الحضارة الإسلامية بين أصالة الماضي وآمال المستقبل
الباب الثالث
الحضارة الإسلامية آفاق وتطلعات
جمع وإعداد
الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحود
الباب الثالث
الحضارة الإسلامية آفاق وتطلعات
المؤلف: سماحة آية الله السيد محمد تقي المدرسي
المقدمة
ما أن يخطر ذكر الحضارة على أذهاننا حتى تهفو قلوبنا، إلى ظلها الوارف، وتحن أرواحنا إلى أجوائها المفعمة بالتقدم والتطور، وتميل نفوسنا إلى ذكرها الطيب لما ترفل به من النعم والخيرات.. غير أن الحضارة بما فيها من روعة وجاذبية،لا تعني شيئًا من دون أن تكون واقعًا ملموسًا.
هذا ما دفع البشرية منذ نشأتها إلى تحقيق هذا الطموح السامي، ولأجل ذلك بذلت جهود مضنية، حتى تمكنت من ذلك مرات ومرات.
وما شهدته البشرية على طول تاريخها من حضارات، بقيت آثار كثير منها شامخة إلى يومنا هذا، وهي تحكي لنا قصتهايوم سادت كما تحكي لنا قصتها يوم بادت.
وإليها انشدت العيون ترنو معالمها، وتقرأ قصتها دون أي ملل يذكر.
ومن بين كل تلك الحضارات التي عاصرتها البشرية في حقب تاريخية متباينة، كان للحضارة الإسلامية شأن علا كل شأن، وفضل فاق كل فضل.. حيث فاضت على الناس بالقيم السامية، والأخلاق الفاضلة، والعلوم والفنون الرائعة..واستمرت على هذا المنوال سنينن وسنين حتى جاء أجلها لما ابتعد المسلمون عن مناهج الوحي وهدى الشريعة،وتمادوا في حب الدنيا، والانغماس في شهواتها.. عند ذاك حلت بهم الانتكاسة، فخسروا ما كانوا فيه ينعمون.
فبعد ذاك العز عاشت الأمة الهوان، وبعد ذاك الشموخ عاشت الأمة الانحطاط، وبعد ذاك التقدم عاشت الأمة القهقري..
وراحت السنوات تطوي أيامها، والأمة على هذا الحال لم تستطع أن ترفع رأسها مرة ثانية. وإذا بأصوات رقيقةأخذت تخرج من حلقوم الأمة تنادي بأمجادها، معترضة على ما ألم بها من تخلف. وما برحت هذه الأصوات أن ترتفع وترتفع لتسمعها كل أذن، معلنة أن لا نجاة من المآسي والويلات، والفقر والحرمان، والظلم والاضطهاد.. إلا بالعودة إلى حضارة الإسلام.
وبالرغم من عمق التخلف وشدة الانحطاط اللذين لم يسمحا للأمة بالنهوض من جديد على وجه السرعة، مع ذلك لم ييأس المؤمنون بالعودة إلى الحضارة الإسلامية من أن يستمروا في إثارة العزم والارادة والنشاط في أبناء الأمة،ويدفعون بهم باتجاه الحضارة المنشودة عبر خطاباتهم وكتاباتهم ومشاريعهم.. دون أن يثنيهم شي ء عن هدفهم هذا. إذلابد لليل أن ينقضي، وينبلج الصباح بضياء حضارة الإسلام.
وفي هذا الاتجاه تحدث سماحة آية اللَّه السيد محمد تقي المدرسي كثيرًا عن معالم الحضارة الإسلامية ونشأتها وظروفها،كما تحدث أيضًا عن أسباب انتكاستها وانحطاطها، بالاضافة إلى أنه قارنها بغيرها من الحضارات والمدنيات.. ولما رأيناجمعها في كتاب يخدم الأمة في مسيرتها الحضارية، بادرنا إلى ذلك، مستمدين العون من اللَّه تعالى، واللَّه هو ولي التوفيق.
القسم الثقافي في مكتب
سماحة آية اللَّه السيد محمد تقي المدرسي
طهران- 20/ ذي الحجة/ 1423ه
الفصل الأول -رؤى قرآنية في الحضارة
العلاقة بين الدين والحضارة
من البحوث المثيرة للجدل والنقاش؛ البحث عن العلاقة بين الدين والحضارة، وفي هذا المجال فجّر (ماكس فيبر) قبل عدة عقود من الزمن قنبلة صوتية متأثرًا بالأجواء العلمانية السائدة في فرنسا والتي كانت الدافع له في بحوثه الاجتماعية، فادعى أن الدين عائق دون التقدم البشري، والتطوّر الحضاري. وحاول أن يستدل على صحةفكرته هذه ببيان أن أوروبا لم تستطع التخلص من التخلف إلا بعد أن تحررت من هذا العائق، وأن المسلمين الأكثرالتزامًا بدينهم هم الأكثر تخلفًا وبعدًا عن الحضارة.
ولكنّ البحوث التي أسهمت في تطويرها مجموعة كبيرة من علماء الاجتماع دلّت بما لا يقبل الشك أن الدين ليس معوّقًاللتقدم الحضاري، بل إننا نجد في أكثر الديانات حوافز وبواعث تدعو إلى التطوّر الحضاري.
الدين ليس معوّقًا
وكمقدّمة لبحث معالم الحضارة الربانية، نريد إلقاء بعض الضوء على هذا الموضوع الشائك. فلا ريب أن هناك بعض المعوّقات في بعض الديانات، ولكننا عندما نعود إلى جذور هذه الديانات نجد أنها في الأغلب نقية من تلك المعوقات،وأن الأفكار المنحرفة تحوّلت إلى جزءٍ من تلك الديانات بفعل مرور الزمن، وهذه الظاهرة لا تقتصر على الديانات؛ بل تنسحب أيضًا على المذاهب الفلسفية التي يعتقد بها البعض، الأمر الذي يطرح تساؤلًا؛ وهو: لماذا نجد أن الدين في بدايةانطلاقه وانبعاثه يوصي بالسعي، والتحرك، والحماس، والإيثار، ولكن هذا الدين ذاته يتحوّل شيئًا فشيئًا في ذهن معتنقيه إلى سبب للتخلف، وعامل للجمود والسكون؟
الإسلام فجرّ طاقات التقدم
ومن أجل الإجابة على هذا التساؤل لا بأس أن نضرب مثلًا من واقعنا -نحن المسلمين- فنحن نعلم -كما يشهد بذلك العالم بأسره- أن الإسلام فجرّ في ضمير الإنسانية طاقات التقدم، والتطور، وأعطى البشرية شحنات حضارية قوية ماتزال أمواجها تنير الدرب أمام كل من يريد التقدم، واليوم لم يعد هناك أحد في هذا العالم سواء كان غربيًا أم شرقيًا،مؤمنًا أم ملحدًا، مسلمًا أم غير مسلم، ينكر هذه الحقيقة، لأنها فرضت نفسها على التاريخ.
صحيح أن الكنيسة من جهة، والمستشرقين والملحدين والعلمانيين من جهة أخرى حاولوا أن يلصقوا بالإسلام تهمًامعينة، وأن يغمطوا حقه؛ بل إن بعضهم حاول أن يسند التقدم الذي حدث لدى المسلمين إلى بعض العوامل الجغرافيةوالتاريخية، كفكرة الدورات الحضارية وما إلى ذلك، ولكننا عندما نقرأ اليوم كتابًا لأحد المستشرقين أو عندما نطالع نصوصًا لعلماء كبار في المسيحية، أو حتى عندما نقرأ توصيات وقرارات المجامع المسيحية الكبرى مثل الفاتيكان نجد أن تلك التهم قد ذابت ولم يعد لها صيت.
مفارقة فهم القرآن
وبناءً على ذلك؛ فإن الدور الذي لعبه الدين الإسلامي في تقدم المسلمين يعدّ حقيقة تاريخية لا يشك فيها اثنان ممّن أوتيا نصيبًا من العلم، ولكن البعض هنا وهناك يتخذون من الإسلام وسيلة لتبرير جمودهم وتقاعسهم، وتبريرًالكسلهم وتفرّقهم وبالتالي تخلّفهم، فلماذا هذه المفارقة؟
فالقرآن هو نفسه القرآن الذي كانت الآية منه تفجر وتحرّك طاقات الملايين من البشر في اتجاه العمران والتقدم، ولكن هذه الآية القرآنية نفسها عندما تتلى عليّ فإني استوحي منها حالة الجمود، والركود، والتقاعس، فكيف نستيطع أن نحلّ هذه المفارقة؟
عندما نطرح هذا السؤال على القرآن الكريم نفسه، نجد الإجابة الواضحة والصريحة عليه، ونكتشف أن هذه الإجابةمطابقة لما تحكم به عقولنا؛ ففي بعض الأحيان عندما تطرح على الآخرين لغزًا فإنهم يحتارون في كيفية حلّه، ولكنك عندما تقدم لهم حلّ هذا اللغز فإن الجميع سوف يؤيدونك، لأنهم سيدركون أن هذا الحلّ هو الحل المتناسب مع ماتقتضيه عقولهم، فكيف نستطيع حلّ اللغز المشار إليه؟
إن الجواب نجده في القرآن الكريم، وخصوصًا في الآية التالية التي جاءت بعد بيان التوجه الإيماني عند جيل من الأجيال.
(فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) (مريم/59)