الثالث: أفق العالمية: وقد تحقق هذا الأفق؛ لأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم بُعِث إلى الناس كافة وليس للعرب وحدهم، قال سبحانه وتعالى: (وما أرسلناكَ إلا رَحمةً للعالمين) (الأنبياء،107) ، وقال سبحانه وتعالى أيضًا: (وما أرسلناك إلا كافَةً للناسِ بشيرًا ونذيرًا) (سبأ،28) ، وقال سبحانه وتعالى أيضًا: (قُلْ يا أَيُّها الناسُ إني رَسولُ اللهِ إليكم جَميعًا) (الأعراف،158) . وأكد الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك في أحد أحاديثه فقال:"فُضّلت على الأنبياء بست: أُعطيت جوامع الكلم، ونُصرت بالرعب، وأُحلّت لي الغنائم، وجُعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأُرسلت إلى الخلق كافة، وخُتم بي النبيون" (رواه مسلم) .
وقد تحقق أفق العالمية لأنّ القرآن الكريم كتاب الله إلى الناس جميعًا فقال سبحانه وتعالى: (إنْ هو إلا ذِكْرٌ للعالمينَ) [ص:87] ، ولأنّ الإسلام أقام الرابطة بين الناس على أساس الإيمان بالله ولم يقمها على جنس أو نسب أو قبيلة فقال سبحانه وتعالى: (إنما المؤمنونَ إخوةٌ) [الحجرات:10] ، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم:"يا أيها الناس إنّ أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي إلاّ بالتقوى".
لذلك مزجت الأمة الإسلامية مختلف الأجناس والأعراق والقبائل والشعوب في بوتقتها، وهذا المزج هو ما حلم به الفيلسوف أرسطو وتلميذه القائد العسكري اسكندر المقدوني، وسعيًا إلى تحقيقه بمزج العرقين: اليوناني والفارسي في بابل من خلال زواج اسكندر المقدوني بابنة كسرى ملك الفرس، وزواج كبار ضباطه بشريفات الأسر الفارسية، لكن هذه المحاولة انتهت بوفاة الاسكندر المقدوني.
وقد أثمرت عالمية الأمة الإسلامية حضارة عالمية كان للعرب دور مستقل في بداية ظهور الإسلام ولفترة وجيزة، لكن الشعوب الأخرى شاركتهم بعد ذلك في كل عناصرها العلمية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية...الخ، لذلك نجد أنّ الصرح العلمي في الحضارة الإسلامية بناه علماء من العرب والفرس والهنود...الخ، وأنّ الأرض الإسلامية دافعت عنها قبائل وأسر سلجوقية وزنكية وكردية وتركمانية وشركسية وعثمانية...الخ، وأنّ القيادة السياسية تسلمها العرب والبربر والترك والفرس...الخ
ومما ساعد في تحقيق هذه الحضارة العالمية اعتبار الإسلام الأمة الإسلامية مع أمم الأنبياء السابقين أمة واحدة فقال سبحانه وتعالى: (وإنَّ هذه أُمَّتُكُم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكُم فاتَّقونِ) (المؤمنون،52) ، وقال سبحانه وتعالى: (إنَّ هذه أُمَّتُكُم أُمَّةً واحِدةً وأنا رَبُّكُم فاعْبُدونِ) (الأنبياء،92) ، وقد جاء الوصف بالأمة الواحدة في السورتين بعد حديث تفصيلي عن معظم الأنبياء السابقين ومنهم: موسى، وهارون، وإبراهيم، ولوط، وإسحاق، وداود، وسليمان، وأيوب، وإسماعيل، وإدريس، وذو الكفل، وذو النون، وزكريا، ويحيى، وعيسى...الخ
ومما عزز هذه العالمية إفراد مساحة تشريعية خاصة في التعامل مع أهل الكتاب: أتباع موسى وعيسى عليهما السلام؛ إذ أباح الإسلام أكل ذبائحهم والزواج من نسائهم فقال سبحانه وتعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (سورة المائدة: من الآية 5)
إنّ هذه الآفاق الحضارية التي حققتها الأمة الإسلامية في التاريخ جديرة بأن تكون محل بحث تفصيلي لكي نحسن فهم واقعنا، ونحسن التعامل معه حاضرًا ومستقبلًا
كلمات في الفن الإسلامي
أ. د. عماد الدين خليل 9/5/1428
لم تنفصل الفنون الإسلامية عن العقيدة التي صاغتها، والبيئة التي تخلقت في رحمها، بخلاف العديد من الاستنتاجات الخاطئة التي تشبثت بها بعض الدراسات الحديثة حول
الموضوع، ولذا سنقف عند هذه المسألة بعض الوقت.
إن عقيدة الإسلام، بانقلابها على سائر الجاهليات والوثنيات منحت الفن منظورًا توحيديًا أصيلًا كان في نهاية الأمر بمثابة كسب مهم لمفاهيم التجريد التي لم تبلغها الفنون الأخرى في العالم إلاّ في القرن الأخير.
لقد وضع الإسلام ضوابط ومعايير ألزم بها فنانيه، فدفعهم إلى التخلي عن بعض صيغ التعبير، ولكنه ـ بهذا ـ فتح أمامهم مجالات أخرى لم يسبقه إليها أحد، وشهد عالم الإسلام مهرجانًا خصبًا من معطيات فن ينبثق عن رؤية عقديّة متميزة يلتزم بمفرداتها ومطالبها، فيبدع ويتفوق.
إن الطاقة الإبداعية تبحث ـ بالضرورة ـ عن متنفسها.. عن فرصتها للتحقق. ولقد كان الفنان المسلم أهلا لإيجاد البدائل المناسبة، ومن ثم فإن غياب فنون كالنحت والرسم ـ إلى حد كبير ـ قاد بالمقابل إلى حضور فاعل في مجالات أخرى كالخط والزخرفة والمعمار. وكما يقول الباحث الإنكليزي (روم لاندو) :"فمن حيث حُرّم على المسلمين الاهتمام بالفن التشبيهي، فقد تعين على مواهبهم الفنية أن تلتمس منافذ لها في اتجاهات أخرى. ومن خلال هذا السعي أحدثوا فنًا يستطيع أن يدعي ـ بصرف النظر عن محاسنه أو نقائصه الأخرى ـ أنه واحد من أصفى الفنون التي نعرفها". وهو ـ أي روم لاندو ـ يضع يديه على بعض مقومات هذا الفن: التجريد الجمالي الخالص، رفض التشخيص احترامًا للمنظور العقدي، تجاوز الطبقية، والقدرة على الانتشار الجغرافي.
وهو يتحدث عن إبداعية الخط العربي والمساحة الواسعة التي غطاها في الحياة الفنية الإسلامية بتعاشقه مع فن الزخرفة"ذلك النظم المعقد للأشكال الهندسية والعناصر النباتية المكيفة وفقًا لطراز بعينه والخطوط العربية. النظم الذي انتهى إلى أن يصبح بمثابة"دمغة المصوغات"بالنسبة إلى الفن الإسلامي والذي شغل حيزًا هائلا من العبقرية الفنية في الإسلام".
وهو يستنتج أن"العنصرين اللذين يشكلان المحتوى الرئيس لفن الزخرفة العربي ـ النمط والكلمة، الشكل والمعنى ـ يفيدان على التعاقب مبدأ الحقيقة المادية ومبدأ الحياة، وبكلمة أخرى: مبدأ الوجود كما يراه الله.. وهكذا يصبح هذا الفن رمزًا حقيقيًا لموقف صاحبه من الله ومن العالم الذي يحيا فيه".
وثمة ملمح آخر يكتشفه (روم لاندو) وهو يتحدث عن فن الزخرفة والخط ذلك الإيقاع المتوحد في حضارة الإسلام بين الفنان والمفكر والعالم، ذلك العشق للتناغم والتناسق، وذلك الولوع بالنظام:"إن الفنان المسلم شارك المفكر والعالم المسلمين ولوعهما بالنظام والجدولة Tabulation والتناغم. فقد التمس الفلاسفة كما نعلم تفسيرات عقلانية لخلق الله الكون، ولم تكن قلوبهم لتطمئن إلاّ إذا أظهرت تفسيراتهم منطق التناغم الكامل. أما الرياضيون وعلماء الفلك فالتمسوا أكمل شكل من أشكال التناغم، أعني المعادلة الرياضية. وبطريقة مماثلة اهتم الفنان المسلم بتنسيق التصاميم والأنماط التي كانت صفتها الهندسية الطاغية تساعد بصورة رائعة على النظم ..".