فهرس الكتاب

الصفحة 1483 من 1942

ويقول المؤلف أيضًا: إذا كان النظام العالمي الجديد قد بلغ من القسوة والعتوّ ونكران القيم والمبادئ التي قامت الحضارات الإنسانية المتعاقبة على أساسها، فإن أثر الفكر الإنساني في التصحيح والترشيد والتقييم لا يتراجع، لأنَّ المفكرين حَمَلَةَ مشاعل التنوير وبُناةَ الحضارة وصُنَّاعَ السلام في الأرض، هم الطليعةُ التي تتصدَّى لهذا العتوّ والجبروت. ولذلك فإنَّ الإنسانية اليوم لا تفقد الأمل في مستقبل آمنٍ ومشرقٍ وسعيد، تعيش فيه الأمم والشعوب في سلام حقيقي، وعدل يظلّ بظلاله الجميع، وإخاء وتعايش وحوار متفاعل ومُبدعٍ بين الحضارات والشعوب.

وثيقة المدينة المنورة .. كتاب عن عقد اجتماعي مبكر في تاريخ البشرية

الثلاثاء 15 المحرم 1427 هـ - 14 فبراير 2006 م

مفكرة الإسلام: يمثل كتاب أحمد قائد الشعيبي وثيقة المدينة: المضمون والدلالة والذي صدر مؤخرا في سلسلة كتاب الأمة التي تصدر عن مركز الدراسات والبحوث في وزارة الأوقاف القطرية، قراءة معاصرة لهذه الوثيقة التي يمكن اعتبارها أول عقد اجتماعي في تاريخ البشرية، والكتاب في أصله رسالة علمية محكمة يمكن أن تعتبر بعمومها استدعاء للموضوع لساحة الهم والاجتهاد، فهذه الوثائق الخالدة مثل صلح الحديبية والعهدة العمرية وحلف الفضول تصلح للاجتهاد والاستنطاق وأن تكون مصدرا للفهم والعطاء والمساهمة في الحضارة الإنسانية المشتركة.

فيظهر موضوع الوثيقة أساسا للحكم والمجتمعات والمصالح المشتركة بين الناس، وقواعد للمواطنة قائمة على العلاقة مع المكان والمجتمع والدولة وليس فقط على أساس العقيدة والدين، وكفلت الحقوق والحريات والتضامن بين 'المواطنين' جميعهم، فقد كان مجتمع المدينة الذي شملته الوثيقة يضم المسلمين من مكة والمدينة والمهاجرين من غيرهما من الأماكن والمشركين واليهود.

وكانت تجربة رائدة لمجتمع تتعدد فيها الانتماءات القبلية والدينية، وترتبط بالانتماء إلى الوطن والأرض المشتركة وتنميتها والدفاع عنها، وتلتزم بالتسامح الديني والعون الإنساني العام من مساعدة الضعيف وإطعام الجائع، وتأمين الخائف، والمساواة القائمة على العلاقات والقواعد العامة والنظرة إلى المواطنين على أنهم بشر مكرمون مهما كان دينهم وانتماؤهم.

جاءت الوثيقة في 47 مادة، بدأت بمقدمة توضيحية 'هذا كتاب محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم أنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش وبنو عوف وبنو ساعدة وبنو الحارث وبنو جشم وبنو النجار وبنو عمرو بن عوف وبنو النبيت وبنو الأوس، ومن تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، ثم نصت على قبائل اليهود من عوف وبني النجار وبني الحارث وبني ساعدة وبني جشم والأوس وبني ثعلبة وغيرها من القبائل العربية على نحو يوضح أن القبائل العربية نفسها كانت موزعة بين مسلمين ويهود ومشركين'.

وحذرت الوثيقة المشركين من مجتمع المدينة من مناصرة الأعداء من قريش، وفي ذلك إشارة واضحة لقواعد المواطنة وحقوقها والتزاماتها وواجباتها على الأفراد والمجتمع والدولة، فلا تجار قريش ولا من نصرها، وبين أهل المدينة جميعا النصر والحلف. وذكرت قواعد يلتزمها المواطنون من التحالف والتضامن والدفاع والمناصرة والجيرة وحل الخلافات والشجار.

وقد كانت هذه الوثيقة موضوعا لدراسات كثير من المستشرقين، مثل فلهاوزن وولفنسون وكايتاني وهيدبير غريم، ووردت في روايات تاريخية عدة، ابن اسحق، وابن أبي خيثمة، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وحميد بن زنجويه، وابن أبي حاتم، والإمام أحمد، والبيهقي.

ويلاحظ الشعيبي في الأبعاد السياسية والاجتماعية والأمنية والحضارية للوثيقة أنها حددت مرجعية للحكم والقضاء وأساسا للمواطنة ومفهوما جديدا لها، وهو أساس يختلف عما هو سائد للوهلة الأولى، فقد يكون غير المسلم مواطنا وقد لا يكون المسلم مواطنا، ولكنه قائم على الإقامة في المكان والانتماء إليه والمشاركة في عقد المواطنة القائم على الحقوق والالتزامات.

وتوضح الآية 27 في سورة الأنفال هذه القاعدة أيضا، قال تعالى: ' والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق'.

لقد وفرت الوثيقة أساسا لمواطنة غير المسلم يتيح له الاندماج في المجتمع الذي ينتمي إليه دون قهر ديني 'لا إكراه في الدين'، ثم أكدت الوقائع فيما بعد كما في صلح الحديبية كيف أن المسلمين لم يلتزموا بنصرة المسلمين من مكة الذين هم جزء منها، ولكنهم التزموا بنصرة قبيلة خزاعة.

لم تغير الوثيقة في العلاقات الجديدة التي أرستها من تركيبة المجتمعات والقبائل وولائها والتزاماتها ولكنها وظفت هذا النظام الاجتماعي القائم في تحقيق الالتزامات والحقوق التي نصت عليها، فهي غيرت من دور ووظائف القبائل والمجتمعات وأضافت إليها دون أن تغير بنيتها، وهذه قضية ربما تغيب عن بال كثير من المشتغلين بالعمل الإسلامي وبخاصة شباب الجماعات الإسلامية وقادتها ممن يحسبون الحركات والجماعات الإسلامية بديلا للمجتمعات والدول، وينشئون التزامات ويتخلون عن أخرى وفق قراءة مغلوطة للنصوص، أو من آخرين يريدون إلغاء الأنظمة الاجتماعية والقبلية والعشائرية ويعتبرونها مخالفة لعلاقات الدين والعقيدة.

ولكن هذه الانتماءات لا تعفي من المساواة والعدالة وتطبيق القوانين والشرائع، بل إن المجتمعات والقبائل نفسها ملتزمة بمنع خرق المبادئ والقوانين ومعاقبة من يخرقها ورده إلى مرجعيات الحكم والقضاء.

وتتضمن الوثيقة أيضا أبعادا حضارية من التسامح الديني، والتعايش السلمي والتعاون بين الأفراد والمجتمعات، ورعاية حقوق الإنسان وتأكيد حرمتها، على النحو الذي يجعلها مرجعية أساسية للمسلمين والعالم وبخاصة في هذه المرحلة من التداخل بين الشعوب والأمم والمجتمعات وظهور أفكار الصراع والحوار بين الحضارات.

وقد تبدو برأي عمر عبيد حسنة- المشرف على سلسلة كتاب الأمة - الحاجة إلى هذه المرجعية أكثر إلحاحا اليوم في حقبة الانفتاح العالمي واختزال الزمان والمكان واستحقاقاته في حقبة العولمة التي فتحت علينا كل شيء وبخاصة معاهدات الشراكة السياسية والاقتصادية والثقافية والعلاقات والمسائل الثقافية والإثنية، مما يزيد الحاجة إلى مواثيق وقيم جديدة تستوعب هذه التحولات استيعابا يأخذ بها إلى التعاون والحوار والمنفعة ويبعدها عن الصراع والأزمات.

فالوثيقة تصلح اليوم لتقدم علاجا لمعادلة المواطنة الصعبة، والقوميات والإثنيات والأديان والطائفيات والأجناس التي تعج بها بلاد المسلمين وتواجه العالم أيضا، حيث تغيب القواسم المشتركة والتوافق على الأمور المشتركة.

وقد يكون من المفيد اليوم الكلام عن هذه الوثائق ووضعها في سياقها التاريخي المبكر وأهميتها كعقد اجتماعي وسياسي واقتصادي ودفاعي، وإعطائها قيمتها والنظر إليها من خلال زمنها والصور التي تشكلت على أساسها الأمة والمجتمعات والمواطنة، تلك المفاهيم التي تحتاج إلى الكثير من النظر والاجتهاد لنزع فتيل المواجهات وتعطيل القدرات باسم الشرع والدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت