فهرس الكتاب

الصفحة 1441 من 1942

ولم يعرف التاريخ أمة من الأمم اهتمت شريعتها بالزمن، وحثت على اغتنامه قبل ضياعه، مثل الأمة الإسلامية، وذلك لأن الزمن هو الحياة، هو العمل والإنتاج، هو التطور العلمي في تشييد الحضارات وازدهارها، وهو كذلك التطور العلمي في جميع فروع العلم، هو التقدم التقني في مجال الاختراع والإبداع، ولذا نقول: عصر الصناعة، موجود ومسخر لخدمة الإنسان, والبشر لم يصلوا إليه، ولم يتعرفوا على ما فيه من طبقات وأجرام، إلا في هذا الوقت، بتقدم علمهم، والحرص على وقتهم، فاغتنموه حتى لا يذهب سدى، فتندموا حين لا ينفع الندم، وكذلك فإن الأيام هي الأيام لم تزد ولم تنقص، لا من حيث العدد، ولا من حيث المساحة الزمنية اليومية، والشهور والأعوام لم يتبدل فيها شيء ـ إلا الناس ـ شمس تشرق وتغيب، وهلال يهل ثم يقمر، ثم يتناقص ثم يختفي، وهكذا حياة الأقوام.

هذا هو الزمن وتلك هي حياة الإنسان، يولد صغيرًا ضعيفًا فيشيخ، هكذا هي حياة الإنسان، ثم يختفي، وكأن لم يكن.

ومن رغب في أن يخلد ذكره، وينفع نفسه في دنياه وآخرته، ويسعد الآخرين في حياته وبعد مماته فلينتهز فرصة وجوده في الحياة، وليزين هذه المدة المحدودة بالعمل، وها هو رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يحث أمته على انتهاز الوقت قبل فواته، فيقول: 'اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك'. ويقول أيضًا: 'نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ'.

ها هو الرسول يوصي باستثمار الوقت؛ لأن الوقت هو المادة الخام الطيِّعة للإنسان، والتي يقدر على تشكليها حسبما يرى ويهوى، فهو يستطيع استثمارها فيما يعود عليه شخصيًا، وعلى أسرته ومجتمعه وأمته والإنسانية كافة بالفائدة الجمة، فيفيد هو علمًا ونشاطًا وصحة وذكرًا بين العالمين، ويفيد غيره رفاهية وأمنًا وحياة مستقرة، توفر لهم الغذاء والكساء والسكن والصحة والسلامة من كل ما يعتري الحياة من نكبات.

وفي مقابل ذلك يستطيع أن يهدر وقته، فيذهب هباءً منثورًا لا فائدة حاضرة، ولا خير يُرتجى مستقبلًا، ويصبح هو ومن على شاكلته أشقى من أظلتهم السماء، وأقلتهم الغبراء يتكففون الناس أعطوهم أو منعوهم, وما درى المسكين أنه هو السبب الأول والأخير في هذه الحياة المهينة التي يحياها.

وذلك بإهدارنا لزماننا، ولو جئنا إلى كتاب الله العزيز لوجدنا أن الله تعرض لذكر الساعة إلى القرن والقرون، وأقسم به في بداية بعض السور، مثل: والفجر والليل، والضحى، وذكره كثيرًا في داخل السور أيضًا، وقد سميت سورة فيه بسورة العصر: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:1ـ3] .

فليس المقصود هنا إنسانًا معينًا وإنما المراد جنس الإنسان.

فـ [أل] هنا ليست للتعريف والتحديد، وإنما هي للعموم لتشمل جميع بني آدم، ذكورهم وإناثهم.

فكل من أهمل عمره ـ وقته ـ هو في خسران مبين في فقر ومذلة، ومرض وجهل، وتخلف، هو في عوز لكل ما تقوم به الحياة الإنسانية، ثم استثنى الله ـ تبارك وتعالى ـ من جنس الإنسان، استثنى الذين أفردوه بالألوهية، وخصوه بالعبادة، ثم يخبرنا الله أن الإيمان القلبي وحده لا يكفي، بل لا بد أن يضاف إليه العمل الخارجي النافع، والعمل معناه الاستفادة من الوقت.

فيقضونه فيما يجنون منه فوائد لهم ولغيرهم، وتواصوا بالصبر في مواجهة متاعب الحياة كي يعيشوا أعزة.

أما الذين استلذوا الكسل 'الكسل أحلى من العسل' واستمرءوا حلاوة البطالة، والذين لا يصبرون على تحمل المشاق، ومكابدة الصعاب، وتخور قواهم لأدنى نصب، فهؤلاء جميعًا تلفظهم الحياة، وتدوسهم الأقدام وتلعنهم الأرض التي يحيون عليها، ويتجاوزهم الركب الحضاري غير مأسوف عليهم، لأنهم رضوا لأنفسهم بالتخلف عن المشاركة في بناء الحضارات.

وعندما يضرب الله لنا الأمثال في القرآن الكريم بالأمم السابقة، التي سادت ثم بادت، ويطلعنا على ما حل بهم من عقاب، كما يخبرنا بما كانوا عليه من القوة والبأس وأن آثارهم في الأرض باقية من بعدهم، وهي خير شاهد على اغتنامهم لأزمانهم وقضائها في أعمال مثمرة، يقول تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ} [غافر:82] ، وكقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ} [الفجر:6ـ10] فإن هؤلاء الأقوام لم يكن هلاكهم بسبب كسلهم وتباطؤهم عن أعمالهم، وإنما كان بسبب جحودهم للنعم التي أنعم بها عليهم.

لنتعظ، ولنحِدْ عن الطريق الذي سلكوه، من حيث الاعتقاد والعبادة، أما من حيث العمل، واستغلال الوقت، والالتزام بتعمير الأرض، وتشييد الحضارات والمساهمة بنصيب وافر في التقدم العلمي الإنساني، فقد كانوا على قدر عظيم منها، وها هي الآيات من 6 حتى 10 من سورة الفجر تنطق بذلك صراحة، فقد كانت ثمود، قوم صالح ـ عليه السلام ـ ينحتون من الجبال بيوتًا فارهين، كما كانوا ذوي مزارع ونخل هضيم، وعاد قوم هود كانوا ذوي مصانع ومزارع, والحضارة الفرعونية لا زالت آثارها ـ أهراماتها ـ تشهد لهم بذلك إلى يومنا هذا وإلى ما شاء الله من الزمان القادم، وكذلك الحضارات الإغريقية والرومانية، والهندية، والبابلية، والفينيقية، والفارسية والإسلامية، كل واحدة قد ساهم معاصروها في بناء الحضارة العالمية، التي هي أطوار, كل عصر يشيد دورًا من أدوارها بسواعد أبنائه، فخُلِّدوا في التاريخ, وإذا كان المثل يقول: 'اطلب الموت توهب لك الحياة', فأقول لك أخي القارئ: 'اغتنم الوقت يوهب لك الخلود، والذكر الحسن'.

وإذا كان القرآن تعرض للزمن فأورده بكل جزئياته، فإن الزمن غير مقصود لذاته، وإنما المقصود أهله الذين عاشوا فيه، ماذا قدموا لأنفسهم؟ بحيث جنبوها مواقع الإهانة والاحتقار، وماذا أهدوا لغيرهم من المجتمعات الحاضرة واللاحقة، من بدائع الصنع، والابتكار، يبغون بها السبق والفخار، وهل قاموا بواجب الخلافة في الأرض، أم أنهم عاشوا وماتوا، وكأنهم لم يولدوا لأنهم لم يتركوا شيئًا تذكرهم الأجيال القادمة به؟

إن العلماء لم يولدوا علماء، ولا المشهورين ولدوا مشهورين، وإنما ولدوا مثل المواليد الآخرين، ولكنهم عرفوا كيف يستغلون وقتهم علمًا وعملًا، فأصبحوا علماء مشهورين، وهذا هو الفارق بين العالم المشهور والخامل المغمور.

ومن هنا فإن المؤمن الواعي يحس في أعماق نفسه أنه في سباق مع النهاية المحتومة، وهذا الإحساس يدفعه لأن يسجل لنفسه أكبر قدر من العمل الصالح، الذي يحتاجه في حياته وبعد مماته، ولذا يحضنا الرسول صلى الله عليه وسلم على اغتنام الوقت والاستفادة منه، وإن الموت ليس هو النهاية، بل إن الإنسان محاسب يوم القيامة على وقته الدنيوي، فيمَ قضاه؟ يقول عليه الصلاة والسلام: 'لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيمَ أفناه، وعن شبابه فيمَ أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيمَ أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به'.

والمسلم لا بد أن يحسن في ضوء مفهوم التوجيه الرباني بمشكلة الانتفاع بالوقت، بل الاستفادة من كل لحظة من لحظاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت