وليست هذه الممارسات الجائرة مع الحيوانات في تاريخهم القديم والوسيط فقط، بل ما زالت مستمرة إلى الآن في بعض أقطارهم، وليس أدل على ذلك من استمرار المسابقات الوحشية ، المعروفة بـ (مصارعة الثيران ) في أسبانيا و وموزمبيق، واليونان، وإيطاليا، وبولندا.. تلك المسابقات التي يجتهد فيها المصارع أن يقتل الثور تدريجيًا ليذيقه الموت البطيء، وذلك عن طريق رمي السهام في جسده، ورؤية دمائه تتفجر من كل مكان في جسده، لا لشيءٍ إلا لمجرد التسلية والاستمتاع!! و تقام هذه المصارعات في حلبات كبرى يشاهدها الجمهور بكل حماس، وهو سعيد بتعذيب الثور بهذه الطريقة... ويدعون ذلك ضربًا من الحضارة!!.. حتى إن الإحصائيات تشير إلى أن ما يقرب من 35 ألف ثور تُعذَّب وتموت سنويًا في أسبانيا وحدها، ونحو10 آلاف ثور في حلبات أوروبا.
ومن هنا يبدو لنا كم كان ـ ولا يزال ـ الفرق شاسعًا بين الحضارة الإسلامية وغيرها من الحضارات، تلك الحضارة العظيمة التي حرصت على إعطاء الحيوان حقه، والاهتمام به، والرفق في التعامل معه، كما خلت من المحاكمات الجائرة، لأنها جاءت برفع المسئولية الجنائية عن الحيوان، بل حرَّمت مظاهر القسوة والعنف ضده.
فسبحان الذي أنزل هذا الشرع المحكم.. والحمد لله رب العالمين.
لماذا أبدع المسلمون في علم الجغرافيا ...
بقلم الدكتور راغب السرجانى ... تاريخ الإضافة: 15/09/06
مقدمة
تتكوَّن كلمة (جغرافيا) يونانية الأصل من مقطعين هما: جيو (Geo) بمعنى:"أرض".. و: غرافيا (Grophia) التي تعني:"وصف".. ومن ثم جاء التعريف الاصطلاحي لعلم الجغرافيا معبرًا عن مقتضيات"وصف الأرض"؛ فهو:"علم يُتَعَرَّفُ منه أحوال الأقاليم (القارات) السبعة الواقعة في الربع المسكون من كرة الأرض، وعروض البلدان الواقعة فيها، وأطوالها وعدد مدنها وجبالها وبراريها وبحارها وأنهارها... إلى غير ذلك من أحوال الربع المعمور".
وتعتبر كلمة الجغرافيا حديثة بعض الشيء في الاستخدام العربي؛ حيث كان العرب والمسلمون يستعملون بدلًا منها مصطلحات مثل: صورة الأرض، أو قطع الأرض، أو خريطة العالم والأقاليم، أو علم المسالك والممالك، أو علم تقويم البلدان أو علم الطرق.
ومع أن المسلمين لم يكونوا أول من درس علم الجغرافيا إلا أنهم - بلا جدال - كانوا أول من أبدع فيه، وسنتعرض في مقالات قادمة إن شاء الله لحركة تطور علم الجغرافيا وإسهامات المسلمين فيه، كما سنتعرف أيضًا على بعض العلماء الأجلاء الذين أثروا ذلك العلم بما لا يتخيل من إبداعات، وبخاصة عند النظر إلى الإمكانيات الضئيلة التي كانت متاحة لهم في أزمانهم... ولكننا نريد في هذا المقال أن نضع أيدينا على الأهداف التي من أجلها اهتم المسلمون بعلم الجغرافيا إلى هذه الدرجة.
ولم يكن ظهور علم الجغرافيا لدى المسلمين وليد صدفة، وإنما كان هناك عوامل وأسباب عدة أسهمت في ظهوره ونمائه...
انتشار الإسلام:
اقترن الفكر الجغرافي لدى المسلمين بانتشار الإسلام في أنحاء شتى من العالم القديم في قاراته الثلاث، وترتب على ذلك اختلاف خصائص البيئات التي سادها الدين الإسلامي؛ مما أوجد حاجة ماسة لمعرفة وجمع معلومات متخصصة عن تلك البيئات.
التدبر في خلق الله:
حيث جاء القرآن الكريم ببيان كثير من الظواهر التي أودعها الله في الأرض، قال تعالى:"وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ"، وقوله تعالى:"مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ.. بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ"، وقوله تعالى:"أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا".. وهكذا. ولقد تدبر رواد الجغرافيا المسلمون هذه النصوص المحفزة على النظر في عظمة خلق الأرض ومكوِّناتها؛ مما كان له أكبر الأثر في إثراء الدراسات الجغرافية في الحضارة الإسلامية
المتطلبات الشرعية:
فقد اعتمدت جل أركان الإسلام في أدائها على مواقيت زمنية ومكانية، وبما أن بقاع الأرض تختلف في مواقيتها الزمنية والمكانية فقد كانت هناك ضرورة لأن يهتم علماء كل ولاية إسلامية بتوضيح هذه الأمور لعامة الناس؛ فالصلاة تقام في أوقات زمنية محددة؛ ولذلك وضع علماء المسلمين في كل قطر إسلامي حدودًا زمنية لإقامة الصلاة، وما تزال الأدوات التي تقاس بها مواعيد الصلاة موجودة في بعض المساجد القديمة، وتسمى بالساعات الشمسية، وكان الاعتناء بذلك ناتجًا عن أن دخول الوقت شرط لإقامة الصلاة، كما أن الصلاة تستقبل فيها جهة محددة وهي الكعبة في مكة، ولذلك وجب معرفة الاتجاهات الجغرافية لتحدد قبلة الصلاة في كل مدينة أو قرية.. ولم تختلف الحال كثيرًا في الصيام الذي حُدد أداؤه بحدود شهرية وحدود يومية.. وكذلك ارتبط الحج والعمرة بمواقيت مكانية للإحرام وهي مختلفة في أبعادها من مكة حسب الجهات التي يأتي منها المسلمون لأداء الفريضة، وكان ضروريًا معرفة تلك المواضع التي يتم إحرام الحجاج والمعتمرين منها حتى لا يترتب عند تجاوزها مخالفة شرعية تؤثر على صحة العبادة.. إلى جانب أن الحج يرتبط بميقات زمني محدد:"الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ"وهي التي تتركز حول شهر ذي الحجة؛ لأن الحج مرتبط بالوقوف بعرفة في يوم التاسع من شهر ذي الحجة، فمن فاته الوقوف بعرفة - كما هو معلوم - فقد فاته الحج، وهكذا..
تفسير ما ورد من نصوص شرعية:
أسهمت بعض النصوص الشرعية التي وردت في السنة في تنشيط المعرفة الجغرافية في محاولة لتفسير تلك النصوص، من ذلك ما رواه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ وَيَفِيضَ حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا مِنْهُ وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا".. وقول الرسول صلى الله عليه وسلم الذي رواه مالك في الموطأ:"لا يجتمع في جزيرة العرب دينان"، وقوله الذي رواه البخاري عن ابن عباس:"أخرجوا المشركين من جزيرة العرب"... فتلك النصوص وما شابهها أظهرت حاجة ملحة في بيان المقصود من ذلك؛ لتحقيق ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أوجدت وجهات نظر جغرافية في التحديد، فالنصوص السابقة مثلا جعلت من تحديد جزيرة العرب محل اختلاف بين العلماء الجغرافيين، حتى إنه ورد فيه أربعة آراء، منها ما هو متسع كتحديد ابن حوقل والإصطخري، ومنها ما هو ضيق كتحديد المقدسي والجيهاني، وظهرت مصنفات هامة مثل (صفة جزيرة العرب) للهمداني، و (بلاد العرب) للحسن بن عبد الله الأصفهاني
الدعوة إلى الله وتعلم أمور الدين: