فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 1942

ولا بأس أن نذكر في هذا المجال آيات أخرى تحل مشكلة أساسية ليس في حقل العلم والمعرفة فحسب؛ وإنما في الحقل الاجتماعي، والتبريري والشخصي. ففي سورة مريم يقول القرآن الكريم بعد ذكر مجموعة من الأنبياء ابتداءً من إبراهيم،ثم يعقوب، وإسحاق، وموسى، وهارون، وإسماعيل، وإدريس عليهم السلام: (اُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وإِِسْرَآئِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) (مريم/58) .

وفي آية أخرى نقرؤها في سورة الحديد، يقول تعالى: (لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ) (الحديد/10) ، ويقول عز وجل موجّهًا خطابه للمؤمنين: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِ ) (الحديد/16) .

وهذا هو النصف الأول من الآية، أما النصف الثاني فهو: (وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ اُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) .

هبوط روح الحضارة عند اتباع الأديان

وهذه الفكرة نجدها في مجموعة أخرى من الآيات وخصوصًا في قصة بني إسرائيل والتدرّج الحضاري الذي سلكوه،ومن هذه الآيات نستنتج أن الإنسان في بدء نزول القرآن عليه أن يتلقى الوحي من قبل مجموعة إيمانية مخلصة ونزيهة،وهؤلاء يتلقون الوحي بفطرتهم، ويتفاعلون معه بهذه الفطرة النقية، ولكن الروح الحضارة لا تلبث أن تخبو فيهم شيئًافشيئًا بسبب طول الأمد، وبسبب خشيتهم من الجهاد في سبيل اللَّه تعالى وركونهم إلى الدنيا.

ومن هذا المنطلق؛ فإن هناك الكثير منا يبدؤون بتفسير الآيات القرآنية تفسيرًا مختلفًا، ويغيّرون الكلم عن مواضعه؛فهم لا يغيّرون الآيات نفسها، وإنما يغيّرون تفسيرها، ويؤوّلونها تأويلات متطابقة مع أهوائهم وميولهم، ويحاولون أن يفتشوا عن آيات متشابهة يتبعونها، ويتركون الآيات المحكمة الصريحة.

والأدهى من ذلك أن ظاهرة أخرى أكثر خطورة تنتشر بينهم، وهي أنهم يتوارثون بعض أفكارهم المتخلّفة، ثم يضفون عليها القداسة، كأن يخلطوا الدين بالتراث، في حين أن الدين يمثل برنامجًا واضحًا، فكل ما يوصي به يسمى دينًا، وأماما يطبّقه الإنسان من سيرة السلف والأولين فهو ليس بدين، بل هو تطبيق ديني لفترة معيّنة من التاريخ. وبناءً على هذا فإن علينا أن لا نجمد على سلوكهم، ونستنبط من هذا السلوك الأحكام الشرعية، لأن هذا العمل يمثل خلطًا بين الدين والتراث.

وقد جاءت الكثير من الآيات القرآنية لتحارب هذه الرؤية المتحجّرة، كقوله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ ) (الاعراف/ 32) ، وقوله: (أَوَلَوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًاوَلاَيَهْتَدُونَ ) (البقرة/170) .. فلماذا -إذن- نتبع آباءنا، ونجمد على سلوكهم وسيرتهم والقرآن يقول: (تِلْكَ اُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) (البقرة/141) ؟ فتلك أمة ونحن أمة، وذلك جيل ونحن جيل آخر، (والناس - كما يقول الإمام علي عليه السلام- بزمانهم أشبه منهم بآبائهم ) (1) .

إننا -للأسف الشديد- لم نأخذ الدين من مصادره الحقيقية المتمثلة في القرآن، والأحاديث الشريفة، بل ورثناه وراثة،في حين أن الإسلام يحرّم علينا التقليد في أصول الدين، ويأمرنا بتحكيم عقولنا في هذه الأصول، وأن نحذر من أن نخلطبين الدين والتراث، ونفسر هذا الدين تفسيرًا خاطئًا حسب الهوى لتقسوا قلوبنا بعد ذلك، ويطول عليها الأمد.

وإذا ما عدنا إلى التاريخ؛ سنجد أن الآية القرآنية عندما كانت تنزل في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فإن هذه الآية كانت تفجّر في نفوس المسلمين ينابيع الحنان، والخوف، والخشية، فتحرّك فيهم كل المشاعر الخيّرة، وتبعث فيهم الحوافز الإيمانية، أمانحن فإننا نسمع أو نقرأ نفس الآية دون أن نبالي بها وكأن اللَّه تعالى عنى بها غيرنا ولم يقصدنا!

قسوة القلب

لقد ابتلينا بحالة قسوة القلب، كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم في قوله: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) (البقرة/74) ، موجهًا خطابه إلى بني إسرائيل الذين كانوا قبل ذلك مفضلين على العالمين بشهادة قوله عز من قائل: (يَا بَنِي إِسْرآئِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ) (البقرة/47) . ولكن نفس هؤلاء القوم قست قلوبهم بعد ذلك فإذا هي (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ) (البقرة/74) . نعوذ باللَّه من قسوة القلب.

ونحن إذا أردنا أن نرى ونلمس التخلف والجاهلية والركود بصورة مركّزة، فإن بإمكاننا أن نراه في قسوة القلب؛ فعندمايقسو القلب، يتوقّف الزمن، ويتخلّف الإنسان، ويتوغّل في الجهل والجاهلية.

وعندما ترين القسوة على القلب يصاب الإنسان بحالة سلبية أخرى هي حالة (التأويل ) ، فيعد إلى تأويل الآيات التي تتنافى مع مصالحه ورغباته وأهوائه، كآيات الجهاد، وآيات وصف العذاب الشديد في الآخرة، أما آيات المغفرة والرحمة فتراه يتشبث بها؛ فهو يؤمن ببعض الكتاب، ويكفر ببعضه الآخر كما يقول تعالى: (الَّذِينَ جَعَلُواالقرآن عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْاَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) (الحجر/92-91) ، ويقول: (أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَتَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ ) (البقرة/87) . فالرسول الذي يعجبهم يأخذون بمنهجه، والرسول الذي لا تهواه أنفسهم يستكبرون عليه، بل ويقتلونه.

وهناك ظاهرة أخرى من ظواهر عدم فهم الدين، والجمود على سيرة الأولين، ألا وهي الإضافات والبدع التي يشيرإليها تعالى في قوله: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ) (الحديد/27) ، فهذه الحالة البشرية التي أضيفت إلى الثقافة الإلهية هي المعوق، لأنّ التاريخ في حالة تغيّر مستمر، وإذا ما التزمنا بنفس الثقافة التي كانت سائدةقبل ألف سنة فإنها ستتحول إلى أكبر معوق لحركة التاريخ.

متى يعوّق الدين التقدّم؟

إن النتائج التي توصّل إليها (ماكس فيبر) صحيحة من جهة، وعلى سبيل المثال فإن الديانة المسيحية في القرن السادس عشر كانت كتلة من الأفكار المتخلّفة، ونحن نعلم جميعًا ما فعلته محاكم التفتيش في أسبانيا، وكيف أنهاكانت تعاقب بالقتل والحرق من كان يقول أن الأرض كروية أو أن الشمس هي مركز منظومتنا لا الأرض وما إلى ذلك، وكمثال آخر فإن المنطق الكلاسيكي؛ أي المنطق الأرسطي كان يعدّ جزءًا من الدين المقدس، فإن تجرأ أحد وقال:إن هذا المنطق ليس صحيحًا بادروا إلى قتله وحرقه.

وبالطبع فإن مثل هذا الدين يعتبر عائقًا لحركة التقدم، ولكن هل كان هذا الدين دينًا إلهيًا، أم كان عبارة عن مجموعةمن الأفكار المتخلّفة الرجعية سمّيت باسم الدين، وأضفيت عليها القداسة بالباطل؟

الجوانب المشرقة من الدين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت