فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 1942

وعلى سبيل المثال، فإن حكام المغرب الأوسط (الجزائر) خلال القرن الخامس والسادس للهجرة كانوا يرعون العلماء والشعراء، ويغرونهم بالقدوم عليهم، ويجودون عليهم بالعطاء جودًا حاتميًا، وكان أبرز حكام الجزائر على الإطلاق خلال القرن الخامس الهجري"الناصر بن علناس الحمادي"أطول الملوك باعًا في هذا المضمار، فقد كان يؤمه الأدباء، ويقصده الشعراء، فيغدق صلاته عليهم.

وكان الأمير"المنصور بن الناصر بن علناس"الذي خلف أباه الناصر على حكم الجزائر، يكتب ويقول الشعر، ويشجع الأدباء والشعراء.

وكانت حركة الانتقال المتاحة بين العواصم الإسلامية (دون جوازات سفر أو تأشيرات دخول وخروج) ، كانت هذه الحركة الانتقالية التي غلب عليها طابع البعثات والرحلات العلمية، من أبرز العوامل في إذكاء روح النشاط الثقافي.

وهي ظاهرة عامة في العالم الإسلامي كله خلال هذه العصور بدرجات متفاوتة بين شعوب وحكومات هذا العالم، ولربما كانت هذه الظاهرة أقوى في عالمي المغرب والأندلس عنها في المشرق، نظرًا لشعور أبناء المشرق بأنهم المصدر والأصل الذي يجب أن تشد إليه الرحال ويسعى إليه، وأيضًا لشعور المغاربة بمكانة إخوانهم (المشارقة) في الحضارة الإسلامية.

لقد كانت حدود الأقاليم غير ذات أهمية وهي لم تمثل حاجزًا أو فاصلًا بين العلماء والأدباء والكتاب والشعراء، بل كانت الأفكار في العالم الإسلامي متصلة كما تعكس تقاربًا ثقافيا يعتبر خصيصة كبرى من خصائص الحضارة الإسلامية في عصور الازدهار.

وفي الموسوعات العلمية الكبرى لهذه القرون تأكيد واضح لبروز هذه الظاهرة ودورها الإيجابي في خلق وحدة فكرية في العالم الإسلامي كله، فابن بسام يفرد القسم الرابع من موسوعته"الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة" (القسم الرابع من المجلد الأول) ، لمن هاجر إلى الجزيرة"أي الأندلس"من الآفاق وطرأ عليها من شعراء الشام والعراق، ويشتمل هذا القسم على تراجم لهؤلاء الرحالة الشعراء في القرن الخامس الهجري، وحتى وفاة ابن بسام سنة 542هـ قريبًا من منتصف القرن السادس الهجري.

والمقري صاحب موسوعة"نفح الطيب"يورد لنا نحوًا من مائتين وخمسين ترجمة لمن رحلوا عن الأندلس إلى المشرق من العلماء والأدباء والفقهاء، ويورد لنا أيضًا قريبًا من خمس وسبعين ترجمة لمن رحلوا من المشرق إلى الأندلس.

وفي كتاب"الصلة"لأبي القاسم خلف بن عبد الملك الشهير بـ"ابن بشكوال"المتوفى سنة 578هـ، نلحظ الظاهرة نفسها، فأغلبية المترجم لهم رحلوا إلى المشرق، وكثير من المشارقة زاروا الأندلس، وقد ألحقهم ابن بشكوال بقائمته التي أطلق عليها اسم"الغرباء"!!

وفي"التكملة"لابن الأبار، وفي"وفيات الأعيان"لابن خلكان، و"فوات الوفيات"للصفدي، وفي"جذوة المقتبس"للحميدي، وفي غيرها من المصادر، نستطيع التأكد من هذه الظاهرة على نحو واضح.

ويذكر"ناصر خسرو"أنه رأى سنة 441هـ 1049م، وهو بمصر، بعثة للبحث عن الآثار الفرعونية (جماعات من المطالبين) ، قادته من الشام والمغرب.

كما أن المشاهير كانوا يتبوأون مركزهم الثقافي على امتداد العالم الإسلامي كله، و"ناصر خسرو"يذكر لنا أن أفاضل الشام والمغرب والعراق يقرون بأن"أبا العلاء المعري"أديب عصرهم بلا منازع.

وحين يورد لنا"المقري التلمساني"حياة الأزدي الحميدي صاحب"جذوة المقتبس"المذكور آنفًا، يخيل إلينا أننا أمام مواطن عالمي منوع غريب؛ فقد عاش وطلب العلم في كل من الأندلس ومصر ودمشق ومكة المكرمة وواسط وبغداد، وغيرها!!

فنحن بإيجاز شديد أمام ظاهرة يمكن أن نسميها بـ (الوحدة الحضارية) حتى وإن كان ثمة تفكك سياسي منتشر.

وهذه الوحدة الحضارية صهرت المغرب العربي في بوتقتها ولم تلبث أن جعلت انتماءه للحضارة الإسلامية انتماء وجود وكيان ومصير.

وفي ضوء هذا الذي ذكرناه بإيجاز تبدو محاولات الفصل بين العربي والبربر، وهي كذلك بين كل الأجناس الإسلامية في الحقيقة. عملية فصل بين أجزاء جسد واحد، وحضارة إسلامية تقوم في بنيتها الأساسية على الوحدة والتوحيد.

(الشبكة الإسلامية) د . عبد الحليم عويس

إن تاريخنا الإسلامي هو أفضل تاريخ عرفته الأرض·· عبر مساحة التاريخ المدوَّن !! وهذه الحقيقة تتجلى عندما ننظر إليها في سياق بشريته، (فهو تاريخ بشر) ··· وعندما ننظر إليه بالجملة، لا بالوقوف المتربص الحاقد عند نقطة معينة ، ففي حياة كل إنسان ـ عظيمًا أو عاديًا ـ هفوات·

والتاريخ هو حياة مجموع البشر أو الناس الأحياء، وليس رصدًا لتاريخ أوهام أسطورية··· بل هو تاريخ ناس واقعيين ··· عاشوا على الأرض، وكانت لهم أشواق روحية، وغرائز بشرية!!·

وعندما ننظر بهذا التقويم الموضوعي، فسنجد أن عصر الرسالة والراشدين (1 ـ 14هـ) ، هو أفضل عصور التاريخ البشري على الإطلاق، ولا يساويه إلا حياة الأنبياء عليهم السلام، وقد تقترب منهم حياة حواريي الأنبياء من الدرجة الأولى·

ولم يحظ أي نبي بهذا الجمع العظيم الذي صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على عينيه··· وكان القمة المثلى للحضارة الإسلامية!·

فلما جاء الأمويون (14 ـ 231هـ) ، لم ينقطع هذا التاريخ لأن عام (14هـ) لا يعني موت كل الصحابة، فبقى عصر الأمويين يرشح بهؤلاء العظماء، وانحصر الخلل في بعض النواحي القومية والسياسية، وكانت الحياة الدينية والاجتماعية في القمة··· بل في هذا العصر تمت أعظم الفتوحات التي قام بها الشعب المسلم تحت قيادة بني أمية عن رضا وطواعية·

فلما جاء العباسيون (231هـ ـ 656هـ) ، مضت الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، والتشريعية، بقيادة الشعب المسلم في مجراها الطبيعي ، فنهرُ الحضارة الدافق لا يخضع للتحولات السياسية بقيام دولة أو سقوط أخرى·

وقد وقع العباسيون في خطأين:

أولهما: حركة الترجمة إلى العربية من دون ضوابط كافية، ومن دون حركة ترجمة مضادة تنشر العقيدة الإسلامية في العالم···

وثانيهما: إشغال الأمة بفتنة خلق القرآن، واستعمال العنف والقسوة، وترك الحبل على الغارب للمعتزلة المنهزمين أمام المقولات الفلسفية!!·

لكن العباسيين نشروا الحضارة الإسلامية، وامتدت في عهدهم حركة سلمية دعوية لنشر الإسلام! إذ إن فتوحات بني أمية العسكرية والسياسية لم تعنِ دخول الناس في الإسلام فورًا، فالإسلام لا يؤمن بالإكراه، فكان العصر العباسي هو الذي نشر الإسلام بواسطة الأمة الداعية، لا الدولة الراعية·

ثم إن الحكومة العباسية وقفت ـ بصرامة ـ ضد الحركات الباطنية كالبرامكة، والخرَّمية، وحسبها أنها صمدت في وجه المد الفاطمي الذي نجح في الاستيلاء على المغرب ومصر·· كما أنها استوعبت السيطرة الشيعية البويهية على الحكم، بحيث بقيت السيطرة البويهية سيطرة سياسية، لا باطنية!!·

وجاء الزنكيون، والأيوبيون، والمماليك·· ثم جاء العثمانيون، الذين عاشوا خمسة قرون حتى سقطوا سنة 1924م، فكان للجميع بعض السلبيات، لكنهم قدموا للإسلام أعظم الخدمات، وصدوا عنه أشنع الغارات!!·

ومازال الإسلام ـ بفضل هؤلاء الأسلاف ـ موجودًا إلى الآن، يصارع المحن، ويمتص المؤامرات الخبيثة، ويفلت بالمسلمين ـ تحت رايته الخفاقةـ من مرحلة الاستعمار العسكري والسياسي الأوروبي إلى مواجهة الغزو الفكري الصليبي والصهيوني، ثم إلى مرحلة الصحوة الإسلامية، وما تواجهه، الآن من صعوبات ومؤامرات عالمية·

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت