وكما كانت الحرب العالمية الثانية وراء التعرف على الطاقة الذرية ، كذلك كان التهديد بنشوب حرب عالمية ثالثة وراء التقدم العلمي في ميدان الفضاء .. فقد أصيب أرباب الحرب والسياسة بحمى التفوق العسكري ، فراحوا يتسابقون في ميدان الفضاء ، رغبة منهم في امتلاك السلاح الأسرع والأبعد مدى ، إلى أن توجوا ذلك بالمشروع الأمريكي الشهير الذي عرف باسم ( حرب النجوم ) ، والذي استهدف فيما استهدف زرع الفضاء الخارجي حول الأرض برؤوس نووية ، قادرة على ضرب أية بقعة من الأرض في دقائق معدودات !
وقد كان من نتيجة حمى التسابق الفضائي ، أن تطورت الصواريخ والأقمار الصناعية ، والمركبات الفضائية ، تطورًا مذهلًا ، فاق كل التصورات والتوقعات ، حتى أصبح الإنسان اليوم قادرًا على الوصول إلى إية بقعة يريدها ، ليس على سطح الأرض أو القمر ، بل على سطح أي كوكب من كواكب منظومتنا الشمسية .
إن التقدم العلمي المذهل في مثل هذه الميادين ، ليكشف لنا عن حقيقة مفجعة حقًا ، وهي أن الإنسان يملك من الطاقات العقلية والمادية ، ما يستطيع به أن يحقق ما يبدو مستحيلًا ، غير أنه (ولغاية في أنفس بعضهم!) لا يستخدم هذه الطاقات فيما يخدم حياته ، بل يستخدمها بالاتجاه المضاد !
ومما لا ريب فيه أن علاج مشكلة صحية نفسية كالاكتئاب النفسي مثلًا الذي يدفع آلاف المرضى النفسيين للانتحار سنويًا ، ليس أصعب ، ولا أعقد من إنزال إنسان فوق القمر ، أو إرسال مركبة فضائية إلى أطراف منظومتنا الشمسية .
وهذا يعني إن الإنسان - لو أراد - لحقق الكثير من التقدم في ميادين العلم ، التي لم تعط حتى الآن حقها من العناية والاهتمام ، ومنها على سبيل المثال ميدانا علم النفس ، وعلم الاجتماع ، وغيرهما من الميادين ، التي تتعلق مباشرة بحياة الإنسان .. لكن التقدم العلمي - للأسف الشديد - سار في اتجاه آخر ، أدى إلى دخول البشرية جمعاء منعطفًا خطيرًا ، بات يهددها بالفناء !
ونعتقد أن تصحيح هذا المسار لن يتم إلا باتخاذ العلماء أنفسهم موقفًا حاسمًا ، يحددون على أساسه أولويات الكشوف ، التي تحتاجها البشرية فعلًا ، أما المواقف السلبية ، التي غالبًا ما يقفها العلماء ، حتى بالنسبة للاكتشافات التي تتحقق على أيديهم ، وتستنزف طاقاتهم وعقولهم ، فإنها ليست في صالح التقدم العلمي ، ولا في صالح البشرية ، لأنها تتيح الفرصة أمام التجار والساسة ( أو الساسة التجار ) لاستغلال الكشوف العلمية في أحط الأغراض ، وأبعدها عن الأخلاق النبيلة !
وهذا مما يعوق التقدم العلمي ، ويحول دون كشف السنن المتعلقة بجوانب هامة جدًا من حياة الإنسان
خوارق سنة الله في الخلق
.. تحدثنا في الفصول السابقة عن خصائص السنن ، التي فطر الله عليها أمور الخلق ، وبينا أن هذه السنن تتصف بثلاث خصائص رئيسة هي الشمولية ، والثبات ، والاطراد ، وأكدنا أن هذه الخصائص تجعل من السنن قوانين صارمة لا تتبدل ولا تتحول ، ولا قدرة للإنسان على أن يبدلها ويحولها أبدًا ..
فهل يعني هذا أن السنن مازالت على حالها ، منذ أن خلق الله الخلق ، وقدر السنن ؟ أم أن السنن تبدلت في وقت ما ؟ أو عطلت في مكان ما ؟ وهل كل السنن ثابتة أم بعضها الثابت فقط ؟ وما علاقة الخوارق التي شهدتها البشرية في بعض الأزمان بالسنن ؟ هذه الأسئلة وغيرها ، سنحاول الإجابة عنها في هذا الفصل ، الذي نتحدث فيه عن بعض الظروف الاستثنائية ، التي يحصل فيها خرق للسنن ، وخروج عن مألوف البشر ..
ولكن قبل أن نستعرض هذه الاستثناءات من قانون السنة ، نود أن ننبه إلى أن هذه الاستثناءات قد تكون حقيقية ، أي أن تقوم على تبدل حقيقي في سنة كونية ما ، لحكمة يريدها الله عز وجل ، وقد يكون الاستثناء غير حقيقي ، أي أن نتوهم نحن البشر حدوث تبدل في السنة دون أن يكون لذلك حقيقة .
ومن الحقائق الأولية التي لابد من التذكير بها قبل مناقشة هذا الموضوع ، أن خالق السنن ومقدرها هو الله عز وجل ، فهو سبحانه الذي قدر أسبابها ، وهو الذي يقدر نتائجها .. وما صفة الثبات في السنن ، وارتباط نتائجها بأسبابها إلا بقدر من الله عز وجل .. ومن ثم فليس في استطاعة أحد من الخلق أن يخرق سنة من السنن ، أو يبدل فيها ، فهذا لا يكون إلا بمشيئة الله وحده ، متى شاء ، وكيف شاء .. وقد شاءت حكمته سبحانه أن يخرق بعض السنن ، في بعض الظروف الخاصة ، ليدلل بهذا على طلاقة قدرته من كل قيد، وليدلل كذلك على أنه خالق هذه السنن ، وأنه وحده المسيطر عليها ، إن شاء خرقها ، أو بدلها ، أو عطلها..
وأذكر أن أول ما لفت انتباهي شخصيًا لمسألة الخوارق ما شاهدته في بيت أحد أصدقائي ، فقد شاءت حكمة الله عز وجل أن يرزق هذا الصديق بثلاثة أولاد أسوياء الخلقة ، فقد حباهم الله بجمال ونضارة قل مثيلها بين البشر ، ثم شاءت حكمته سبحانه أن تلد زوجة الصديق طفلة لم تكن على هيئة البشر ، بل كانت مسخًا أقرب في شكلها وتكوينها إلى هيئة بعض الحيوان .. فخيل إلي وقتذاك أن ولادة الطفلة على تلك الهيئة يمثل خرقًا للسنن ، التي تتحكم في خلق وتصوير الجنين البشري .. غير أنني - بعد دراستي لعلم الجنين ومعرفتي بالتشوهات ، والتي قد تطرأ على الأجنة أثناء تخلقها - عرفت أن المسخ لا يمثل خرقًا للسنن التي تحكم نمو الأجنة ، وإنما هو يحدث من تأثير عوامل خارجية تعيق عملية الخلق والنمو .. وقد أصبح الكثير من هذه العوامل معروفًا اليوم للأطباء وعلماء الأجنة الذين أصبحوا قادرين - بإذن الله - على درء كثير من التشوهات الجنينية نتيجة لهذه المعرفة .
والواقع .. أن معظم ما نشاهده في حياتنا من خوارق هو من قبيل هذه الحادثة التي ذكرناها .. أي أن معظم الخوارق التي نراها لا تشكل خرقًا حقيقيًا للسنن ، وإنما هي تحدث نتيجة أسباب قد تخفى علينا ، وقد نعلمها .. ونستعرض فيما يلي أشهر الخوارق التي عرفها البشر لنبين علاقتها بالسنن التي فطر الله عليها أمور خلقه !
1 -المعجزة:
.. والمعجزة ( أمر خارق للعادة ، داعية إلى الخير والسعادة ، مقرونة بدعوى النبوة ، قصد بها إظهار صدق من ادعى أنه رسول من الله ) وكما هي الحال في الإرهاص ، فإن المعجزات مرتبطة بزمن الأنبياء كذلك .. وتقوم الحجة في المعجزة على أساس من ثبات السنن ، التي فطر الله عليها أمور الخلق ، فلو لم تكن السنن ثابتة ، لما كان في الخروج عنها إعجاز ولا حجة ، وإنما كانت الحجة في المعجزة لأنها تأتي بما لم يألفه البشر ، وما لا يمكن الإتيان بمثله ، إلا من قبل نبي مرسل ، مؤيد من الله عز وجل ، الذي خلق السنة أصلًا وأوجدها .
وقد كانت المعجزات كثيرة في حياة الأنبياء عليهم السلام ، ولا تكاد تخلو سيرة نبي من ذكر المعجزات ، التي أجراها الله على يديه ، ونذكر من ذلك ، عصا سيدنا موسى عليه السلام ، التي انقلبت حية ، وابتلعت حبال سحرة فرعون وعصيهم ..
ومن المعجزات كذلك إنزال مائدة من السماء على قوم سيدنا عيسى عليه السلام ، وإبراؤه للأكمه والأبرص والأعمى ، وإحياؤه الموتى .. كل ذلك بإذن الله .
ومن المعجزات التي جرت على يدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، إنطاقه للشجر ، وتكليمه ذراع الشاة المسمومة ، وتفجر الماء من بين أصابعه .. وغيرها كثير مما جاء في كتب الحديث والسيرة .
ولا شك أن معجزته الخالدة الباقية على الزمن هي القرآن الكريم .
2 -الإرهاص: