فهرس الكتاب

الصفحة 1924 من 1942

ومن خلال تحليله لمشكلات الحضارة إلى: مشكلة الإنسان، ومشكلة التراب، ومشكلة الوقت، يجد المرء أن هذه العناصر الثلاثة يمكن الخروج منها بأبعاد تشكل المنظور الحضاري لمالك بن نبي، وذلك من خلال حديثه عن أن الإنسان هو محور هذه المعادلة، ودون حركة الإنسان فإن التراب والزمن يذهبان هباءً.. فالإنسان يؤثر بفكره وبيده وبماله، أما التراب والزمن فهما المجال الذي يؤثر فيه.. وإذا واصلنا التحليل، فإننا نصل إلى أن الإنسان يمكن أن يؤثر تأثيرًا فاعلًا في التاريخ إذا استطعنا أن نحل مشكلة أفكاره، ومشكلة عمله، ومشكلة ماله، وهذا -خاضع حسب ابن نبي- إلى الثقافة التي تكون المجال الاجتماعي الذي يمارس فيه الإنسان تأثيره، وهذا يقتضي منا تحديد دستورٍ للثقافة التي تجعل الإنسان محركًا لقوى التاريخ.

ويحدد ابن نبي دستور الثقافة بالمبدأ الأخلاقي، والمنطق العملي، والنزوع الجمالي، والصناعة بالتعبير الخلدوني (العلم ) . وبعبارة أخرى، فإن مكونات منظوره الحضاري هي: المرجعية الدينية، التي هي الإسلام بالنسبة للمسلم، ثم الفعالية التي هي نتاج للمنطق العملي والنزوع الجمالي والعلم، بالإضافة إلى ما سبق وأن تناولناه بالتحليل وهو السننية.

فالمنظور الحضاري الذي يقدمه ابن نبي يقوم على مبادئ أو أبعاد خمسة هي: السننية، والوحي، والجمال، والفعالية، والعلم. وهو إطار تفسيري يقوم على أساسيات الإسلام، والحقيقة الموضوعية التي بث الله سننها في الآفاق، والأنفس، والتاريخ، والفعالية الاجتماعية، والعلم باعتباره تراكمًا في الخبرة البشرية وتفاعلًا مع الوحي، والذوق الجمالي باعتباره إطارًا لوجهة الحضارة وعنوانًا على اتساقها مع سنة الإحسان. فهو كما قال الدكتور سليمان الخطيب: (يركز على الجوانب الموضوعية في معالجته لمشكلة الحضارة.. هذا مع تأكيده على الدفعة القرآنية الحية، ودور الفكرة الدينية من المسار الحضاري ) (7) .

مفردات المنظور الحضاري

وتوظيفًا لهذا المنظور الحضاري كإطار للتحليل والتفسير، فإن ابن نبي ضمَّن هذا المنظور أدوات تحليلية متعددة، هي أدوات منهجية، وظفها في كل أعماله، فسّر بها حركة التغيير على مستوى الفرد والمجتمع والحضارة في إطار التاريخ، كما أنه وظفها ضمن نسق متكامل بأدواته التي سبق وأن أشرنا إليها بإيجاز، ونحاول هنا مناقشة اثنين منها لارتباطهما بدراسة الظاهرة الغربية في تكوينها وصيرورتها التاريخية.

1-قانون الدورة الحضارية:

يرى ابن نبي أن الحضارة في حركة دورية مستمرة (تداول مستمر ) في سيرها التاريخي.. وإذا رجعنا إلى الكتب التي تناولت التغيير الاجتماعي وحركة الحضارة، فإننا نجد أن هناك اختلافًا كبيرًا بين فلاسفة الحضارة في شكل مسار الحضارة، فهل هي في تطور مستمر أم هي في حالة تراجع مستمر أم هل هي في تناوب أو تداول مستمر .

فمن بين النظريات التي حاولت تفسير حركة الحضارة: النظرية الدورية التي يعد ابن خلدون رائدها بلا منازع، وتقوم على أساس أن التاريخ هو حركة مستمرة من الصعود والهبوط في العمران البشري في المجتمعات.. وكذلك (توينبي ) ، و (سوروكين ) (1) .. كما نجد أيضًا من القائلين بها الفيلسوف الألماني (أزوالد اشبنجلر ) . ومضمون هذه النظرية: أن الحضارة تمر بمراحل متعددة، هي الميلاد والتوسع والأفول، ثم تهاجر إلى مكان آخر، وهكذا في هجرتها المستمرة مع الزمن (2) .

وابن نبي نفسه من القائلين بالظاهرة الدورية، التي تعتبر أداة أساسية في منظوره الحضاري، يستعملها في تفسير حركة الحضارة، ويبدو الأثر الخلدوني واضحًا في نظريته في الدورة الحضارية، فهو يقول: (من الملاحظات الاجتماعية أن للتاريخ دورة وتسلسلًا، فهو تارة يسجل للأمة مآثر عظيمة ومفاخر كريمة، وهو تارة أخرى يلقي عليها دثارها، ليسلمها إلى نومها العميق... ومن الوجهة الكونية فإننا نرى الحضارة تسير كما تسير الشمس، فكأنها تدور حول الأرض مشرقة في أفق هذا الشعب ثم متحولة إلى أفق شعب آخر ) (3) ، هذه الدورة تمر بمراحل ثلاث; هي مرحلة الروح، ومرحلة العقل، ومرحلة الغريزة، ومجموع (المراحل الثلاث في هذه الدورة تعبر عن الأدوار الثلاثة التي يمر بها المجتمع: الحالة الكاملة، فيها تكون جميع الخصائص والملكات تحت سيطرة(الروح) ... والمرحلة التالية هي المرحلة التي تكون فيها جميع الخصائص والملكات تحت سيطرة (العقل) ... أما المرحلة الثالثة فتصور نهاية تحللها تحت سلطان (الغرائز) المتحررة من وصاية الروح والعقل، فيها يصبح النشاط المشترك مستحيلًا) (4) .

هذا القانون الذي يحكم حركة الحضارة ويجعلها في حالة تداول وتعاقب، يرى ابن نبي أنه قانون يحكم حركة التاريخ، وأن أول من تنبه لذلك هو ابن خلدون عندما اكتشف منطق التاريخ وخضوعه لأسباب تقوده في حركته وتقلبه.

وإذا كان (ابن خلدون ) صاحب أول كشف لهذا القانون، فإنه قسَّم مراحل الحضارة إلى: طور البداوة، وطور التغلب والاستبداد، ثم طور الضعف والترف والتدهور (5) . أما (ابن نبي ) فقد قسمها إلى: طور ما قبل الحضارة (الروح ) ، وطور الحضارة (العقل ) ، وطور ما بعد الحضارة (الغريزة ) .

وكما سيتضح فيما يأتي من صفحات، فإنه يبدو وكأن ابن خلدون يرى في الأطوار التي تتقلب فيها الدولة أنها أطوار خارجية تلبس لبوسها الدول في حالة ميلاد وتوسع ونضج ثم يعقبه فناء ونهاية محتومة، أما ابن نبي فقد رأى الحضارة كأنها كائن إنساني مجرد يتقلب في هذه الأطوار الثلاثة، وقد استعمل للتعبير عن ذلك لغة التحليل النفسي باعتباره الإنسان جوهر العملية الحضارية، فاستعمل مصطلحات (الروح، والعقل، والغريزة ) ، وهي ذات صلة وطيدة بعلم النفس والتحليل النفسي، تنسجم مع النسق الذي استعمله ابن نبي في التركيز على الشروط النفسية للحضارة، وللإنسان الذي يبنيها.

لكن ما يثير التساؤل في قانون الدورة الذي بنى عليه ابن نبي تحليله وتفسيره لحركة الحضارة في التاريخ، هو أنه مرة يجعل هذا القانون أبديًا وسنة ثابتة تحكم حركة التغيير الحضاري، ومرة أخرى يذكر أن قانون الدورة هذا قد انتهى مع بعثة النبي صلى الله عليه و سلم. وهذا ما يجعلنا نتساءل عن وجه الاختلاف بين الأمرين ؟ وهل لدى ابن نبي تفسير لهذا الذي يبدو اضطرابًا في موقفه ? أم أن الأمر يتعلق بمستويات مختلفة يقدمها ابن نبي وتحتاج إلى فك الارتباط بينها، حتى لا يقع سوء الفهم لهذا القانون وتطبيقه على كل الأعمال التي يقدمها، مثلما وقع من بعض الكتاب (6) .

ولكن إذا نظرنا إلى ما قاله ابن نبي نجد أنه يقول: (ويبدو أن عصرنا عصر التحول الإنساني الكبير، فهو العصر الذي يتحتم على الإنسانية فيه، وقد سبق لها أن اجتازت مع العهد الحجري الجديد المرحلة الأولى في تاريخها، بانتقالها إلى مستوى(الحضارات) ، يتحتم عليها الآن أن تجتاز المرحلة الثانية التي تسمو بها إلى مستوى حضارة الرجل العالمي ) (7) . فالإنسانية التي تجاوزت المرحلة التاريخية الأولى، أي مرحلة ما قبل الحضارة، إلى مرحلة الحضارة، فإنها تسير الآن لتصير حضارة المجتمع العالمي، بدل حضارة الوحدات التاريخية. ولهذا فابن نبي يعتبر أن هذا الذي يحدث كان بسبب عاملين اثنين، على المستوى المعرفي، وعلى المستوى الاجتماعي التاريخي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت