بينهما بعد الفصل، فقد أعطى ابن حزم دورًا محددًا للعقل في الخطاب الشرعي وتجاوز ابن رشد الحدود عندما منح العقل صلاحيات مطلقة في تأويل النص باعتبار أنّ أهل البرهان هم الأقدر على فهمه، وقد رفض الموقف الرشدي من اللاحقين مثل الشاطبي وابن تيمية.
يعتبر هذان المبدءان من المبادئ الرئيسة في العقلانية العلمية، وهو الذي دفعنا إلى تمييزهم عن السابقين فهم حقًا تبنوا العقلانية الصورية، لكنهم رفضوا التأويل الفلسفي الذي قدمه السابقون، وتجاوز ابن حزم الآخرين بصورة خاصة، ويمكن اعتباره نموذجًا لوحده على العقلانية العلمية بين الفلاسفة، وذلك بتبنيه عددًا من القضايا الرئيسة فيها، وهذه القضايا الحزمية هي:
أولًا: قَبِلَ ابن حزم مكتسبات العقلانية الصورانية، وبخاصة المنطق ومبدأ السببية، وهو يقبل هذا الأخير بصورة تامة، فكل التفسيرات عنده سببية، أمّا المنطق فهناك ضرورة في إعادة بناءه من جديد، في ضوء النظرة الاسمية للكليات، ويقبل القياس من حيث هو آلية للبرهان.
ثانيًا: الفصلُ بين عالم الغيب وعالم الإنسان، والإنسان لا يستطيع معرفة قضايا عالم الغيب، وإنما مجاله الخاص به هو عالم الإنسان، لذلك نادى بحظر النشاط الميتافيزيقي على العقل بصورة تامة.
ثالثًا: المعرفة ممكنة، لكن يجب أنْ يدعمها دليل، بمعنى أنّ القضية الصادقة لابد أن يدعمها على الأقل دليل واحد من الأدلة العلمية الأربعة وهي:
1-أوائل الحس. 2- أوائل العقل. 3- التجربة. 4- الخبر الصادق.
وكلُّ قضية مركبة يجب أن يكون بإمكاننا تحليلها إلى قضايا بسيطة مدعومة بهذه الأدلة، فإذا لم يتوافر هذا الشرط، فالقضية كاذبة.