وهذا ظاهر جدًا بالتتبع والاستقراء، حتى بعد نتشار الإسلام، ومن شك في ذلك فليقرأ التاريخ، وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى وغيره؛ إن الكفار كانوا في قتالهم مع المسلمين أكثر عددًا وعدة دائمًا، والذي يقرأ ويدرس أمهات معارك المسلمين يعلم جيدًا أن الفرق بين القوتين يكون دائمًا كبيرًا وفي صالح الكفار.
لذلك كان عمر رضي الله عنه يوصي جيوشه فيقول: (إنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم، فإذا استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا) .
والله ما فتحوا البلاد بكثرة ... ... أنّى؟ وأعداهم بلا حسبان
فمما يدل على أن قوة الكافرين كانت دائمًا أكبر من قوة المسلمين - ماديًا - أمور كثيرة، منها:
-لو درست معركتي القادسية واليرموك والتي بها قضى الصحابة رضوان الله عليهم على قوتي فارس والروم، لتبين لك أن أعداد الكفار وعتادهم أضعاف أضعاف أعداد المسلمين وعتادهم، كذلك الأمر فيما بعدها من المعارك كنهاوند، وكالفتوح التي أتت بعد الصحابة، وكالمعارك المتأخرة مثل حطين والزلاقة وغيرها، هذا فيما يتعلق بالقوة العسكرية.
-أما الناحية العمرانية، فنكتفي بمثالين:
أما الأول: فإن هارون الرشيد حاول هدم"أيوان كسرى"، فلم يستطع، والهدم أيسر - ولا مقارنة - من البناء.
والثاني: أن المأمون بعده أيضًا حاول هدم الأهرامات، فلم يستطع كذلك.
وما ذلك إلا لقوة هذين الصرحين وقدرة من بناهما (1) .
-وكذلك فإن الصحابة قد استفادوا من الفرس من الناحية التنظيمية، الدواوين وكالكتابة ونحوها، فإن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا أميين في الجملة، ولم يكن ذلك نقصًا في حقهم بل كان إلى الكمال أقرب، كما أن كمال النبي صلى الله عليه وسلم في أميته.
فالحاصل؛ إن قوة الكافرين اليوم وتمكنهم من هذه العلوم ليست غريبة عنهم، بل إن تمكنهم فيها منذ القدم، وإن حصل تطور عن ذلك، ولكن المؤكد أنهم برعوا فيها منذ القدم، وقد قدمت بعض الشواهد على ذلك.
وقد يرد سؤال عند هذا، وهو؛ إذا كان الكفار أقوى من المسلمين منذ القدم عددًا وعتادًا وعمرانًا، فكيف كانت الدولة بالأمس للمسلمين واليوم للكافرين؟
فجواب هذا يكون بذكر الأصل الثالث؛ وهو:"إن قوة المسلمين بإيمانهم لا بدنياهم".
وهذا ظاهر، ولو ذهبت أستقصي الآيات والأحاديث والآثار التي تثبت هذا الأصل لطال المقام، لذلك تجد أن الإيمان إذا ثبت وتأصّل في النفوس؛ فإن الله سبحانه ينصر عباده كما فعل في معارك الرسول صلى الله عليه وسلم وإمداده لهم بالملائكة في بدرٍ وحنين.
لذلك كان عمر رضي الله عنه يقول: (نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله) .
ولما كان الصحابة رضوان الله عليهم النموذج الأمثل في تطبيق الإسلام؛ كانوا - كما قال عنهم بعض التابعين: (لا يثبت لهم العدو فواق ناقة عند اللقاء) .
هذا وإن قتال حزب الله بال ... أعمال لا بكتائب الشجعانِ
والله ما فتحوا البلاد بكثرة ... ... أنّى؟! وأعداهم بلا حسبانِ
فعزة المسلمين وقوتهم بإيمانهم، فإنهم ينصرون به، وما السلاح إلا وسيلة فقط، لذلك فإن الله سبحانه وتعالى قال: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ} [سورة الأنفال: 60] ، فإنه سبحانه أمر بإعداد المستطاع فقط، ولم يأمر المسلمين بأن يعدو من السلاح مثل ما أعده الكافرون أو أكثر من ذلك، فلو لم يستطع المسلمون إلا على الحجارة فأعدوها مع إيمانهم الصادق؛ لنصرهم الله، ولعل هذا الأمر يتضح بإمداد الله سبحانه للمسلمين بالملائكة في بدر وحنين، وكما مشى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وجنده على الماء وكذلك العلاء بن الحضرمي، ولعل هذا الأمر يتضح بصورة أكثر في مساعدة الحجر والشجر للمسلمين في قتالهم مع اليهود قبل قيام الساعة - كما ورد في الحديث الصحيح -
لذلك فاعلم أن ذل المسلمين اليوم ليس لجهلهم بهذه العلوم، فإنهم كانوا في القرون المفضلة - وقت الحضارة - أجهل بها، ولكن هذه الزلة ضربها الله عليهم لما أعرضوا عن دينه، أن تسليط الكافرين اليوم على المسلمين إنما هو فتنة لهم وعقوبة.
والله أعلم
فإن السبيل للرجوع إلى حضارة الإسلام الأولى؛ إنما تكون بإتباع السلف في العناية بالأعمال الصالحة والعلوم الشرعية والقيام بالجهاد والزهد في الدنيا.
وقد أخطأ كلَّ الخطأ؛ من رأى أن السبيل إنما يكون بأخذ صناعات الكافرين وتعلمها وتعليمها ونشرها بين المسلمين، لأنه لا بد من معرفة الداء قبل أن يوصف الدواء، وداء المسلمين اليوم هو البعد عن دين الله وعن منهج السلف، فلو أنهم التزموا دين الله على منهج السلف لكان هذا الدواء بإذن الله تعالى.
وكما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: (لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها) .
والله أعلم
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجميعن
(1) ولذلك عقد ابن خلدون في مقدمته فصلًا [ص 358] بأن المباني والمصانع في الملة الإسلامية قليلة بالنسبة إلى قدرتها وإلى من كان قبلها من الدول، وذكر هذين المثالين في مقدمته.
الفهرس العام
الباب الرابع -كيف نبني حضارتنا الإسلامية؟ ... 1
الاستباق في الخيرات ... 1
العمل والجزاء ... 3
الفطرة والتنافس ... 4
التنافس الزائف ... 4
التنافس والإبتلاء ... 5
الحوافز الاجتماعية ... 7
المطلوب: بناء مجتمع حيوي ... 13
الصفوة الرسالية .. أولًا ... 18
التكامل العضوي والتنظيم الداخلي ... 27
البرامج الروحية والبناء الحضاري ... 34
الجهاد من أجل التقدم ... 42
مراحل الحضارة ... 48
أنظمة التطهير الذاتي في المجتمع ... 55
التطلع لنشر العدالة في الأرض ... 61
طاعة القيادة الرشيدة ... 68
التنظيم ركيزة البناء الحضاري ... 74
الباب الخامس- قيم التقدم في المجتمع الإسلامي ... 83
خلاص الإنسان .. أين ؟ ... 84
قيم البناء والتقدم ... 89
لكي لا نخضع للأغلال ... 95
الانتماء الاجتماعي والتغيير ... 101
الطليعة المؤمنة ... 108
التقوى قاعدة المجتمع ... 116
التقوى ضمانة الاستقامة ... 124
ماذا عن زينة الحياة الدنيا ؟ ... 132
التحرر من سلطة الثروة ... 139
الباب السادس ... 147
حقيقة الحضارة الإسلامية ... 147
المقدمة ... 147
الفصل الأول -الحضارة الإسلامية والعلم الشرعي ... 148
الفصل الثاني -العلوم الدنيوية التي قيل إن المسلمين برعوا فيها ... 152
الفصل الثالث - (1) الكيمياء في السابق؛ يختلف عن كيمياء اليوم - بعض الشيء - ... 158
العلماء المسلمين الذين قيل إنهم برعوا في تلك العلوم ... 159
الفصل الرابع -الشبهات التي قد ترد حول هذا الموضوع وردها ... 167