وبهذا الحساب الدقيق للزمن واستثماره والاستثمار المفيد، حافظ المسلمون الأوائل على توجيهات ربهم، وطبقوا تعاليم دينهم، وأقاموا أحكام شريعتهم، فأسسوا للدنيا حضارة شامخة، ومجدًا تليدًا, ولا نستغرب اليوم عندما نسمع أو نقرأ أن العالم الفلاني ألف من الكتب ما يربو على '300 كتاب أو 400' أو أكثر، ولكن تزول الدهشة عندما ندرك أنهم استثمروا وقتهم وشغلوا فراغهم، فتركوا لنا مصنفات دقيقة مختلفة الأجناس والأطعمة العقلية، فها نحن الآن نعكف على دراستها والتزود منها:
حقًا قال صلى الله عليه وسلم: 'نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ'. إن الإنسان يأتي عليه حين من الدهر، يدرك فيه أهمية الوقت ويتحسر على ما فات منه وضيعه، ولكن لات حين مندم، ثم إن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم يقتضي ويستوجب التأسي بهديه وسنته قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} ومن الخطأ أن نزعم أن هذا التأسي يتحقق ويحصل حينما نصلى كهيئته أو نصوم كصومه أو نحج كحجه، بل يجب أن نتمسك بخلقه في شؤوننا كلها، يجب أن نقضي أوقاتنا كما كان صلى الله عليه وسلم يقضيها, إما في عمل يرضي الله أو في عمل يصلح به دنياه، فالوقت الوقت يا عباد الله.
في التاريخ .. فكرة ومنهاج
الثلاثاء 14 شعبان 1425 هـ - 28 سبتمبر 2004 م
صحوَة ليسَ بَعدَهَا سُبَات:
لو كان مقدرًا للعالم الإسلامي أن يموت .. لمات في خلال القرون الطويلة التي مرت به، وهو مكبل بالقيود وهو في حالة إعياء عن الحركة، بعد أن حمل عبء الحضارة الإنسانية طويلًا، وبعد أن تعب فاسترخى ونام، والاستعمار الغربي إذ ذاك فتى، فتهيأت له الفرصة، ودانت له معظم أطراف الأرض. وكان ثقله كله على صدر العالم الإسلامي النائم!
لو كان مقدرًا للعالم الإسلامي أن يموت .. لمات في خلال فترة الاسترخاء والإعياء. وفي إبان فتوة الاستعمار وقوته ... ولكنه لم يمت ... بل انتفض حيًا كالمارد الجبار، يحطم أغلاله وينقض أثقاله، ويتحدى الاستعمار الذي شاخ.
وحيثما مد الإنسان بصره؛ شعر بهذه الانتفاضة الحية، وشعر بالحركة والتوفر للنضال، حتى الشعوب التي ما تزال في أعقاب دور الاسترخاء .. حتى هذه الشعوب يدرك المتأمل في أحوالها أن الحياة تدب في أوصالها ويرى خلال الرماد وميض نار، توشك أن يكون لها ضرام.
ما الذي احتفظ لهذه الشعوب بحيويتها الكامنة بعد قرون طويلة من النوم والاسترخاء ومن الضعف والخمود، ومن الضغط والقسر، ومن الاحتلال البغيض الذي بذل جهده لتقطيع أوصالها وإخماد أنفاسها.
إنه عقيدتها القوية العميقة، هذه العقيدة التي لم يستطع الاستعمار قتلها على الرغم من جهود الاستعمار الفكري والروحي، والاجتماعي والسياسي ... هذه العقيدة التي تدعو معتنقيها إلى الاستعلاء؛ لأن العزة لله، ولرسوله، وللمؤمنين. كما تدعوهم إلى المقاومة والكفاح لتحقيق هذا الاستعلاء، وعدم الخضوع للقاهرين، أيًا كانت قوتهم المادية؛ لأن القوة المادية وحدها لا تخيف المؤمنين بالله، جبار السماوات والأرض، القاهر فوق عباده أجمعين.
هذه العقيدة الحية هي التي حفظت لهذه الشعوب قوتها الكامنة، وبعثتها بعثًا جديدًا. والذي يراجع جميع النهضات و الانبعاثات التي قامت في هذه الرقعة لمقاومة الاستعمار يجدها تستند أصلًا إلى هذه العقيدة.
هذه حقيقة كبيرة تستحق الالتفات لكي ندرك قيمة هذه العقيدة في كفاحنا، ولكي ندرك أن الاستعمار لم يكن عابثًا، وهو يحاول تحطيم هذه العقيدة، وتحطيم دعاتها في كل أنحاء العالم الإسلامي. فالاستعمار كان يدرك خطر هذه العقيدة على وجوده، وما قدره الاستعمار كان حقًا، وقد وجده حقًا، والصيحات تأخذه من كل جانب، وأصحاب العقيدة في الله القهار يقودون الصفوف المكافحة ضد الاستعمار.
وإن يوم الخلاص لقريب. وإن الفجر ليبعث خيوطه. وإن النور سيتشقق به الأفق. ولن ينام هذا العالم الإسلامي بعد صحوته، ولن يموت هذا العالم الإسلامي بعد بعثه. ولو كان مقدرًا له الموت لمات. ولن تموت العقيدة الحية التي قادته في كفاحه؛ لأنها من روح الله، والله حي لا يموت.
التجديد مهمة الإسلام:
مهمة الإسلام دائمًا أن يدفع بالحياة إلى التجدد، وأن يدفع بالطاقات البشرية إلى الانطلاق والارتفاع. إن الإسلام لا ينكر أن في البشرية ضعفًا. ولكنه يدرك كذلك أن في البشرية قوة ويدرك أن مهمته هي تغليب القوة على الضعف، ومحاولة رفع البشرية وتطويرها وترقيتها. لا تبرير ضعفها أو تزيينه.
الإسلاَم حركة إبدَاعِيَّة شامِلَة:
يصعب أن نفهم أي جانب منفرد من جوانب الإسلام المتعددة، ما لم نفهم طبيعة الإسلام، كوحدة متكاملة .. ليس الإسلام شعائر تؤدى فحسب، وليس الإسلام دعوة أخلاقية فحسب، كذلك ليس الإسلام مجرد نظام للحكم، أو نظام للاقتصاد، أو نظام للعلاقات الدولية .. إن هذه كلها جوانب منفردة من جوانب الإسلام المتعددة، ولكنها ليست هي كل الإسلام.
إن الإسلام حركة إبداعية خالقة، تستهدف إنشاء حياة إنسانية غير معهودة قبل الإسلام، وغير معهودة في سائر النظم الأخرى التي سبقت الإسلام، أو لحقته .. تلك الحركة الإبداعية تنشأ عن تصور معين للحياة بكل قيمها وكل ارتباطاتها، تصور جاء به الإسلام ابتداء، وهي حركة تبدأ في أعماق الضمير ثم تحقق نفسها في عالم الواقع، ولا يتم تمامها إلا حين تتحقق في عالم الواقع. وفي طبيعة النفس البشرية استعداد لتحقيقه، حين تستجيب لدعوته، وحين تتأثر به تأثرًا إيجابيًا لا يكتفي بالمشاعر، أو الشعائر.
وحين تستقر العقيدة الإسلامية في الضمير البشري استقرارًا حقيقيًا، فإنه يستحيل أن تظل مجرد شعور وجداني في أعماق الضمير. إنها لا بد أن تندفع لتحقيق ذاتها في عالم الواقع، ولتتمثل حركة إيجابية تبدع الحياة كلها، وما ينشأ عنها من ألوان وأطياف وتعمير.
ورجال الصدر الأول - رضوان الله عليهم - عندما تلقوا القرآن تلقيًا حقيقيًا؛ شعروا أن كيانهم النفسي كله يتزلزل ليعاد تركيبه من جديد، وفق ذلك التصور الجديد الذي جاءهم به الإسلام، وأن الكيان القديم الذي بني في الجاهلية، وفق تصورات معينة للحياة، ووفق واقع معين للحياة، لا يمكن أن يرقع ترقيعًا بالتصور الإسلامي الجديد، بل لا بد من زلزلةٍ وتصدعٍ كاملين في الكيان القديم، ليعاد إنشاؤه وفق هندسة جديدة، ووفق تصميم جديد .. لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ... [21] } [سورة الحشر] .
ولقد تصدع ما هو أقوى من الجبل، تصدع كيان النفس البشرية التي مسها هذا القرآن مسًا حقيقيًا، ليعاد تركيبها على نسق غير مسبوق.
محال إذن حين تتم العقيدة الإسلامية في قلب أن تظل قابعة سلبية في هذا القلب، أو أن تتحول إلى عبادات وشعائر، ثم تنتهي هناك، إنها لا بد أن تنطلق محاولة إبداع الحياة كلها وفق التصور الإسلامي للحياة، وفي الطريق تأخذ العبادات والشعائر؛ لأنها القاعدة التي تقوم عليها الصلة بين القلب البشري وخالقه، هذه الصلة التي يستمد منها العون والتصميم والاندفاع.
وقد يكون طريق الإبداع للحياة الجديدة هو تطويرها ولكنه لن يكون ترقيعها، وفرق بين أن يكون لديك تصميم معين للبناء تنفذه شيئًا فشيئًا، وأن ترقع بناء قائمًا على تصميم آخر، إن هذا الترقيع لن يحقق لك في النهاية بناء جديدًا!.