(إن إحدى الإشكالات الكبرى التي تواجهها المؤسسة الدينية(وزارة الشؤون الإسلامية/ هيئة الفتوى) أنه لم يتم فصام وقطيعة مع الأسس التي تغذي أفكار التطرف والغلو، وليس غريبًا أن كتب"عصام البرقاوي -أبومحمد المقدسي"وغيره اعتمدت في تكفير الحكومات الإسلامية قاطبة، وفي تكفير أعضاء هيئة كبار العلماء في السعودية مراجع منها"الدرر السنية في رسائل علماء الدعوة النجدية"والتي كانت توزعها مجانًا الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد"وقراءة سريعة عابرة في مجلدي"الجهاد"و"حكم المرتد"من الدرر السنية ، ولقاءات و حوارات"الشيخ حمد بن عتيق " وسليمان بن سحمان"و"سليمان بن حمدان"و"حمود التويجري " كافية في إعطاء حكم واضح)108.
*استعداء الغرب الكافر ومختلف الدول وتحريكهم ضد هذا البلد وأهله ، وطلب تدخلهم ومساعدتهم:
يقول النقيدان كما في مقالة له في مجلة النيويورك تايمز الأمريكية:
(قبل أسبوع من يوم أمس كان المفترض أن أحضر إلى أحد أقسام الشرطة لأتلقى 75 جلدة على ظهري ، الحكم الذي صدر فيّ من محكمة دينية بسبب مقالات كنت قد كتبتها أدعوا فيها إلى حرية التعبير ، وانتقاد الوهابية ، المذهب الرسمي للمملكة العربية السعودية) 109 ، ومعلوم للجميع سبب صدور هذا الحكم ، وأنه لا علاقة له بمسألة حرية التعبير ، اللهم إلا أن تكون هذه الحرية في قذف الناس والطعن في الأعراض فنعم!
ويقول:
(كما أظهرت الهجمات الأخيرة أننا بحاجة الآن أكثر من أي وقت مضى لمساندة ومساعدة البلدان الأخرى لمساعدتنا للوقوف في وجه الثقافة الدينية المتطرفة والتي تمارس التمييز ضد الأقليات الدينية عندها إضافة للشيعة والصوفية) 110.
هذا ما تيسر جمعه من أقوال النقيدان ومواقفه أسأل الله أن يكون فيها نفع وإفادة في معرفة حقيقة الرجل ودعوته وماذا يريد وما هو الموقف الشرعي الصحيح منه ومن نظرائه وقرنائه والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
نهاية التاريخ أم نهاية الإنسان أم سقوط حضارة
(1) نهاية التاريخ
الزعم بنهاية التاريخ ، هو ما ادعاه المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما: وهو النائب السابق لمدير مجموعة تخطيط السياسة بوزارة الخارجية الأمريكية
وقدم أطروحته تلك أولا: في محاضرة ألقاها بهذا العنوان"نهاية التاريخ"خلال السنة الدراسية 88\1989 بمركز مختص بالبحث في ( نظرية وتطبيق الديموقراطية بجامعة شيكاغو) ، ثم تحولت المحاضرة إلى مقال شهير بمجلة ناشيونال إنتيريست ، ثم تحولت إلى كتاب نشرته دار النشر فيريبريس ، وقام بترجمة الكتاب إلى العربية الدكتور حسين أحمد أمين ونشره"مركز الأهرام للترجمة والنشر"، الطبعة الأولى 1993
وقد ذهب المؤلف في كتابه إلى أن الديموقرطية الليبرالية تشكل"نقطة النهاية في التطور الأيديولوجي للإنسانية ، والصورةَ النهائية لنظام الحكم البشري وبالتالي فهي تمثل نهاية التاريخ"، وبعبارة أخرى فإنه - كما يقول فوكوياما - إنه بينما شابت أشكالَ الحكم السابقة عيوبٌ خطيرة أدت إلى سقوطها فإن الديموقراطية الليبرالية يمكن القول بأنها خالية من مثل تلك التناقضات الأساسية الداخلية
ولم يكن يقصد فوكوياما بنهاية التاريخ نهاية وقوع الأحداث ، بما في ذلك الأحداث الخطيرة والجسام ، وإنما يقصد ( التاريخ من حيث هو عملية مفردة متلاحمة وتطورية ، لتجارب كافة الشعوب في جميع العصور ) ص8
وقد ارتبط هذا الفهم للتاريخ من قبل بكل من الفيلسوف الألماني هيجل ، وماركس ، فعند هذين المفكرين: أن ثمة تطورا متلاحما للمجتمعات البشرية من مجتمعات قبلية بسيطة قائمة على العبودية وزراعة الكفاف ، إلى مختلف أشكال الحكومات الدينية والملكية والأرستوقراطية الإقطاعية ، وانتهاء بالديموقراطية الليبرالية الحديثة والرأسمالية القائمة على التكنولوجيا عند هيجل ، والشيوعية من بعد ذلك عند ماركس .
كان في اعتقاد كل من هيجل وماركس أن تطور المجتمعات ليس إلى ما لانهاية ، بل إنه سيتوقف حين تصل البشرية إلى شكل من أشكال المجتمع يشبع احتياجاتها الأساسية والرئيسية وهكذا افترض الاثنان أن للتاريخ نهاية: هي عند هيجل الدولة الليبرالية ، وعند ماركس المجتمع الشيوعي ، وليس معنى هذا أن تنتهي الدورة الطبيعية للحياة والأحداث وإنما يعني هذا أنه لن يكون ثمة مجال لمزيد من التقدم في تطور المبادئ والأنظمة الأساسية ، وذلك لأن كافة المسائل الكبيرة حقا ستكون قد حلت . ص 9
ثم يصل فوكوياما إلى أن يقول في كتابه: إن لنا ونحن نودع القرن العشرين أن نعود إلى تأكيد ما قرره هيجل من قبل وهو: أن تاريخ البشرية يتجه بالشطر الأعظم من البشرية صوب الديموقراطية الليبرالية كنهاية للتطور التاريخي ، وذلك لسببين: الأول يتصل بالاقتصاد ومن ثم بالعلوم الطبيعية الحديثة ، والثاني يتصل بما يسمى"الصراع من أجل الاعتراف ونيل التقدير والاحترام"ص 9، فالبشر لا يرغبون في الرفاهية المادية فحسب ، وإنما يسعون إلى الاعتراف بمكانتهم وكرامتهم من جانب غيرهم من البشر .
فمن ناحية السبب الأول: نجد أن المبادئ الليبرالية في الاقتصاد - أي السوق الحرة - قد انتشرت ونجحت في خلق مستويات من الرخاء المادي لم نعهدها من قبل سواء في الدول المتقدمة أو العالم الثالث .
ولذلك أثره الكبير في استقرار الديموقراطية على أساس فرضيات ثلاثة تقوم عليها السياسة الخارجية الأمريكية: الفرضية الأولى: ( أن الديموقراطيات الليبرالية لا تميل إلى محاربة بعضها ) ولذلك له أثره الكبير في توسيع دائرة منطقة السلم في العالم ، الفرضية الثانية أنه ليس هناك مثال تاريخي واحد لأية دولة ديموقراطية ارتدت إلى السلطوية بعد وصول مستوى الفرد فيها إلى ما فوق مستوى 6 آلاف دولار من الناتج المحلي لسنة 1992 ، والفرضية الثالثة: أن أفضل طريقة لتشجيع النمو الاقتصادي هي دمج الدولة دمجا كاملا في النظام الرأسمالي الليبرالي للتجارة والاستثمار ) .
وتأتي هنا أهمية التقدم العلمي ( حيث تخلق آفاقا متجانسة من إمكانات الإنتاج الاقتصادي ، فالتكنولوجيا تتيح إمكانية تراكم الثروة بغير حدود ، وتتيح بالتالي إمكانية إشباع قدر متزايد دوما من الرغبات الإنسانية ، ولا شك في أن هذه العملية تضمن تجانسا متزايدا بين كافة المجتمعات البشرية بغض النظر عن أصولها التاريخية أو تراثها الحضاري .. وقد زادت الروابط التي تربط بين مثل هذه المجتمعات بفضل الأسواق العالمية وانتشار الثقافة الاستهلاكية في العالم كله ) ص 11
غير أن هذا العامل الاقتصادي لا يكفي وحده للوصول إلى نهاية التاريخ من وجهة نظر الديموقراطية الليبرالية ، لأنه ( ثمة حالات عديدة أمكن فيها للدول الديكتاتورية الوصول إلى معدلات نمو اقتصادي لم تتمكن المجتمعات الديموقراطية من تحقيقها ) ص 11 وذلك لأن الإنسان عند فوكوياما ( ليس مجرد حيوان اقتصادي ) ص 12
ومن هنا يتبين لفوكوياما أهمية العنصر الثاني الذي يحرك التاريخ وهو الرغبة الأساسية لدى الإنسان في الحصول على اعتراف الغير به واحترامه ، وهو الأمر الذي لا يوفره التقدم الاقتصادي في ظل الدول الديكتاتورية ، فكانت نهاية التاريخ من ثم لا يمكن أن تتم في ظل التصور الماركسي ، وكان لابد من توقعها في ظل تحقيق المجتمعات الديموقراطية الليبرالية بزعم أنها هي التي تحقق العنصرين معا: التقدم الاقتصادي ، والحصول على الإحساس بالرضا وعزة النفس .