فهرس الكتاب

الصفحة 1656 من 1942

لقد آثر الموقع الفاعل والمؤثر على الرغم من المشقة التي تحيط بمثل هذه القضايا والمشكلات، القائمة أصلًا على النظر والتأمل، والمقارنة، والمقايسة، والمناقشة، والاستيعاب، في محاولة لما نسميه شمول الرؤية الإسلامية وتعديتها، لتستوعب أبعاد الزمن الثلاثة: الماضي، والحاضر، والمستقبل، إلى جانب القدرة على التبادل المعرفي، وهضم الإنتاج العالمي،والإفادة منه في ضوء دراية وفهم بعيدًا عن التناول السهل الذي يقوم على مجرد الاغتراف، والنقل، والتكرار، والخطابيات التي باتت تثقل الذهن الإسلامي دون كبير فائدة، مما يسهم بتكريس الواقع ويحول دون أي أمل في النهوض.

ويأتي اعتزازنا بهذا الكتاب، لما يشكل من إضافة نوعية في إطار السلسلة، سوف يساهم إن شاء الله، برسم الطريق للخروج من أزمة التخلف الحضاري، على مستوى الأفراد والمؤسسات، والمعاهد والجامعات، بإحساس وإدراك متميزين يمكن أن يسمى (الفقه الحضاري ) .

ولا يفوتنا، بمناسبة هذا اللون من النظر والدراسة أن نذكر بالأستاذ مالك بن نبي رحمه الله، الذي كان له فضل السبق والريادة، للمدرسة الحضارية الإسلامية الحديثة، لأننا نرى أنه لابد لهذا المنهج من أن يؤصل في حياة المسلمين، ونرى أن المزيد من هذه الدراسات يشكل علامة صحة وصحوة بحد ذاته.

ونعتقد أن الذهنية الإسلامية لم تأخذ بعد حقها المطلوب من منهج الأستاذ مالك، بسبب من النزعات الحزبية التعصبية التي حالت دون وصول منهجه إلى القاعدة الإسلامية العريضة، ولم تدرك المعالم الواضحة التي أقامها بين ما يمكن أن يسمى التفسير الحضاري لواقع المسلمين، وبين ما يمكن أن نسميه التسويغ الذي وقع به كثيرون.

وهذا لا يعني أننا ندعي العصمة للأستاذ مالك، ولا لغيره، فكما أن للريادة تألقها وإبداعها فإن لها أخطاءها ومنزلقاتها الخطيرة، ويبقى الخطأ من جبلة البشر، والمعصوم من عصمه الله.

وقد يستغرب بعض المهتمين بأمر الدعوة الإسلامية اليوم، مثل هذه الدراسات الإسلامية، لأنهم اعتادوا لونًا من الكتابة والخطابة والإثارة، التي ترضي العواطف، وتحرك المشاعر، أكثر مما تهدي العقل، وبالتالي فلا يعتبرون الكتاب إسلاميًا ما لم يحمّل بنبرات الوعظ، والإرشاد، والترغيب، والترهيب المباشر، أما ما وراء ذلك من البحث في وسائل إعمار الأرض، والقيام بأعباء أمانة الاستخلاف الإنساني فيبقى خارج اهتمامهم، وتقديرهم، وبذلك ينفصل الدين عن الحياة عمليًا، وإن كنا نرفضه نظريًا، والله نسأل أن يرزقنا الإخلاص في النية، والصواب في العمل، إنه على كل شيء قدير.

المقدمة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد: فهذا كتاب مفتوح إلى شعوب الأمة الإسلامية عامة، التي خصها الله بالشهادة على الأمم السابقة يوم البعث وقيام الأشهاد، كتاب لا يدعي أن فيه فصل الخطاب، بقدر ما هو محاولة صادقة لتحديد مسار للتقدم والنهوض، بعد أن تعددت بالمسلمين الطرق، وتاهت بهم خطاهم بين اليمين واليسار، والشرق والغرب، فقد آن لهم أن يتأكدوا أن عماد نهضتهم، وسند تقدمهم هو إيمانهم المطلق، بأن لا هادي لهم من الله إلا كتابه وسنة نبيه المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وأن لا ملجأ لهم من الله إلا إليه.

جرب المسلمون في الخمسين سنة الأخيرة ـ حتى لا نوغل في التاريخ، وحتى يكون الحديث من واقع مشاهدات الجيل الحاضر ـ شتى السبل، ومختلف الطرق، لكي ينهضوا ويستعيدوا مجدهم التليد، ونشط المنظرون والمفكرون من رجال العلم والسياسة والاقتصاد والثقافة وغيرهم في رسم المسارات، وتحديد المتطلبات، ووضع الاشتراطات، وتراكمت الخطط، وتعددت الرؤى، وتفرقت السبل، حتى لكأننا نشهد مبارزة حامية الوطيس، استهدفت تجاذب الأمة بشعوبها المتعددة بين النظريات، و (( الأيدولوجيات ) ).

الكل مجتهد في تحسين بضاعته، والكل جاد في عرض أفكاره، فمن منكفئ لا يرى أبعد من أنفه، ولا يشعر بفعل الزمن من حوله، إلى (( ليبرالي ) )متحرر يسعى إلى التبعية الحضارية، بانسلاخ تام من ذاته، وهروب كامل من تراثه، إلى علماني متعسف يستعدي العالم على دينه وتراث أمته، إلى يساري مخدوع سجن نفسه وعقله في فكر غيره، ولبس رداء سواه.

كان هذا حال الأمة لا يتغير ولا يتبدل، والمسلم العادي يرقب بحذر وريبة تارة، وبحسن الظن ، وطيب سريرة، تارة أخرى، لكنه ـ على أي حال ـ فقد الثقة أو كاد في كل ما سمع ويسمع، وأخذ يبحث بجدية وحزم وإصرار عمن يهديه إلى طريق الرشد، ويصرفه عن طرق التيه، ويخرجه من محنته مع حضارة عصره.. فقد طال انتظاره.

ثم كان أن توالت النكبات والأزمات والهزائم والنكسات على الأمة، بأيدي من وعدوها بالتقدم والنهضة والتطور، إن هى سارت في طريقهم، والتحقت بركابهم، واعتنقت مبادئهم، والتزمت بمنهجهم. لقد امتحن الله صبر أمتنا، وقوة تمسكها بعقيدتها بأن سلط عليها من أبنائها لفترة من الزمن بعض تجار المبادئ المنحرفة، ومروجي العقائد الضالة، وسدنة الأيدولوجيات الهدامة، تسلط وعظ وإرشاد، وتنبيه وتحذير وإيقاظ، فجربوا فيها، وعليها، وبها، أفكارهم وضلالاتهم كلها، فلم يفلحوا في زحزحتها عن دينها، وظلت متمسكة به، رغم التعسف والظلم والطغيان والضلال.

واكتشف المسلم ذاته ، وعرف طريقه، وظهرت ملامح صحوة إسلامية فطرية، وعفوية طبيعية، وتلقائية مدهشة، ما كان للفئات الخاذلة والجماعة المُضَلِّة، أن تترك لهذه الملامح أن تنضج، وللنور أن ينبثق، وللصحوة أن تنشط، فأخذت تشوه ما فيها من صدق العودة إلى الله، وحسن الالتزام بحبله عن عمد وتربص، ولكن الله غالب على أمره.

فظل الضمير المسلم يقظا يرقب، وحيًا يشاهد، يرقب الأحداث تمور من حوله، ويشاهد الأحوال تمر من أمامه، حتى وإن غاب الرشد، وازداد التيه، وسوف يظل هكذا يتنامى في حيويته، ويتعمق بنظرته باحثًا عن المخرج.

والحديث هنا بطبيعة الحال عن الضمير الملتزم بإطلاق اللفظ؛ لأن الالتزام في الحياة هو زاد مسيرتها، ونبراس طريقها، ونعنى بالالتزام: التمسك بهدي الله، وباتباع ما أمر، والكف عن ما نهى.

ونحسب أن في هذا الكتاب إصرارًا على اصطحاب الأمة للصالح من قيمتها والمستقيم من مبادئها معها، وهي تسير في مشوارها الحضاري، نحو مبتغاها من التقدم والنهضة والسمو، وحرصًا على تمسك الأمة بجوهر الحضارة ومعدنها، والزهد في قشورها ومظهرها؛ لأن الإصرار على قيم الإسلام ومبادئه عصمة من الله للأمة من الزلل، وفي الحرص على جوهر الحضارة ومعدنها ملاذًا للأمة من الخطأ والسقوط.

يبدأ الكتاب في فصله الأول، بشرح لطبيعة الضغط الحضاري الذي تتعرض له أمتنا، وتخضع له باستجابة عجيبة، مع رصد لوسائله، وتوضيح لطرق تسربه، وقنوات انسيابه في مجتمعاتنا تمهيد لتعريف ما أسميناه بـ (( محنة المسلم مع حضارة عصره ) ).

في الفصل الثاني حيث حددت دوائر المحنة التي تأخذ بخناق مجتمعاتنا، وشروط الخروج منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت