.. ومن الحوادث الخارقة التي ذكرتها كتب السيرة ( الإرهاص ) ، وهو حدوث أمر خارق للعادة ، يدل على بعثة نبي قبل بعثته .. ومن الإرهاصات التي سبقت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، تلك البركات التي ظهرت لمرضعته حليمة السعدية ، بعد أن ذهبت إلى قريش لتسترضع ولدًا ، فلم تجد غيره صلى الله عليه وسلم .
ومن الإرهاصات التي سبقت بعثته صلى الله عليه وسلم أيضًا حادثة شق صدره الشريف ، وفيها ( إن نفرًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا له: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك ، قال: نعم ، أنا دعوة أبي إبراهيم ، وبشرى أخي عيسى ، ورأت أمي حين حملت بي ، أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام ، واسترضعت في بني سعد بن بكر ، فبينما أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى غنمًا لنا ، إذ أتاني رجلان عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوءة ثلجًا ، ثم أخذاني فشقا بطني ، واستخرجا قلبي فنقياه ، فاستخرجا منه علقة سوداء ، فطرحاها ، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه ) .
والإرهاصات في حياة الأنبياء عليهم السلام معروفة وكثيرة .
3 -الكرامة:
.. والكرامة كالمعجزة من حيث أنها أمر خارق للعادة ، خارج عن مألوف البشر ، إلا أنها غير مقترنة بدعوى النبوة ، وغير مرتبطة بزمن النبوات ، فهي خوارق يجريها الله عز وجل على أيدي بعض عباده وأوليائه الصالحين تكريمًا لهم ، وبشارة على تقواهم وصلاحهم .. ونذكر من الكرامات التي حكاها القرآن الكريم ، أمر السيدة مريم عليها السلام التي نذرتها أمها لخدمة بيت المقدس ( فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتًا حسنًا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقًا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ) (آل عمران: 37) والكرامة هنا هي ما خص الله عز وجل به السيدة مريم عليها السلام ، بأن كان يرسل إليها الرزق الوافر ، وهي في خلوتها ، حتى أن سيدنا زكريا عليه السلام كان يستغرب وجود ذلك الرزق عندها ، وهو يعلم أنه لا أحد يدخل عليها غيره .
وقد أورد الإمام النووي رحمه الله في كتابه ( رياض الصالحين) أحاديث عديدة عن الكرامات في ( باب كرامات الأولياء الصالحين وفضلهم ) ختمه بقوله: ( وفي الباب أحاديث كثيرة صحيحة سبقت في مواضعها من هذا الكتاب ، منها حديث الغلام ، الذي يأتي الساحر والراهب ، ومنها حديث جريج ، وحديث أصحاب الغار ، الذين أطبقت عليهم الصخرة ، وحديث الرجل الذي سمع صوتًا في السحاب يقول: اسق حديقة فلان ، وغير ذلك ، والدلائل في الباب كثيرة مشهورة ) .
وهذه كلها دلائل على أن الله عز وجل قد يخرق السنة كرامة لأوليائه ، وهذا الخرق غير مرتبط بزمان ولا مكان ، وغير مرتبط كذلك بإرادة العبد الصالح نفسه ، وإنما هو مرتبط أولًا وأخيرًا بإرادة الله ومشيئته وحكمته .
4 -السحر:
والسحر ( لغة ) : هو كل أمر يخفي سببه ، ويتخيل على غير حقيقته ، ويجري مجرى التمويه والخداع .. وقد فصل بعض أهل العلم في أنواع السحر فذكروا منها: التمائم ، والشعوذة ، وتسخير الجن ، واستخدام الأدوية والأبخرة ، وغير ذلك من الأساليب ، التي يلجأ إليها السحرة عادة .. ولا نريد أن ندخل في تفصيلات هذه الأساليب ، نظرًا لطبيعة بحثنا هذا من جهة ، ونظرًا لاختلاف العلماء حول حقيقة هذه الأساليب ، وتأثيرها من جهة أخرى .. لكن الذي نريد أن نناقشه الآن هو تلك الحوادث من خداع البصر الذي يبدو خارقًا للعادة التي تجري على أيدي بعض السحرة ، سواء منهم من يفعلون ذلك بقصد الإمتاع في الحفلات وغيرها ، أو الذين يفعلون ذلك لأغراض أخرى كالوقيعة بين الناس .. والظاهر من نصوص القرآن الكريم أن فعل السحرة لا يعدو أن يكون خداع بصر ، ولنستمع إلى وصف الحق تبارك وتعالى لما جاء به سحرة فرعون ، وهم أمهر السحرة على مر التاريخ: ( قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى ، قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ) (طه: 65 - 66) وقوله تعالى: ( قال القوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم ) (الأعراف: 116 ) فلم يكن سحر السحرة إذن غير تخييل ( يخيل إليه من سحرهم .. ) ولم يكن غير خداع لأبصار المشاهدين (سحروا أعين الناس .. ) .
والفرق كبير ما بين التخييل والوهم والخداع ، وبين الحقيقة ، وهذا ما أثبتته بقية القصة حين ألقى موسى عليه السلام عصاه (وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون ) (الأعراف: 117 - 118) . فإن ما جاء به موسى عليه السلام كان معجزة من الله عز وجل .. كان حقيقة لا وهمًا .. كان خرقًا حقيقيًا للسنن ، فقد انقلبت العصا الجامدة إلى حية تدب على الأرض ، وتتحرك وتبتلع السحرة وعصيهم ! ولما كان سحرة فرعون يعلمون طبيعة السحر ، فإنهم لم يتمالكوا وهم يرون المعجزة إلا أن يخروا سجدًا لله ، ويعلنوا إيمانهم بما جاء به موسى لأنهم - وهم أهل الصنعة - قد أيقنوا أن ما جاء به لا يمكن لبشر أن يأتي به ، إلا أن يكون مؤيدًا من الله ، الذي خلق الخلائق وقدر السنن .. فهو وحده سبحانه القادر على خرقها ، وأما السحرة فإن دأبهم التمويه والخداع .
ونلاحظ من خلال عرض هذه الخوارق الخارجة عن مألوف البشر أنها ليست خوارق مطلقة ، فهي غير قابلة للحدوث في كل زمان ومكان ، بل هي مقيدة بظروف ..
فالمعجزات والإرهاصات مرتبطة بعصر النبوات ، وما دام عصر النبوات قد اختتم ببعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فلا معجزات ولا إرهاص إذن بعد ذلك .
وأما السحر فإن أغلبه من باب التخييل والخداع ، وهو لا يعبر عن خرق للسنة كما بينا آنفًا .. وإن أحوال الذين يمارسون السحر لتدل على طبيعة أفعالهم ، فالسحر لا يصنعه إلا الفساق والكفار ، وأما المؤمنون فهم أبعد الناس عن فعل السحر ، وبخاصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذر منه ، وعده من الكبائر .
و تبقى ( الكرامة ) هي الخارقة الوحيدة ، التي قد يداخلها بعض الالتباس ، إذ قد يلجأ بعض أصحاب النفوس الضعيفة ، والنوايا الخبيثة ، لادعاء ظهور بعض الكرامات على أيديهم ، بقصد الوصول إلى مكاسب معينة ، أو تحقيق مآرب شخصية دنيئة ، وهذا ما حصل في العصور الإسلامية المتأخرة في صفوف غلاة الطرق الصوفية ، وأصحاب الدعوات الباطنية الباطلة ، وكثيرًا ما نشاهد هؤلاء يعقدون الجلسات الخاصة ، ليعرضوا مهاراتهم في الإتيان بخوارق مختلفة ، يدعون أنها كرامات من الله عز وجل.
والحقيقة أن العبد الصالح الذي يخصه الله عز وجل بكرامة من عنده ، يغلب عليه أن يداري هذه الكرامات عن غيره من الناس ، مخافة أن يحبط الله عمله ، فهو أشد حياء بالكرامة من البنت في خدرها ، كما يقولون ، بينما نجد أدعياء الكرامات يفاخرون بها ، ويذيعون أخبارها للقريب والبعيد لكي يحققوا من وراء ذلك أغراضهم ..
ويحتم علينا هذا البيان أننا كلما رأينا خارقة من الخوارق أو سمعنا خبرًا من أخبارها أن نعرضها على كتاب الله ، وسنة رسوله ، فإن وافقهما قبلناها منه ، وعددناها كرامة ، وإن وجدناه غير ذلك لم نقبل منه ، وعددناها نوعًا من السحر أو الاستدراج ..